نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - الباب الأوّل - الفصل الثالث : في أخذ طريق رشده وهدايته
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > الباب الأوّل > الفصـل الثالث


في أخذ طريق رشده وهدايته.

إعلم أنّ أولى ما تتعلّق به المعرفة والدراية ، وتجب المحافظة لمكانه والرعاية ، مَنْ أتتكَ على يديه نتائج الهداية ، وواجهتك منه بإذن الله العناية ، إذ هو الأب والوالد ، وأحقّ مِن كلّ نَسَبٍ وتالد ، حيث كان لك السبب في عدد إيجادات ونَيْلِ مدد السعادات ، فكان السبب في إخراجك من عدم الجهالة إلى وجود المعرفة حالة ، ومِن مكان الغفلة والصدود إلى مكان التوجّه والورود ، ومِن موطن الغواية إلى منزلة الهداية ، ومِن ظلمات المخالفات والعصيان إلى أنوار المتابعة والرضوان ، ومِن موقف الجفا والبعاد إلى كنف القرب والوداد ، ومِن درك القطيعة إلى درجة الوصل الرفيعة ، ومِن مَحَلّ الإشراك والأنداد إلى مقام التوحيد والإفراد ، فنقَلَكَ من وجودٍ حسّي إلى وجودٍ قدسي ، ومِن وجودٍ نفساني إلى وجودٍ رحماني ، ومِن وجودٍ كالعدم إلى وجودٍ راسخ القَدم ، فأنزلك في هذه المنازل المنيفة وأشرق عليك منه نور الحقيقة ، فصرتَ موحِّداً حقيقيّا ، وفزتَ فوزا أبديّا ، فكانت لك الولادة المعنويّة أنفع من الأبوّة الحسيّة ، وأحقّ منها رعاية وآكد منها دراية ، وأقرب منها حسبا وأوصل سببا ، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه :
نسب أقرب في شرع الهــــوى      بيننا من نسب من أبــــــوي
وصارت معرفته أحرى من معرفةٍ أخرى كما قاله الشعراني رضي الله عنه : " تعيّين الأب لئلاّ يجهل الإبن من النسب فينتسب أو ينسبه سواه لغير أبيه فيشمله حديث : « من انتسب إلى غير أبيه أو تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » ومن لم يعرف والده في الطريق فهو دعيّ على التحقيق " . ولِوُجُوب معرفة هذا النسب ، وكون حقّه أوكد وأوجب ، تَجِد الأشياخ في كتبهم يتعرّضون للتعريف بآبائهم لبيان رتبهم فيقدّمون نسبهم الديني على نسبهم الطيني إذ ليست الرتبة كالرتبة ولا القربة كالقربة في الغالب ، ثمّ معرفة قدر شيخ الإنسان علامة على معرفة قدره ، وعنوان ودليل على قدر مِنَحِه وقوّة حاله وفتحه ، إذْ على قدر فتح الشيخ يكون فتح المريد ، وبحسب قوّة حاله وتهذيبه يكون التهذيب والمزيد ، ولهذا قال الشيخ الكامل ، والقطب الشامل ، مولانا عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه مشيرا لهذا المعنى : " البيضة مِنَّا بألفٍ والفرخ لا يُقَوَّم " . ولا سبيل لمعرفة هذه تحصيلا إلاّ بالتعرّف للتعريف بالشيخ تفصيلا ، فكان التعرّض من أجل ذلك للتعريف بأشياخ سيّدنا رضي الله عنه أكيدا ، ولتمام المعرفة بقدرهم مفيدا ، وبسبيل ذلك تأكّد التعريف بأشياخه ليحصل التعريف بقدره ، فتعرّضنا لذلك في هذا الباب واقتصرنا فيه على ما لا مندوحة عنه . والله الموفّق للصواب .
فأقول وبالله التوفيق :
فأوّل مَن لقيه من السادات الأعلام زمن انتقاله من بلده إلى فاس وأحوازها لقي الوليّ الكبير ، والقطب الشهير ، الشريف الأصيل ، الوجيه الاثيل ، صاحب الكرامات الشهيرة ، والمزايا العظام الفاخرة ، مولانا الطيّب بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم اليملحي العلمي دفين وزّان من بلاد الهبط من مصمودة حيث ضريح أبيه وجدّه وأخيه مولانا التهامي وهو شيخه رضي الله عنه وعنهم أجمعين ، له صيت عال كبير جدّا تشدّ لزيارته الرحال من الآفاق البعيدة من الرجال وزوايا كثيرة في مدن المغرب وما والاه وبالمشرق وما حواه ، فشهرته رضي الله عنه تغني عن التعريف به وبنسبه وبطريقته رضي الله عنه ، توفّي رحمه الله تعالى ورضي عنه أواخر ربيع الثاني عام 1180 هـ ، ودُفِن ببلاده وزّان رحمه الله . أخذ عنه سيّدنا رضي الله عنه وأذن له في تلقين ورده فامتنع سيّدنا رضي الله عنه من ذلك لاشتغاله رضي الله عنه بنفسه ولكونه لم يعرف منزلته في ذلك الوقت رضي الله عنه .
ولقيَ الوليّ الصالح ، ذا السعي الرابح ، صاحب الكشف الصحيح ، والذوق الصريح ، سيّدي محمد بن الحسن الوانجلي من بني وانجل من جبال الزبيب . فإنّه لمّا وَرَدَ عليه سيّدنا رضي الله عنه قال له قبل أن يكلّمه : " إنّك تدرك مقام الشاذلي " ، وكاشَفَه بأمور كانت بباطنه ، وأخبره بما سيكون منه ، وذلك عن بُعْدٍ ، وقد ظهر الآن ما بشّره به - ولله الحمد والمِنّة - من الخوارق و الكرامات والبوارق ، ولم يأخذ عنه سيّدنا رضي الله عنه .توفي رحمه الله حدود 1185 هـ .
ولقي بفاس الوليّ الصالح ، نجل العارف الرابح ، سيّدي عبد الله بن سيّدي العربي بن أحمد بن محمد المدعو ابن عبد الله من أولاد معن الأندلسي رحمهم الله ، لقيَهُ وتكلّم معه في أمور ، ثمّ لمّا أراد أن يودّعه دعا له بخير الدارين ، وآخر ما افترقا عليه قال له : " الله يأخذ بيدك " ثلاثا . توفيَ سنة 1188 هـ ، وغسّلته بيديّ وكفّنته وجهّزته رضي الله عنه ، وكانت له جنازة حفيلة حضرها أعيان فاس من علمائها وفقرائها ورؤسائها وصُلِّيَ عليه بقبره عند آبائه وأجداده خارج باب الفتوح قرب قبّة القطب الشهير سيّدي أحمد اليمني رضي الله عنه .
ثمّ أخذ طريق الشيخ مولانا عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه بفاس على يد من كان يلقّن طريقته ومن له الإذن فيها ثمّ تركَها بعد حين .
ثمّ اخذ الطريقة الناصرية على الوليّ الصالح أبي عبد الله سيّدي محمد بن عبد الله التزاني ، ثمّ تركها بعد حين .
ثمّ أخذ طريق القطب الشهير ، العالم الكبير ، أبي العباس سيّدي أحمد الحبيب بن محمد الملقّب بالغماري السجلماسي الصديقي نسبا على بعض من له الإذن فيه ، ثمّ تركها بعد مدّة . ثمّ لقيه في عالم النوم بعد موته ووضع فاه على فيه وهو قابض على لسان الشيخ رضي الله عنه ولقنّه إسما في تلك الحالة ، هكذا سمعناه من سيّدنا رضي الله عنه . ثمّ ذكره مدّة وتركه . توفيَ الشيخ المذكور رابع 4 المحرّم عام 1165 هـ .
ثمّ أخذ عن الوليّ الصالح الملامتي أبي العباس سيّدي أحمد الطواش نزيل تازة وبها توفي ليلة 18 الثامن عشر من جمادي الأولى عام 1204 هـ ، ولقنّه إسما وقال له : ” ألزم الخلوة والوحدة والذكر واصبر حتّى يفتح الله عليك فإنّك تنال مقاما عظيما "، فلم يساعده سيّدنا رضي الله عنه ، فقال : " ألزم هذا الذكر ودُمْ عليه من غير خلوة ولا وحدة فيفتح الله عليك على تلك الحالة " ، فذَكَرَه سيّدنا مدّة وتركه . ووقع لنا معه رضي الله عنه كرامات عديدة ، وسمعت منه ما ينبئ عن تصريفه في تلك البلدة ، وأخبرني بما يصله سيّدنا رضي الله عنه من المقامات حتّى رأيناها والحمد لله وله المنّة .
ثمّ انتقل من المغرب إلى ناحية الصحراء قاصدا زاوية الشيخ سيّدي عبد القادر بن محمد الأبيض ، فأقام بها مدّة كما تقدّم ثم انتقل إلى تلمسان كما تقدّم أيضا .
ثمّ انتقل من تلمسان قاصدا الحجّ لبيت الله الحرام وزيارة قبر نبيّه عليه الصلاة والسلام كما تقدّم . فلمّا وصل إلى بلد ازواوى بقرب الجزائر سمع بالشيخ الإمام ، والعارف الهمام ، قدوة المتّقين ، وعمدة المحقّقين ، أبي عبد الله سيّدي محمَّد بالفتح عبد الرحمن الأزهري ، لقيَه وأخذ عنه الطريقة الخلوتية وكان لهذا الشيخ رضي الله عنه صيت كبير وأتباع كثيرة وله زوايا كبيرة ، توفي رحمه الله فاتح محرّم عام 1180 هـ .
فلمّا دخل تونس عام 1186 هـ ، لقيَ بعض الأولياء بها منهم الوليّ الشهير ، صاحب القدر الكبير ، سيّدي عبد الصمد الرّحوي ، وكان تحت ولاية غيره وهو قطب تلك البلدة ، وكان في صحبته رابع أربعة ، ولم يلاقوه إلاّ ليلا لستره على حاله في ليلة الجمعة وليلة الاثنين . قال الشيخ رضي الله عنه : " طلبتُ من سيّدي عبد الصمد ملاقاة هذا السيّد رضي الله عنه فامتنع متعلّلا بعدم ملاقاة أحد أصلا ، فبعث له محبوبا مع صاحبه ، فقال له ذلك الوليّ : ” المحبوب بعث محبوباً " .
فأقام سَنَةً كاملةً بعضها بتونس وبعضها بمدينة سوسة ، فدرّس بتونس كتاب الحِكَمِ وغيره ، فأرسل له أمير البلد أن يقيم عنده بتونس لقراءة العلم وتدريسه والقيام بأمر الدين وتدريسه ، ونفذ له دارا ومسجد الزيتونة للقراءة ، وعيّن له مُرَتّبا عظيما ، فلما قرأ كتاب الأمير مسكه وسكتَ ، ومِن الغد تهيّأ للسفر في البحر لمصر القاهرة قاصدا الحجّ ، وعازما على الأخذ عن الشيخ محمود الكردي واستسلام القياد له والسلوك بطريقته والسير بسيرته لرؤيا رآها هنالك . فبعث لذلك الولي خديمه سيّدي عبد الصمد وقال : قل له : " إنّي أردت السفر في البحر لمصر القاهرة وأطلب منه الضمان في البحر من كلّ ما يروّع البال وما يشوّش الحال " ، فساعفه على مطلوبه وقال : " قل له أنت مضمون ذهاباً وإيّاباً " ، فعند ذلك ركب في البحر متوجّها لمصر ، فحفظه الله إلى أن بلغ بالسلامة والعافية لمصر القاهرة ، فسأل عن الشيخ الهمام ، العالم الإمام ، المشارك النبيل ، المحدّث الصوفيّ الجليل ، ذي الفكر الصائب ، والذهن الثاقب ، الفاضل المنيف ، الأعرف الزاهد العفيف ، حجّة الإسلام ، وقدوة الأنام ، العارف الكبير ، الوليّ الشهير ، طود المعرفة الشامخ ، المتمكّن الراسخ ، الكامل العرفان والإتّباع ، الموصل المربّي النفّاع ، أبي الفضائل سيّدي محمود الكردي المصري دارا وقرارا ، العراقي أصلا ومنشأ رضي الله عنه وأفاض علينا من بركاته آمين . فلمّا وَرَدَ عليه سيّدنا رضي الله عنه أوّل ملاقاته قال له : " أنت محبوب عند الله في الدنيا والآخرة " ، قال له سيّدنا رضي الله عنه : " مِن أين لك هذا ؟ " ، قال له : " من الله " ، فقال له سيّدنا رضي الله عنه : " رأيتك وأنا بتونس فقلتُ لك : إنّي نحاس كلّ ذاتي " ، قلتَ لي : " هو كذلك ، وأنا أقلب نحاسك ذهباً " ، فلمّا قصّها عليه قال له رضي الله عنه : " هو كما رأيت " ، ثمّ قال له بعد أيّام : " ما مطلبك ؟ " ، قال له : " مطلبي القطبانية العظمى " ، قال له : " لك أكثر منها " ، قال له : " عليك ؟ " ، قال له : " نعم " ، فأخبره رضي الله عنه عن نفسه وما وقع له في سياحته ، وسبب ملاقاته مع شيخه الحفني وشيخ شيخه الشيخ مولانا مصطفى البكري الصديق رضي الله عنهم أجمعين .
فتهيّأ سيّدنا رضي الله عنه للسفر لبيت الله الحرام في البحر فواعده الشيخ ودعا له وضمنه في سفره في الذهاب والإيّاب . فلمّا بلغ إلى مكّة المشرّفة ، زادها الله علوّا ورفعة وشرفا ومكانة ، في شوّال سنة سبعة وثمانين بتقديم السين على الباء ومائة وألف - 1187 هـ - فبحث هنالك عن أهل الخير والصلاح ، والرشد والفلاح ، كما هي عادته رضي الله عنه ليحصل كمال الطلب والنجاح ، فسمع بالشيخ الإمام ، الحبر الهمام ، بدر التمام ، ومسك الختام ، وشمس الأنام ، وقمر دارة الأعلام ، أبي العباس سيّدي أحمد بن عبد الله الهندي قاطن مكة المشرفة رضي الله عنه ، أخذ عنه رضي الله عنه علوما وأسرارا ، وأحكما وأنوارا ، من غير ملاقاة له إنّما كان يراسله مع خادمه وهو الواسطة بينهما لأنّه لم يكن له إذن في ملاقاة أحد أصلا ، بعد طلب سيّدنا له بملاقاته فأجابه بأنّه لا إذن له في ملاقاة أحد أصلا . وانتفع سيّدنا على يديه ، وأخبره بما يؤول إليه أمره ، وقال له : " أنت وارث علمي وأسراري ومواهبي وأنواري " ، فلمّا كتب له ذلك قال لخادمه : " هذا الذي كنت أترجّاه ، قل له هو وارثي " ، فقال له خادمه : " هذه مدّة ثمانية عشر عاما وأنا أخدمك والآن أتى رجل من ناحية المغرب تقول لي هو وارثي ؟ " ، فقال له : " لا أترجّى إلاّ هو ، وهذا ليس لأحد فيه اختيار يختصّ برحمته من يشاء ، لو كان الإختيار لي لنفعت بذلك ولدي به قبلك ، منذ زمان وأنا أترجّى وأترقّب له في الغيب ننفعه بشيء لم يُرِدْهُ الله به حتّى أتى صاحبه " . فكتب لسيّدنا حينئذ وقال له : " بحقّي عليك إلاّ ما فعلتَ مع ولدي خيرا " ، وأخبره بأنّه يموت في عشرين من شهر الله ذي الحجة الحرام فكان كما قال رحمه الله ورضي عنه . فلمّا دفن دعا ولدَه شيخُنا ودخل معه البيت ومكنّه من السر حفظا لأمانة الشيخ وللوفاء بعهده ، وكان قبل موته رضي الله عنه أعطى لسيّدنا سرّا كبيرا وأمره أن يذكره سبعة أيام فيفتح عليه لكن يعتزل الناس ولا يراه أحد قطّ بعد هذا العمل ، فلم يفعل سيّدنا رضي الله عنه بهذا الشرط المذكور . وحين دنا الرحيل لعرفة قال له سيّدنا رضي الله عنه في رسالته طالباً منه الملاقاة لأنّ أوان الفراق قد دنا لينظر طلعته البهيّة وما ونا ، فقال له : " لا إذن لي في الملاقاة ولكن تلتقي بالقطب بعدي يكفيك عنّي " ، يشير له إلى ملاقاته بالشيخ السمّان ، وأخبره بأنّه لا بدّ له من بلوغ مقام الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه كما أخبره بذلك سيّدي محمد بن الحسن المتقدّم ذِكْرُه ، وأخبره بأمور عديدة ، وهو المعتمد عند سيّدنا في العلوم والأسرار والخواص والأنوار ، توفي رضي الله عنه عام سبعة بتقديم السين على الباء وثمانين ومائة وألف 1187 هـ .
ولما قضى نُسُكَهُ ، وكمل حجّه المبرور وسعيه المشكور ، إرتحل للمدينة المنوّرة لزيارة النبيّ المبرور، فلمّا بلغ لمدينة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم ، وتوجّه لزيارة القبر الشريف وما أودع الله فيه من السرّ المنيف ، فدخل بهيبة ووقار وإعظام وإكبار ، فأعطى للمقام ما يناسب قدره العظيم من الآداب والإجلال والتذلل والخضوع العميم ، فلمّا قضى زيارته وكمّل الله أمنيته ورغبته ، إلْتفتَ إلى ملاقاة القطب الشهير ، العالم الكبير ، صاحب الكرامات الباهرة ، والإشارات الفاخرة ، أبي عبد الله سيّدي محمد بن عبد الكريم الشهير بالسمّان رضي الله عنه . فلمّا لاقاه أخبره بحاله وما يؤول إليه في عاقبة مآله ، فطلب منه الشيخ المذكور أن يقيم عنده سيّدنا ويدخله الخلوة ثلاثة أيام ويصبغه صبغة تامة ، فتعلّل له سيّدنا بعدم الإقامة لعذر قام به ، فأذِنَهُ الشيخ المذكور بعد طلب سيّدنا له في جميع الأسماء والمسميات وأخبره رضي الله عنه بأنّه هو القطب الجامع ، وقال لسيّدنا : " أطلبْ ما شئت " ، فطلب منه سيّدنا أمورا فساعده على ذلك ، ثمّ رجع لمصر القاهرة مع ركب الحجيج بالسلامة والعافية ، فوصل إليها محفوفا بالكرامة والعناية الربانية ، فذهب لزيارة شيخه يسلّم عليه من قدومه من حجّه وزيارته ، فسلّم عليه ورحّب به وأجلسه بين يديه ، وأمره بالتردّد في كلّ يوم إليه فكان رضي الله عنه يُلْقِي الأمور المشكلة على سيّدنا ويطلب منه حلّ إشكالها من علوم سيّدنا ، فلم يزل كذلك حتى ظهرت علوم سيّدنا الغزيرة ، وأحدقت به علماء مصر لإفادتهم من علومه الغزيرة . ثمّ عند انتقاله للمغرب أذن له شيخه الشيخ المذكور في طريقته الخلوتية والتربية بها ، فامتنع ، فقال الشيخ : " لقّن الناس والضمان عليّ " ، فقال له : " نعم " ، فكتب له الإجازة وسند الطريق .
ولنذكر سنده للتبرّك به على التحقيق ، فأقول وبالله الإعانة والمدد والتوفيق ، كما قال رضي الله عنه : لقّن ربُّ العزّة جبريل وهو لقّن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو لقّن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه وهو لقّن ابنه الحسن والحسن البصري وجميل بن زياد والحسن البصري لقّن حبيباً العجمي وهو لقّن داوود الطائي وهو لقّن معروفا بن فيروز الكرخي وهو لقّن السريّ بن المغلس السقطي وهو لقّن الجنيد بن محمد سيّد الطائفة البغدادية وهو لقّن محمد البكري وهو لقّن وجيه الدين القاضي وهو لقّن عمر البكري وهو لقّن أبا النجيب السهروردي وهو لقّن قطب الدين الأبهري وهو لقّن ركن الدين محمد النجاشي وهو لقّن شهاب الدين محمد الشيرازي وهو لقّن سيّدي جمال الدين التبريزي وهو لقّن إبراهيم الزاهد الكيلاني وهو لقّن محمدا الخلوتي وهو لقّن عمر الخلوتي وهو لقّن محمدا أبرم الخلوتي وهو لقّن الحاج عزّ الدين وهو لقّن صدر الدين الجياني وهو لقّن سيّدي يحي الباكوبي وهو لقّن محمد بن بهاء الدين الشرواني وهو لقّن جلبي سلطان المقدسي الشهير بجمال الخلوتي وهو لقّن خير الدين النقادي وهو لقّن الشيخ شعبان القسطموني وهو لقّن محي الدين القسطموني وهو لقّن سيّدي عمر الفؤادي وهو لقّن وأرشد الشيخ إسماعيل الجرمي المدفون بالقرب من مرقد سيّدي بلال الحبشي رضي الله عنه بديار الشام وهو لقّن وأرشد الشيخ علي أفندي قرّا باشا وتخلّف عن والده الشيخ مصطفى الطبيبي أيّ هو الذي أجازه بالإرشاد وهو لقّن وأرشد الشيخ مصطفى أفندي الأدنوي وهو لقّن وأرشد عبد اللطيف الخلوتي الحلبي وهو لقّن وأرشد قطب الوجود السيّد مصطفى بن كمال الدين الصديقي وهو لقّن وأرشد الشيخ الحفني وهو لقّن وأرشد الشيخ محمود الكردي وهو لقّن قطب زمانه ، فريد عصره وأوانه ، شيخنا وقدوتنا إلى الله مولانا أبا العباس أحمد بن محمد التجاني وهو لقّن أبا عبد الله الشريف محمد بن محمد بن المشري السائحي ولقّن العبد الفقير إلى مولاه الغنيّ الحميد جامع هذا الكتاب المجيد ، أدرجنا الله في سلكهم ، وأماتنا على محبّتهم ، وحشرنا في زمرتهم ، وأدخلنا مدخلهم ، وأحلّنا محلّهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم .
أولئك آبائي فجِئْنِي بمثلهـــم      إذا جمعتنا يا جرير المجامــــع
فلمّا ودّعه وقفل إلى ناحية تونس فوصل إليها بالسلامة والعافية ، وانتقل منها إلى تلمسان وأقام بها مجتهدا في العبادة والدلالة على الله ، ثمّ سافر إلى مدينة فاس بقصد زيارة مولانا إدريس سنة إحدى وتسعين ومائة وألف ، وفي هذه الرحلة المباركة لاقيته رضي الله عنه بمدينة وَجْدَة قافلا لفاس فقفلت معه وتعرّف لي ، وقد كنت رأيت قبل هذا الوقت بعامين رؤيا تدلّ على صحبته والأخذ عنه ، فبعد يومين أو ثلاثة تعرّف لي وذكر لي الرؤيا بعينها وقد كنتُ نسيتها ، وقال لي : " أما تخاف من الله تتعبني من مكاني إليك ، فلا حاجة لي إلاّ ملاقاتك ، فاحمد الله على ذلك " ، فحمدت الله وشكرته وعلمت أنّ الله تفضّل عليّ وأنّه هو الكفيل لي والمتولّي أموري بتصريح منه رضي الله عنه ، فأخبرني بما يؤول إليه أمري من الفتح والتمكين . فلمّا وصلنا إلى فاس أقام بها مدّة بقصد زيارة مولانا إدريس فلقّنني الطريقة الخلوتية وأسرارا وعلوما ورجع إلى تلمسان وأخبرني بأنّه ينتقل من تلمسان إلى مكان آخر لأنّ حاله لم يستقم بها وضاقت نفسه ، فودّعته وقال لي : " ألزم العهد والمحبّة حتّى يأتي الفتح إن شاء الله تعالى " .
فلمّا وصل إلى تلمسان أقام بها مدّة وارتحل إلى ناحية الصحراء سنة ستة وتسعين ومائة وألف ونزل بقرية القطب الكبير سيّدي أبي سمغون ، ثم سافر منها إلى بلاد اتوات بقصد الزيارة فلقي بعض الأولياء بها وأخذ عنهم بعض الأمور الخاصّة ، واستفادوا منه علوما وأسرارا في الطريق ، ثم رجع إلى قرية أبي سمغون وأقام بها واستوطن ، وفيها وقع له الفتح وأذِنَ له صلّى الله عليه وسلّم في تلقين الخلق بعد أن كان فارّاً من ملاقاة الخلق لاعتنائه بنفسه وعدم ادّعاء المشيخة إلى أن وقع له الإذن منه يقظة لا مناما بتربية الخلق على العموم والإطلاق ، وعيّن له الورد الذي يلقّنه في سنة ست وتسعين ومائة وألف . عيّن له صلّى الله عليه وسلّم الاستغفار والصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم ، وهذا كان هو أصل الورد في تلك المدّة إلى رأس المائة كمّل له الورد صلّى الله عليه وسلّم بكلمة الإخلاص . فعند هذا تنزّل للخلق والإفادة ، وإظهار الطريقة والاستفادة ، وهذا بعد إخباره له وبعلوّ مقامه ، وارتفاع قدره ومكانه ، وأخبره عليه الصلاة والسلام بفضل هذا الورد وقَدْرِه وما أعدّ الله لمن أحبّه من أتباعه وحزبه ، وسيأتي إن شاء الله هذا مبيّنا مفصّلا في بابه .
ولمّا أذن له صلّى الله عليه وسلّم في هذه الطريقة الأحمدية ، والسيرة المصطفوية النبوية ، وفتح الله له على يديه صلّى الله عليه وسلّم وأخبره أنّه هو مربّيه وكافله ، وأنّه لا يصله شيء من الله إلاّ على يديه وبواسطته صلّى الله عليه وسلّم ، وقال له : " لا مِنَّة لمخلوق عليك من أشياخ الطريق فأنا واسطتك ومُمِدّك على التحقيق فاترك عنك جميع ما أخذت من جميع الطرق " . وقال له : " ألزم هذه الطريقة من غير خلوة ولا اعتزال عن الناس حتّى تصل مقامك الذي وعدت به وأنت على حالك من غير ضيق ولا حرج ولا كثرة مجاهدة واترك عنك جميع الأولياء " ، فمن حين قال له صلّى الله عليه وسلّم هذه القولة ترك جميع الطرق وترك الطلب من جميع الأولياء .
فانظر رحمك الله هذا الاعتناء بشيخنا رضي الله عنه وهذه المحبّة والخصوصية من سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ، وهذا يدلّ على أنّ لسيّدنا رضي الله عنه مرتبة عظيمة عند الله تعالى كما أخبره بها سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم في غير ما مرّة وذلك أنّ من كان وصوله على يديه وفتحه كان مقامه أعلى وأجلّ وأرفع كما هو معلوم عند أهل الطريق ، وكان أصحابه أعظم قدرا في الغالب من أصحاب غيره من الأشياخ رضي الله عنهم كما أشار إليه مولانا عبد القادر الجيلاني في قوله الذي قدّمناه وهو : " البيضة منا بألف … الخ " مشيرا بهذا لأصحابه لأنّ فتحه ووصوله كان على يديه صلّى الله عليه وسلّم ومن كان فتحه ووصوله على يديه صلّى الله عليه وسلّم كان أرفع قدرا وأعظم شأنا . وهذا الفتح والفيض منه صلّى الله عليه وسلّم وقع على رأس المائة الثانية بعد الألف بأبي سمغون والشلالة ، ومن ذلك الوقت والحمد لله تترادف عليه الأنوار والأسرار والتجلّيات والترقيّات وكمال الأنوار ، فمن ذلك الوقت والوفود تَرِدُ عليه من جميع النواحي والأقطار للأخذ عنه والزيارة وأخذ الأسرار .
ومن جملة فيوضاته ما تلقّيناه من إملائه علينا مِن حِفْظِه ولَفْظِه ، وسَيَرِدُ عليك إن شاء الله في هذا المجموع المبارك في محلّه ما ستقف عليه ممّا يبهر العقول ويتمحق فيه المعقول والمنقول .
وبقي سيّدنا رضي الله عنه على هذه الحالة من ذلك الوقت في تلك البلدة ونحن نتردّد عليه المرّة بعد المرّة . وقدِمنا لزيارته لتلك البلدة في شهر رمضان من سنة ثلاثة أعوام ومائتين وألف وفي كلّ مرّة نسمع منه ما لم نسمعه في التي قبلها من العلوم والأسرار ، ولم أزل أقيّد ما سمعته منه ويمليه علينا من حفظه ولفظه .
ثمّ انتقل من بلاد الصحراء المذكورة في السابع عشر من ربيع الأوّل النبويّ سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف ودخل بفاس السادس من ربيع الثاني من العام المذكور ونحن معه من أبي سمغون إلى أن وصلنا لفاس ، واستفدنا في سفرنا أمورا لا نحصيها من أحوال سيّدنا رضي الله عنه التي لم يطّلع عليها أحد ، وشهدنا له في ذلك السفر من خوارق العادات ممّا ستقف عليه إن شاء الله في محلّه من باب الكرامات . وقد شبّ حاله واكتمل ، وعلى ما أُهِّلَ له من المعارف الربّانية اشتمل ، فأشرقت بِمَقْدَمِهِ الكريم بقاع الأرض ، وعمّت البركة القطر المغربي بالطول والعرض ، ولكن انْبَهَمَ ذلك في طيِّ خموله وانكتم ، وسُتِرَ إلاّ عن أهل الخصوص إلى أن اكتمل أمره وتمّ ، ولو انكشف الحجاب الحائل ، وعُلِمَ ما إليه أمره آيل ، لأنشد مغتبطا بقدومه كلّ إنسان ، وكلّ جارحة منه لو أمكنه ذلك لسان :
عدتم فعادت ليالي الوصل أعيادا      من قربكم ولذيذ الأنس قد عـاد
أبنتم الصبر ما أبنتم  فإنّـــا      لأجل ذاك أرى الإغواء إرشـادا
واليوم سامحني دهري  بوصلكم     وصالح الصلح وفي بعد أن عادا
لا أوحش الله عيني من جمالكـم      بأنورها لأقضي الدهر إسعـادا
ولمّا مضى له شهران بفاس أمرَنا رضي الله عنه بجمع هذا التأليف بأمر من سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم مؤكَّدا لا ينبغي ترْكه بعد أن كان أمَرَنا رضي الله عنه بتمزيق ما جمعناه منه لسبب اقتضاء الوقت والحال حتّى تفضّل الحقّ علينا الكبير المتعال بأمر من سيّد الرجال صلّى الله عليه وسلّم لا يسعه ترْكه ولا ينبغي إلاّ جَمْعُهُ ، فقد قال له سيّد الوجود بعد أمْرِهِ له بِجَمْعِهِ : " تحفظ عليه لينتفع به من الأولياء بعدك بحفظه " ، فأمَرَنَا رضي الله عنه بكتابته وجمعه وتحفظ ما شرد من مسائله ، ففرحنا بهذه البشارة غاية الفرح والسرور ، وقد كان عندنا قبل من أعظم ما يُدَّخَرُ في الإعصار والدهور ، وكنّا قبل هذه المدّة حين مُزِّقَ في غاية النكد وعدم السرور ، إلى أن تفضّل الله علينا بكمال الفرح والسرور ، فشَرَعْنَا في كتابته وجمع مسائله ومحاولته ، نسأل الله التمام بجاه بدر التمام عليه من الله أفضل الصلاة والسلام .
ولنختم هذا الباب بمبشّرات ظهرت لشيخنا في أوّل عمره تدلّ على علوّ شأنه ، ورفعة قدره ومكانه ، ولا رأى رؤيا إلا وقعت ولو بعد حين كما أخبر بها رضي الله عنه لأنّ رؤيا الإنسان الصادق تدلّ على ما ينتهي إليه أمره في الغالب كما قالت سيّدتنا عائشة الصدّيقية رضي الله عنها : « أوّل ما بدأ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح » الحديث .
فمِن مرائي شيخنا رضي الله عنه التي تدلّ على ما ينتهي إليه أمره . قال رضي الله عنه : " رأيت وأنا صغير قبل البلوغ كأنّه انتصب لي كرسيّ المملكة وأنا جالس عليه ولي عساكر كثيرة وأنا أصرفُّها في قضاء الحوائج كأنّي ملِك . وهذه الرؤيا رآها بعين ماضي " .
وقال أيضا : " رأيت رؤيا تدلّ على حالي كلّه وذلك أنّي رأيته صلّى الله عليه وسلّم راكبا على حصان فقلت وأنا ذاهب نحوه : إنْ سلّمتُ عليه وهو فوق الحصان لم أدرك مرادي إلاّ بمشقّة وإنْ سلّمت عليه غير راكب فأدرك مرادي من غير تعب ، فلمّا وصلته صلّى الله عليه وسلّم نزل من فوق الحصان وسلّمت عليه ، فهكذا وقع في خاطري في ذلك النوم ، فلمّا سلّمت عليه دخل إلى بستان رجل من عين ماضي وأحرم يصلّي ، فلمّا أردتُ أن أحرم معه بينما أنا في استحضار النيّة ولم أحرم حتّى ركع وسجد صلّى الله عليه وسلّم فأحرمت معه في الثانية فكمّلتها معه إلى أن سلّم ، فأوّلتها وأنا في ذلك الحال بأنّ نصف عمري يضيع ولم أدرك فيه شيئا ونصفه الآخر أُدْرِكُ فيه مرادي ، فكان الأمر كذلك فله الحمد والمِنَّة .
وقال أيضا : " رأيت نفسي في صورة ملِك وعقد لي الناس البيعة ومعي خلْقٌ كثيرٌ ونصبوا لي كرسي الخلافة على سطح مرتفع وعَلَيَّ لباس الملوك ، فلمّا حانت الصلاة وهي صلاة الظهر أردت أن آمر أحدا من الناس يصلّي بنا ، على عادتي في اليقظة ، فتفكّرت وقلتُ : الخليفة هو الذي يصلّي بالناس ، فتقدّمتُ وصلّيْتُ بالناس حتّى أتممت الصلاة وسلّمت . فقصّها على بعض الأحباء فقال له : وأظُنُّ أن الله سبحانه وتعالى أراد بي القطبانية وأنا اطلب غيرها " ، فكان رضي الله عنه في ذلك الوقت يطلب عند الله أن يكون أحد مفاتيح الكنوز لِمَا رأى من علوّ مرتبتهم ، ثمّ بعد ذلك صرف همّته لطلب القطبانية لِمَا رأى من الخصوصية التي للقطب ولم ينلها غيره وإن بلغوا ما بلغوا في الإرتقاء ، فاُعطيها والحمد لله .
وقال أيضا : رأيت سيّدي أبا مدين الغوث رضي الله عنه في النوم في مجمع وهو يقول : " من يأتي لنا بشيء نعطيه الحاجة التي طلبها " ، قلت له : ها أنا أعطيك أربعة مثاقيل واضمن لي القطبانية العظمى " ، قال لي : " نعم وأنا أضمنها لك لم تَمُتْ حتّى تدركها " ، وممّا يؤيّد هذه الرؤيا أن الشيخ رضي الله عنه لقي رجلا يلاقي الروحانية يقظة ويخبرونه بما أراد ، فقال له سيّدنا : " إنّي أضمرت لك حاجة فما هي ؟ " ، ولم يُسَمِّهَا له ، فلمّا حضَرُوهُ قال لهم : " ما حاجة فلان ؟ " ، قال له : " سألك عن القطبانية " ، قال فحضر معهم رجل وقال لهم : " من قال لكم تتكلّمون في هذا الأمر ؟ " ، قالوا له : " صاحبه هو الذي سألنا " ، قال لهم : " هذه القطبانية أنا ضمنتها له حين كان بتلمسان قبل أن يشرق ، لم يَمُتْ حتّى يدركها فلا تدخلوا فيها لا أنتم ولا غيركم " ، والرجل المذكور هو الشيخ سيّدي أبومدين رضي الله عنه . والمسؤول لم يتلاقى مع الشيخ رضي الله عنه أبدا إلاّ في ساعة السؤال ولا خبرة له بالرواية أصلاً ، فدلَّ خبرُه على صحّة هذه الرؤيا المتقدّمة وأنّها حقّ لا وَهْمَ فيها . وقَصَّ رضي الله عنه مرائي تدلّ على ولايته ومعرفته وقطبانيته ، ومرائيه كلّها صادقة كفلق الصبح ، فما رأى رؤيا وقصّها إلاّ وهي كفلق الصبح ، منها ما قدّمناه ومنها ما سنذكره إن شاء الله .
قال رضي الله عنه : " رأيته صلّى الله عليه وسلّم بتونس ، قال لي : " أدع بالمعرفة أو بمرادك وأنا أُؤَمِّــنُ على دعائك ، فدعوت وأمّن صلّى الله عليه وسلّم ثمّ قرأ سورة والضحى ، فلمّا وصل إلى قوله تعالى : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (1) رمقني ببصره الشريف وكمّل السورة صلّى الله عليه وسلّم .
ومنها أنّه قال : " رأيته صلّى الله عليه وسلّم مرّة وسألته عن الحديث الوارد في سيّدنا عيسى عليه السلام ، قلتُ له : " ورد عنك روايتان صحيحتان ، واحدة قلتَ فيها : « يمكث بعد نزوله أربعين » ، وقلتَ في الأخرى : « يمكث سبعاً » ، ما الصحيحة منهما ؟ ، قال صلّى الله عليه وسلّم : " رواية السبع " .
ومنها أنّه قال رضي الله عنه : " رأيت المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وسألته عن الزكاة التي يأخذها الأمراء والظلاّم من المسلمين كرها هل تكفيهم ؟ قال صلّى الله عليه وسلّم : أوَ أنا أمرتهم بطاعتهم ، قال الشيخ رضي الله عنه قلت له : الذي يمكنه إعطاؤها لغيرهم ولم يلحقه ضرر منهم ، قال صلّى الله عليه وسلّم : إن أعطوها فعليهم لعنة الله .
ومنها أنّه قال : " كنت أتحرّج وأشدّد غاية في الماء المتغيّر من أثر الوضوء بل ولا أتوضّأ منه حتّى رأيتُه صلّى الله عليه وسلّم يتوضّأ في إناءٍ وكان الماء متغيّراً من أثر الوضوء ، فقال لي : أنا محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فمِنْ ذلك تركت التحرّج ورحت منه .
ومنها أنّه قال : " رأيتُ سيّدنا موسى على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام ، قلت له : " إنّ قارون بلغنا أنّه رأى المحلّ الذي كتبتَ فيه الإسم الأعظم ورميته في البحر لإظهار قبر سيّدنا يوسف عليه السلام فأخذ قارون ذلك المحلّ المكتوب فيه الإسم الأعظم وصار يرميه على مواضع الكنوز فتظهر له ومنه نال ما نال من كثرة الأموال ، قال لي : نعم ، قلت له : هل للعارف اختيار في الفعل والترك ؟ ، قال لي : إلاّ إذا بلغ مقام كذا " ، ولم يُسَمِّ لنا الشيخ رضي الله عنه هذا المقام بعينه .
فانظر رحمك الله أحوال هذا الشيخ مع صفوة الله من خلقه ، فصار نومه كيقظته يسأله فيه عن مراده ، وهذه أحوال الرجال لغلبة حكم الروح على الذات لأنّ الروح أصلها الطهارة والصفاء ، نسأل الله تعالى أن يكتبنا جميعا من زمرة خلاصة أصفيائه وأحبّائه . وله مرائي كثيرة فهذا الذي حضرنا منها كان يراها في ابتداء أمره وأمّا الآن فلا يذكر شيئا إلاّ نادراً جدّا .
وهذه المرائي المتقدّمة لشيخنا قبل أن يخبره سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم يقظة لا مناما ، وأمّا اليوم والحمد لله فأخبره بنزول مقامه وما أعدّ الله فيه الذي لم يَقْدِرْ أحد أن يَفُوهَ به فضلا عن إدراكه ، وضمنه له صلّى الله عليه وسلّم ، وضمن له كلّما طلب حتّى من أمور الدنيا كما سيأتي بيانه مفصّلا إن شاء الله في محلّه .
نسأل الله بجاه نبيّه وحبيبه وصفيّه أن يكتبنا في ديوان خلاصة أهل محبّته وَوِدِّهِ ، وأن يتوفّانا على محبّة هذا السيّد الكريم وعلى سُنّة نبيّه العظيم آمين .


<< الفصل الثاني

<< عودة إلى فهرس الباب الأوّل   إنتقل إلى فهرس الباب الثاني >>



  1. سورة الضحى ، الآية 5 .