في التعريف به وبمولده وأبويه ونسبه وعشيرته الأقربين إليه
فأقول وبالله التوفيق :
هو رضي الله عنه من العلماء العاملين ، والأئمّة المجتهدين ، وممّن جمع شرف الجرثومة والدين ، وشَرَفَ العلم والعمل والأحوال الربانيّة الشريفة ، والمقامات العليّة المنيفة ، والهمّة العالية السماويّة ، والأخلاق الزكيّة الرحمانيّة ، والطريقة السنيّة السنية ، والعلم اللدنيّ ، والسرّ الربانيّ النافذ التام ، والخوارق العظام ، والكرامات الجسام ، القطب الجامع ، والغوث النافع ، الوارث الرحماني ، والإمام الربّاني ، مَنْ أقامه الله في وقته رحمة بالعباد ، وبركة ونورا في البلاد ، موقع نظره من خلقه وخزانة سرّه ، ومظهر نفوذ تصريفه ومنبع مدده ، فيّاض المدد والإمداد ، كثير النفع للعباد ، عنده
الكيمياء الخاصّة التي تقلب الأعيان ، وتُحيل نُحاسَ النفوس إبريزا في أقرب زمان ، فيصير ظلامها نورا ، وحزنها سرورا ، وتُمِيط خبث شهواتها ، وتلطّف كثافتها ، فانتفع به جلّ العباد ، في أقطار البلاد ، بمدده الربّاني ، وسرّ ورده الشريف المحمّديّ الصمداني ، من غير مجاهدة ولا تعب بمحض فيضه وفضله الرحماني ، القدوة الهمام مصباح الزمان ، وعين الأعيان ، العارف الكامل ، المحقّق الواصل ، العالم بالله ، الناصر لسُنَّة رسول الله ، ذو السيرة النبويّة ، والأخلاق المحمديّة ، بحر التوحيد ، ومعدن التفريد ، الوارث الجامع ، المُرَبِّي النافع ، الدالُّ على الله بحاله ومقاله ، الداعي إليه بإذنه بخلاله وفعاله ، صدر الصدور ، الفيّاض النور ، ذو الآيات الظاهرة ، والكرامات الباهرة ، الحُجّة ، شهاب الدين سيّدنا أبو العباس أحمد . ولد رضي الله عنه سنة خمسين ومائة وألف بقرية عين ماضي ، ونشأ بها في عفاف وأمانة ، وحفظ وصيانة ، وتُقَى وديانة ، محفوظا بحفظ الله سبحانه ، محروسا بالعناية ، محفوظا بالرعاية ، كريم الاخلاق والخلال ، طيب النفس والفعال ، كثير الحياء والأدب ، جميل المراقبة والطلب ، مقبلا على الجِدّ والاجتهاد ، مائلا إلى الرشد والانفراد ، متطلّبا للدين ، وسُنَن المهتدين ، مشتغلا بالقراءة ، معتادا للتلاوة ، حَسَن السمت ، طويل الصمت ، كثير الوقار والحياء ، حَسَن الخَلْق والخُلُق ، عالي الهمّة ، متواضعا معظّما عند الخاصّة والعامّة .
حَفِظَ القرآن العظيم في صغره حِفْظاً جيّداً في سبعة أعوام على ما أخبرني عن نفسه رضي الله عنه من رواية نافع على الشيخ العالم الصالح الأستاذ أبي عبد الله سيّدي محمد بن حمّو التجاني ، وقرأ هو رضي الله عنه على شيخه سيّدي عيسى بُعُكّاز المضاويّ التجاني وكان رجلا صالحا مشهورا بالولاية ، وكان مؤدِّبا للصبيان أيضا بالقرية المذكورة ، وقد ذكر أنّه رأى ربّ العزّة في النوم وقرأ عليه القرآن برواية ورش مِنْ أوّله إلى آخره ، فقال له ربّه : هكذا أُنْزِلَ ، وحصل على يديه النفع في قراءة القرآن . وتُوفِّي سيّدي محمد بن حمّو عام اثنين وستين ومائة وألف .
ثمّ بعد حفظه القرآن اشتغل بطلب العلوم الأصولية والفروعية والأدبية حتّى رَأَسَ فيها وحصل معانيها . فقرأ على شيخه العالم العلاّمة ، العارف بالله الدراكة ، سيّدي المبروك بن بعافية المضاوي التجاني ، قرأ عليه مختصر الشيخ خليل والرسالة ومقدّمة ابن رشد والأخضري ، ثمّ تمادى في طلب العلم زمانا ببلده حتّى حصل من العلوم ما انتفع به ، وكان يدرّس ويفتى .
ثمّ مال رضي الله عنه إلى طريق الصوفيّة والمباحثة على الأسرار الالهيّة حتّى تبحّر في فهم علومها ، والأحوال والمقامات والعلل والوقت والحال ، وله أجوبة في فنون العلوم فأبدى فيها وأعاد ، وحرّر المعقول والمنقول وأفاد .
ثمّ
اشتغل بالطاعة ، وحُبِّبَت إليه العبادة ، وتاقت همّته بالزهادة ، فكان يُكثِر القيام في الليالي المتطاولة ، حتّى إذا بلغ الأشدّ أرشده الله تعالى بسابق عنايته لِمَا أراد به من كرامته فصار رضي الله عنه يدلّ على الله ، وينصح عباد الله ، وينصر سُنّة رسول الله ، ويُحيِي أمور الدين وقلوب المؤمنين ، بما منحه الله من المعارف والأسرار ، والبركات والأنوار ، فأحيى الله به البلاد ، ونفع به الحاضر والباد ، وانتشرت على يديه أمور السّنة المدنية ، وأشرقت آياته المبيّنة ، فهو رضي الله عنه قويّ الظاهر والباطن ، كامل الأنوار والمحاسن ، عالى المقام راسخ التمكين والمرام ، متّصفا بكمال الإرث من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، بَهِيّ المنظر ، جميل المظهر ، مُنوّر الشيبة ، عظيم الهيبة ، جليل القدر ، شهير الذكر ، ذو صيت بعيد ، وعلم وحال مفيد ، وكلمة نافذة ، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عائدة ، وإظهار السّنة ، وإخماد البدعة ، يُضرَب به وبِدَارِهِ المثل في إحياء السّنة واتّباع الدين ، فهو جدير بأنْ يُلقَّبَ بِمُحْيي الدين ، صاحب وقته ، وفريد عصره ، وقد أحيا الله به سُنَنَ مغربنا بعد دروس آثارها ، وخمود أنوارها ، فانتشر به اللهج والفقر بذكر الله ، والصلاة على رسول الله ، نسأل الله تعالى أن ينظمنا في سلكه ، وفي دائرة حزبه ، بجاه حبيبه ونبيّه سيّدنا محمد وآله وصحبه .
وأبوه رضي الله عنه هو الشيخ الإمام ، كهف الإسلام ، وملاذ الأنام ، العالم الشهير ، الورع الكبير ، الدالّ على الله والجامع عليه ، والداعي بحاله ومقاله إليه ، حُجّة العلماء العاملين ، ومحجّة السالكين المسترشدين ، أبو عبد الله سيّدي محمد بالفتح ابن المختار ، وكان عالما ورعا ، متّبعا للسُّنّة مدرّسا ذاكرا ، وكانت تأتيه الروحانية يطلبون منه قضاء حوائجه فكان يمتنع منهم ويقول : أتركوني بيني وبين الله ، لا حاجة لي بالتعلّق بسوى الله تعالى . كان متعلّقا بالله ، قائما بالحقّ لله في سائر حركاته وسكناته ، لا تأخذه لومة لائم في الله ، وكان له بيت في داره لا يدخله أحد إلا لذكر الله ، توفّي رضي الله عنه سَنَةَ ستّ وستين ومائة وألف بالطاعون رحمة الله تعالى عليه .
وأمّه رضي الله عنها هي السيّدة الفاضلة الزكيّة الكاملة الطيّبة المطهّرة ، الخيّرة المنوّرة ، ذات الأخلاق الكريمة ، والسيرة المستقيمة ، معنية بأمر الدين ، ماسكة بحبله المتين ، لها من الصلاح مكانة عليّة ، ومرتبة سنيّة ، وحظّ عظيم من البرّ والإحسان ، والتفضّل والامتنان ، فكانت رحمها الله كثيرة الإرضاء و البرور ، لوالدها مع سعيها المشكور ، بالغة في ذلك الغاية ، وواصلة فيه حدّ النهاية ، قائمة بأداء حقوق بعلها الشيخ سيّدي محمد رضي الله عنه ، مطيعة لأمره وكلامه ، شديدة الاعتناء بشأنه ومرامه ، تتحرّى مراده ، وتهتمّ بما أراده ، تُجلّ قدره ، وتعظّم أمره ، وتراعي فيه حقّ مولاه ، وما حقّ له وأولاه ، قوّالة للحقّ ، ناصحة للخلق ، محافظة على الدين ، وسُنن المتّقين ، تحمل
أولادها وأقاربها عليه ، وترشدهم بالتي هي أحسن عليه ، كثيرة النصح لهم ، والرحمة بِهِمْ ، كثيرة الأذكار ، والصلاة على النبيّ المختار ، مواظبة عليها آناء الليل والنهار ، ووالى عليها من رحمة العزيز الغفّار ، رضي الله تعالى عنها وأرضاها ، وجعل الجنّة مثواها ، وهي الحرّة النفيسة ، السيّدة عائشة بنت السيّد الأثيل ، الولي الجليل ، ذي البركة الغزيرة والأنوار ، أسكنه الله مع الأبرار ، ووالى عليه المنّ والرضوان ، أبى عبد الله سيّدي محمد - بالرفع - بن السنوسي التجاني المضاوي . تُوُفّيَتْ رضي الله تعالى عنها في يوم واحد مع زوجها بالطاعون ، ودُفِنَا معاً بِعَيْن ماضي بالتاريخ المذكور . ولهما رضي الله تعالى عنهما أولاد غير سيّدنا رضي الله عنه ذكورا وإناثا ، وماتوا كلّهم رحمهم الله فلم يترك منهم إلاّ سيّدي محمد ولدا وبنتا فحازهما سيّدنا رضي الله تعالى عنه .
وأمّا نسبه رضي الله تعالى عنه : فَجَدُّهُ لأبيه رضي الله تعالى عنه هو السيّد الأصيل ، النزيه الجليل ، ذو المروءة والصيانة ، والحسب والمكانة والديانة والأمانة ، سيّدي المختار بن أحمد . كان رحمه الله زكيّا خيّرا مرضيّا ، جوادا فاضلا وفيّا ، كاملا عالي الهمّة ونبيه الشأن ، مِنْ أكابر الأعيان وأفاضل الزمان ، يَواصِلُ الرحم والأقارب ، ويواسي الجيران والأجانب ، كثير السخاء ، شديد الحياء ، رضي الله تعالى عنه وأرضاه ، وجعل الجَنّة مأواه .
وأمّا جَدُّهُ الثالث فهو السيّد الأصيل ، النزيه الجليل ، العلاّمة الحفيل ، عالم العلماء ، وأمير الأمراء ، جليل القدر ، عظيم الخطر ، صاحب الحال القويّ ، والمدد الروي ، والنور السنِيّ ، والهدي المبين ، والحزم المتين ، والبصيرة الصحيحة ، والأقوال الصريحة ، والهيبة والوقار ، والإجلال والإكبار ، الزاهد الورع ، الناصح المتّبع ، أبو العباس سيّدي أحمد بن محمّد بالفتح .
ورابع الأجداد لسيّدنا رضي الله تعالى عنه هو الشيخ الوليّ ، المكين العليّ ، ذو النور اللائح ، والجذب الواضح ، والمحبّة الصادقة ، والهمّة السابقة ، والتوكّل على الله ، والرضا عن الله ، والنهج القويم ، والخلق الكريم . وقد حُكِيَ عنه رضي الله تعالى عنه أنّه كان له بيت في داره لم يدخله أحدٌ غيره ، وكان إذا خرج من داره للمسجد يتبرقع ولا يرى أحد وجهه ، ولا يكشف عن وجهه إلاّ إذا دخل المسجد ، ثمّ إذا رجع إلى داره عاد إلى ستر وجهه حتّى يدخل لخلوته . وقد سألتُ الشيخ رضي الله تعالى عنه عن سبب ستر وجهه عن النّاس ، فأجاب رضي الله عنه بقوله : لعلّه بلغ مرتبة في الولاية ، فإنّ مَنْ بلغها يصير كلّ من رأى وجهه لا يقدر على مفارقته طرفة عين ، وإنْ فارقه وتحجّب عنه مات لحينه ، وهو ممّن أدرك هذا السرّ ، وهو اثنان وسبعون علما من العلوم المحمديّة ، ومكث فيها ثلاثة وعشرين سنة يستر وجهه عن الناس لِلْعِلّة المذكورة .
قلتُ لسيّدنا رضي الله عنه : هذه المرتبة هل هي خاصّة بمفاتيح الكنوز أو يشاركهم فيها غيرهم ؟ قال رضي الله عنه : بل هذه الحالة المذكورة لغيرهم من العارفين ، وأمّا القطب ومفاتيح الكنوز فلا يستترون لكمالهم . ولعلّ السيّد المذكور أدرك هذه المرتبة فكانت هي سبب ستر وجهه عن الناس . وهذا السيّد رضي الله تعالى عنه هو الذي وفد أوّلا لعين ماضي وتوطّن بها ، وبنى وتزوّج منهم ، فكانوا أخوالا لسيّدنا رضي الله تعالى عنه ، ولهذا ينتسبون للتجانيّة ، وليس لهم نسب لأهل عين ماضي بل غلبت عليهم الكنية والشهرة لأجل مصاهرتهم لهم .
وأما نسبه رضي الله تعالى عنه فهو شريف محقّق ، ويُرفع إلى مولانا محمّد الملقّب بالنفس الزكيّة بن مولانا الحسن المثنى بن الحسن السبط بن مولانا عَلِيّ رضي الله عنهما . ونسبه رضي الله عنه مذكورٌ في رسمهم عند أوائلهم ، فلم يلتفت سيّدنا لذلك لِما هو عليه من الجِدِّ والاجتهاد ، ولم يكتفِ بما هو مذكور من الآباء والأجداد ، والرسوم وأخبار الأعيان والآحاد ، حتّى سأل سيّد الوجود ، وعلم الشهود ، صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم في كلّ نفس مشهود عن نسبه ، وهل هو من الأبناء والأولاد ، ومن الآل والأحفاد ، فأجابه صلّى الله عليه وسلّم بقوله : أنت ولدي حقّا أنت ولدي حقّا أنت ولدي حقّا ، كرّرها صلّى الله عليه وسلّم ثلاثا ، وقال له صلّى الله عليه وسلّم : نسبك إلى الحسن بن عليّ صحيح . وهذا السؤال من سيّدنا رضي الله تعالى عنه لسيّد الوجود يقظة لا مناما ، وبشّره صلّى الله عليه وسلّم بأمور عظام جسام صلّى الله عليه وسلّم ، وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم .
وأمّا عشيرته الأقربون إليه فَهُمْ أولاد الشيخ سيّدي محمد رضي الله عنه ، وَهُمَا سيّدي محمد المكنّي بابن عمر ، كان حافظا للقرآن العزيز ، ومشاركا في علوم الشريعة ، مبالغا في علوم الفرائض والحساب ، فمات رحمه الله بعين ماضي . وأخته وشقيقته السيّدة رقيّة رضي الله عنها فكانت أكبر سنّا من سيّدنا رضي الله عنه ، وكانت تأتيه إلى منزله ويكرمها ويواسيها ويرضيها حتّى يبعثها لمكانها عين ماضي ، فماتت وتركت ولدا اسمه عبد الله ، حافظا للقرآن ومشاركا في بعض العلوم ، وله باع في علم الحساب ، وهو من أصحاب سيّدنا وأخذ عنه ، وهو الآن بقيد الحياة بعين ماضي . فهؤلاء المعروفون عندنا من عشيرة شيخنا رضي الله تعالى عنه ماتت رحمة الله عليها سنة ... .
وبالجملة فكان أولاد سيّدي محمد رضي الله تعالى عنه نشأوا على أحسن حال ، وأكرم فِعَال ، وأطيب خليقة ، وأمثل طريقة ، ذاهبون على مقتضى تربيته رضي الله عنه من الخروج عن العوائد والمألوفات ، والزوائد والتكلفات ، والتواضع في أنفسهم ، ورفع الهمّة عن أبناء جنسهم ، قد أخذوا بأشياء من سيرة والدهم وتخلقوا بها ، ودرسوا على
سنتهم وتحققوا بها ،
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهُمْ

(1)
(الطور 52 الآية: 21 ) ، والله تعالى يجازي العباد على قدر أعمالهم ونيّاتهم ، زادهم الله من فضله ، وكان لهم بِمَنِّه وطَوْلِه .