في معرفة الشيخ الذي يُتَّبَع في سائر أقواله وأفعاله ، وكيفيّة السماع لأهله ، وما يفعله في أيّامه ولياليه ، وأدعية شتّى أجراها الله على لسان سيّدنا في بعض أحيانه .
إعلم أنّ سيّدنا رضي الله عنه سئل : عن حقيقة الشيخ الواصل ما هو ؟ فأجاب رضي الله عنه بقوله : " أمّا حقيقة الشيخ الواصل فهو الذي رُفِعَتْ له جميعُ الحجب عن كمال النظر إلى الحضرة الإلهيّة نظرا عينيّا وتحقيقا يقينيّا ، فإنّ الأمر أوّله مُحاضرة وهو مطالعة الحقائق من وراء سِتْرٍ كثيف ، ثمّ مُكاشفة وهو مطالعة الحقائق من وراء سِتْرٍ رقيق ، ثمّ مشاهدة وهو تجلّي الحقائق بلا حجاب لكن مع خصوصيّةٍ ، ثمّ معاينة وهو مطالعة الحقائق بلا حجابٍ ولا خصوصيّة ولا بقاء للغَيْرِ والغَيْرِيَّة عَيْناً وأثَراً ، وهو مقام السّحق والمحق والدكّ والفناء ، وليس في هذا إلاّ معاينة الحقّ في الحقّ للحقّ بالحقّ .
فلمْ يَبْقَ إلاّ الله لا شيء غيــره فما ثَمّ موصولٌ ولا ثَمّ واصــلُ
ثمّ حياةٌ ، وهي تمييز المراتب بمعرفة جميع خصوصيّاتها ومقتضياتها ولوازمها وما تستحقّه مِن كلّ شيء ، ومِنْ أيِّ حضرةٍ كُلُّ مرتبةٍ منها ، ولِمَ وُجِدَتْ ، وماذا يُرَادُ منها ، وما يؤول إليه أمْرها ، وهو مقام إحاطة العبد بعينه ومعرفته بجميع أسراره وخصوصيّاته ، ومعرفته ما هي الحضرة الإلهية وما هي عليه من العظمة والجلال والنّعوت العليّة والكمال معرفةً ذوقيّةً ومعاينةً يقنيّة ، وصاحبُ هذه المرتبة هو الذي تُشَقُّ إليه الْمَهَامِهُ في طلبه لكن مع هذه الصّفة فيه كمال إِذْنِ الحقّ سبحانه وتعالى إذْناً خالصاً في هداية عبيده وتَوْلِيَتِهِ عليها بإرشادهم إلى الحضرة الإلهية ، فهذا هو الشيخ الذي يستحِقّ أن يُطلَبَ ، وهو المُراد بقوله صلّى الله عليه وسلّم لأبي جحيفة :
«
سَلِ العلماء وخالط الحكماء واصحب الكبراء
»
، وصَاحِبُ هذه المرتبة هو المعبَّر عنه بالكبير . ومتى ما عثر المريد على مَنْ هذه صفته فاللاّزم في حقّه أنْ يُلْقِي نفسه بين يديه كالميّت بين يديْ غاسله ، لا اختيار له ولا إرادة ولا إعطاء له ولا إفادة ، وليجعل همّته منه تخليصه من البليّة التي أُغْرِقَ فيها إلى كمال الصفاء بمطالعة الحضرة الإلهية بالإعراض عن كلّ ما سواها ، ولينزّه نفسه عن جميع الاختيارات والمرادات ممّا سوى هذا ، ومتى أشار عليه بفعلٍ أو أمرٍ فليحذر من سؤاله بلِمَ ، وكيف ، وعلامَ ، ولأيّ شيء ، فإنّه باب المقت والطّرد ، وليعتقد أنّ الشيخ أعرف بمصالحه منه وأيّ مدرجة أدرجه فيها فإنّه يجري به في ذلك كلّه على ما هو لله بالله بإخراجه عن ظلمة نفسه وهواها .
وأمّا الشيخ الّذي هذه صفته كيف يتّصل به وبماذا يُعرَف ؟ فالجواب : " أنّ الشيوخ المتّصفين بهذا الأمر كثيرون وأغلبهم في المدن الكبار فإنّها مقرّهم ، وأما معرفتهم والاتصال بهم فإنّه عسير أغرب وجودا من الكبريت الأحمر لأنّهم اختلطوا بصُوَرِ العامّة وأحوالهم ، ومَن سألهم عن هذا الحال نفّروه وطردوه وحلفوا له ما عندهم من هذا الأمر شيء ، والعلّة الموجبة لهم لهذا أنّه قد فسد نظام الوجود بمشيئة الحقّ سبحانه وتعالى التي لا منازع لها وليس لكلّ آدميّ إلاّ السّعي في أغراضه وشهواته بالإعراض عن الحضرة الإلهية وما تستحقّه من تَوْفية الحقوق والآداب ، وليس للعامّة في هذا الوقت مِنَ السّعي للأولياء إلاّ لأغراضٍ فاسدة يريدونها مِنَ التمتّع بالدنيا ولذّاتها وشهواتها والنّجاة من المصاب والعطب في هذه الدّار مع إقامتهم وإصرارهم على الدّواهي المهلكات العظام من الكبائر الفاحشة التي لا عقبى لصاحبها إلاّ دار البوار وليس لهم عن هذا الميدان خروج ولا لهم رجوع إلى الحضرة الإلهيّة وُلُوج ، فلمّا عرف العارفون ما في العامّة من هذا الأمر احتجبوا عن العامّة وطردوهم بكلّ وجه وبكلّ حال ، وكان اقتضاء ذلك أن يسكنوا في البراري والقفار ، وكان مراد الحقّ منهم أن يبقوا في وسط العامّة ويسكنوا في وسطهم لأمور أرادها الحقّ منهم سبحانه وتعالى وحَكَمَ بها عليهم فلا منازع له في حكمه ، ولم يجدوا مَساغا في الخروج عن العامّة في البراري والقفار لِمَا عليهم من حُكْمِ الله الذي لا خروج لهم عنه ولا يجدون سبيلا إلى إصلاح العامّة وردّهم إلى الحضرة الإلهية ، فَهُمْ بمنزلة مَن أُقِيمَ بين جماعة الحمقاء يرمونه بالحجر وكُلِّفَ بالصبر والإقامة بينهم . فَهُمْ في عذاب ، فلهذا احتجبوا عن العامّة وطردوهم بكلّ حال ، وربّما شمّ العامّة روائح أصولهم من وراء الحجب فنهضوا إلى التعلّق بهم في ما يريدونه من أغراضهم فخلط العارفون عليهم بِوُجُوهٍ مِنَ التخليط استتاراً عن العامّة بإظهار أمورٍ مِن الزنا والكذب الفاحش والخمر وقَتْلِ النفس وغير ذلك مِنَ الدّواهي التي تحكم على صاحبها أنّه في سخط الله وغضبه ، والأمور التي يقتحمها العارفون في هذا الميدان إنّما يُظْهِرُونَ صُوَراً مِنَ الغيب لا وجود لها في الخارج إنّما هي تصوّرات خيالية يراها غيرهم حقيقة فيفعلون في تلك الصور أمورا منكَرةًَ في الشرع وهُمْ في الحقيقة لم يفعلوا شيئا ، فاستتروا بذلك عن العامّة حفظاً لمقامهم وتحريراً لآدابهم .
وإذا عرفتَ هذا فقد اختلط الصادقون والكاذبون في هذا الميدان ، ولا يُعرَف هذا مِنْ هذا ، ولا حيلة لأحدٍ في معرفة العارف الواصل أصلاً ورأسًا إلاّ في مسألةٍ نادرة في غاية الندور وهو أنّ بعض الكُمَّل ظهروا في مظاهر الصُّوَر الشرعيّة الكاملة فمن ظهر بهذا المظهر وادّعى المشيخة بالمعرفة فيه أنّه يعرف بدلالته على الله تعالى والرجوع إليه والتزهيد في الدنيا وأهلها وعدم المبالاة بها وبوجودها مع ظهور صفة الفتح في غيره على يديه ، فإنْ ظهر للمريد على هذه الصفة فلْيُلْقِ نفسه إليه بمجرّد اللقاء . والذي يجب على المريد في حقّه أنْ لا يُلقِ نفسه إليه حتّى يتعرّف تواتر أخباره مِن ثقات الواردين والمجاورين له ، فإنْ ظهرت الصفة المعروفة عليه فليصحبه وإلاّ فلا .
ومَن رام الوصول إلى شيخ في هذا الوقت ولمْ يجد حيلة في معرفته وخاف من الوقوع في حبائل الكذّابين فعليه بالتوجّه إلى الله بصدق لازم وانحياز إليه بقلب دائم ودوام التضرّع إليه والابتهال إليه في الكشف له عن الشيخ الواصل الذي يخرجه من هذه الغمّة وأنْ يدلّه عليه وأنْ يوفّقه لإمتثال أمره حتّى يقع في الغرق في لجج بحره ، فلا حيلة له إلاّ هذا .
وأكبر من ذلك وأوْلى وأنفع وأبلغ للوصول إلى المراد وأرفع لِمَن لم يجد حيلة في العثور على الشيخ الكامل استغراق ما يُطيق عليه من الأوقات في كثرة الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالتأدّيب والحضور وتَوَهُّم القلب أنّه جالس بين يديه صلّى الله عليه وسلّم ، ولْيداومْ على ذلك فإنّ مَنْ داوم على ذلك ، وكان اهتمامه بالوصول إلى الله تعالى اهتمامَ الظمآن بالماء ، أخذ الله بيديه وجذبه إليه إمّا أنْ يُقيّض له شيخا كاملا واصلا يأخذ بيده ، وإمّا أنْ يُقيّض له نبيّه صلّى الله عليه وسلّم يُرَبِّيهِ ، وإمّا أنْ يفتح له باب الوصول ورفع الحجب بسببِ ملازمته للصلاة على حبيبه صلّى الله عليه وسلّم فإنّها أعظم الوسائل إلى الله تعالى في الوصول إليه ، وما لازمها أحدٌ قطّ في طلب الوصول إلى الله تعالى فخاب قطّ .
وأمّا السؤال عن الاختبار للشيخ ووزن أفعاله وأحواله فلا يصلح وما اتّبع أحدٌ ذلك فأفلح قَطّ لأنّ ذلك مُغلِقٌ لأبوابِ الله تعالى ، فإنّ من أراد ذلك واتّبعه في جميع الخلق أراه الله تعالى صفة النقص في كلّ مخلوق فلا يطمئنّ لأحدٍ .
وأمّا التصديق للشيخ فإنّه آمر إلهيّ يضعه الله في القلوب فلا يقدر صاحبه على الانفكاك عنه ولو رأى منه ألف معصية ، لكن إنْ كان صادقا فثوابُ صِدْقِهِ أنْ لا يرى من الشيخ إلاّ ما يطمئنّ به قلبه ولا يقع إلاّ على الشيخ الصادق ، ومَن كان خبيث السريرة وطَلَبَ فلا يرى إلاّ ما يُنكِرُه ويُنْقِصُه ويُوجِبُ له النفور عنه والهروب .
وأمّا السؤال عن طلب الشيخ هل هو فَرْضٌ على كلّ فرد فرد أو على البعض دون البعض وما السبب في كلّ ؟ الجواب : " إنّ طلب الشيخ في الشرع ليس بواجب شرعا يلزم مِن طَلَبِهِ الثواب ومِن عدم طَلَبِهِ العقاب ، فليس في الشرع شيء من هذا ، ولكنّه واجبٌ مِن طريق النظر ، مثلُ الظمآن إذا احتاج إلى الماء وإنْ لم يطلبْه هلك ، فطلبه عليه لازم مِن طريق النظر ، وطريق النظر هذا ما قدّمناه مِن كوْن الناس خُلِقُوا لعبادة الله والتوجّه إلى الحضرة الإلهية بالإعراض عن كلّ ما سواها ، وعَلِمَ المريدُ ما في نفسه من التثبّط والتثبيط عن النهوض إلى الحضرة الإلهية ، وعَلِمَ عجزه عن مقاومة نفسه بما يريده منها مِنَ الدخول في الحضرة الإلهية بتَوْفِيَةِ الحقوق والآداب ، وعَلِمَ أنّه لا ملجأ له من الله ولا مَنْجَا إنْ قام مع نفسه متبّعا لهواها مُعْرِضاً عن الله تعالى ، فإنّه بهذا النظر يجب عليه طلبُ الشيخ الكامل ، وهذا الوجوب النظريّ أمْرٌ وَضْعِيّ طبيعيّ ليس مِنْ نصوص الشرع إذْ ليس في نصوص الشرع إلاّ وجوب توفية القيام بحقوق الله تعالى ظاهرا أو باطنا على كلّ فرد فرد من جميع العباد ولا عُذْر لأحدٍ في ترك ذلك من طريق الشرع ، ولا عُذْر له في غلبة الهوى وعجزه عن مقاومة نفسه ، فليس في الشرع إلاّ وُجُوبُ ذلك وتحريم ترْك ذلك لوجوب العقاب عليه . فهذا ما كان في الشرع . ولا شيخ يجب طلبه إلاّ شيخ التعليم الذي يَعْلَمُ كيفية الأمور الشرعية التي يُطلب فِعْلُها من العبد أمْراً ونهياً وترْكاً ، فهذا الشيخ يجب طلبُه على كلّ جاهلٍ ، لا يَسَعُ أحدًا ترْكُه ، وما وراء ذلك من الشيوخ لا يلزم طلبه مِن طريق الشرع لكن يجب طلبه من طريق النظر بمنزلة المريض الذي أعضلته العِلّة وعجز عن الدّواء من كلّ وَجْهٍ وانعدمت الصحّة في حقّه ، فنقول إنْ شاء البقاء على هذا المرض بَقِىَ كذلك وإنْ طلب الخروج إلى كمال الصحّة قلنا له يجب عليك طلب الطبيب الماهر الذي له معرفة بالْعِلّة وأصلها وبالدواء المُزِيلِ لها وكيفية تناولِهِ كمًّا وكيفًا ووقتًا وحالاً ، والسلام " .
وأمّا السؤال: عن السماع وحُكْمِه واستعماله وكيفيته ومَنْ يسمع ومِمَّنْ يسمع وعلى أيّ حالة يكون وبأيّ كلام يكون ؟ فالجواب ، والله الموفّق بمَنِّهِ وكرمه إلى الصواب : " إعلم أنّ أمْر السماع قد افترقت فيه أقاويل الشيوخ الكبار المتحقّقين بكمال المعرفة بالله العيانيّة الشُّهُودِيَّة والتوحيد الخاصّ الذوقيّ وكمال الهُدَى والتبرّي مِنْ جميع وُجُوهِ متابعة النفس والهوى . فمِنْ قائلٍ بإباحته مطلقا من غير طلبِ فِعْلٍ ولا طلبِ تَرْكٍ ، ومِنْ قائلٍ بتحريمه مطلقا وذمِّ فاعليه ، ومِنْ قائلٍ بكراهيته دون التحريم ، ومِنْ قائلٍ بندبه وإيثار الميْل إليه ولا قائلٍ بوجوبه ، والفتوى فيه مفصّلة في كتب التصوّف فلا نُطيل بها ، ومِنْ قائلٍ بتفصيل الأمريْن فيه بين إيثار فِعْلٍ وإيثار تَرْكٍ ، وتحريمه وكراهيته وندبه وإيثاره والميل إليه على حسب عوارض الوقت ودواعي الحال ، وكلّ ذلك مفصّل في كتب التصوّف .
والأمر المُحَقّق فيه في هذا الوقت أنَّ ما كان خاليا مِنْ آلات الطرب وما يُشَوِّشُ الفكر مِنْ ذِكْرِ القُدُودِ والخُدُودِ والتشبب بالنسوان وسماع أصواتهنّ وأصوات الشبّان ذوي الجمال ، فكلّ ما خرج من هذه الأمور وسَلِمَ مِنَ الصورة المحرّمة شرعا ، كاختلاط النساء والرجال ، فالحكم فيه أنْ ينظر الشخص في حاله عند حضور سماعه ، فإنْ وَجَدَ فيه زيادة في حاله أو تحريكا لِسَاكِنِ هِمَّتِهِ إلى النهوض لطلب الحضرة الإلهية أو للبعد عن المألوفات والعادات والصوّر المُهَيَّئَات والمحرّمات أو للتعلّق بالله تعالى وتحريك شيء من محبّته في القلب فليلزمْ صاحب هذا الحال حضورَه وإيثاره ما لمْ يُؤَدِّ إلى تعطيل أوراده والخروج عن مراعاة أوقاته فإنّه إنْ كان بهذا الحال فضرره أكثر مِن نفْعِه . وإنْ وَجَدَ الشخص فيه فتور عزيمته والميْل إلى الراحات ، ورأى نفسه ركنتْ إليه في هذا الباب بتقليلِ نهوضها إلى الحضرة الإلهيّة ، فصاحبُ هذا الحال لا يَحِلُّ له حضوره والإلمام به . وإنْ كان حالُ الشخص في حضوره لا زيادة ولا نقص من كلّ ما ذَكَرْنَا إلاّ التمتّع بالأصوات المطربة والألحان المعجبة فالحكم في هذا الإباحة إنْ شاء حضره وإنْ شاء ترَكَه . وما كان مِن أصوات الشبّان ذوي الجمال والنسوان فسماعُه مُحرَّم أو كالمحرّم ولو رأى منه زيادة في حاله مِنَ الأمور التي ذكرناها ، فإنّ الولوع بذلك مع رؤية ظهور الزيادة في الحال كالذي يشرب عسلا مُخَبَّؤٌ فيه سُمُّ ساعةٍ ، فإنّه يقتله مِنْ حيث لا يدريه .
وأمّا ما خرج من هذا ، وكان فيه شيء من آلات الطرب ، فإنّه يَحِقُّ على العاقل اجتنابه ، إلاّ أنْ يكون بحضرة شيخٍ واصلٍ كاملٍ ، فإنّه إنْ كان بهذه المثابة فيُسْتَحَبُّ حضورُه ، ولأنّ السماع بآلات الطرب وإنْ لم يتمكّن ضررُه فسيعقب الفساد باطنا بمنزلة السحابة المفروح بها للسَّقْيِ والأمطار فيسقط منها على الثمار بَرَدٌ عظيمٌ وصواعق فيفسد الثمر الذي كان ينتظر صلاحه ، إلاّ أنْ يكون بحضرة الشيخ الواصل الكامل فإنّ حضوره عاصمٌ من الضرر والهلاك .
وكلّ هذا الأمر في حقّ أصحاب الحجاب .
وأمّا الغَرْقَى في بحار الحقائق والتوحيد فلا يُحْكَمُ عليهم بهذا الحكم لكن يُترَكُون تحت حُكْمِ حالهم ومقامهم ، فإنّ العارف في مقامه يفعل ما يقتضيه مقامُه بِنَصٍّ أو تصريحٍ أو إشارةٍ أو تلويحٍ غير ملتفت لِمَنْ يُنْكِرُ عليه أو يندبه . فإنْ أعطاه مقامُه حضورَ السماع وإيثاره تُرِكَ على حاله ولا يُنْكَرُ عليه لأنّه أعرف بمصالحه وعِلَلِهِ ، وإنْ أعطاه مقامُه الهروبَ عنه والنفورَ فليس لأحدٍ أنْ يندبه إليه ولا أنْ يحثّه على حضوره ، فإنّ الأحوال في المعارف مختلفةٌ والأذواق متباينةٌ وفوائد المراتب وفيوضاتها وفتوحاتها غير ملتئمةٌ ولا متشابهةٌ ، فَكَمْ مِنْ صاحبِ مقامٍ يتضرّر بالسماع بأدنى لَمَّةٍ مِن حضوره ويكون ذلك عليه اشدّ مِنْ سُمِّ ساعةٍ في قَتْلِ الأجسام الكثيفة ، وكَمْ مِنْ عارف يُفَاضُ عليه في حضوره بالسماع مِنَ الحضرة القدسيّة مِنْ فيوض الأحوال والمعارف فيرتقي به مِنَ المقامات ما لا يرتقيه بالعبادة وصفاء الأوقات في مائة ألف عام مِنَ المقامات . فهذا تفصيل الحُكْمِ في العارفين رضي الله عنهم ، وكلّ واحد له ذوق ومقام وحال ، والفِطَرُ مختلفةٌ والمباني غير مؤتلفة ، فإنّ لكلّ مقام مقالا ولكلّ ذوْقٍ ووَجْدٍ رجالا ولكلّ وقتٍ حُكْماً يَخُصُّهُ ولكلّ حالٍ وقتاً يبسطه ، فالواقع مِن هذا أنّ العارف بالله في حضور السماع بِحُكْمِ وقته ومقامه وحاله وذوقه ووجده ، فلا يُعترَض عليه لا في الحضور ولا في الترك ، وأمّا أصحاب الحجاب فقد سبق تفصيل الحُكْمِ فيهم " .
وأمّا قول السائل: إذا أمَرَ به الشيخ بعضَ أصحابه أو فَعَلَهُ في نفسه خاصّة ولم يأمرْ به أصحابه هل لهم بعد موته أن يفعلوه ويزيدوا فيه برأيهم أو لا ؟ فالجواب : " في هذا أنْ يجري القانون فيه على حُكْمِ ما تقدّم لأصحاب الحجاب وأصحاب المعارف ، فمَنْ كان منهم مِنَ العارفين جرى على منوال ما تقدّم أوّلا وما كان مِنْ أصحاب الحجاب جرى على التفصيل الذي ذُكِرَ أوَّلاً ، وأمّا ما ذُكِرَ في السماع من أثره حضوره لصاحبه الذي وجد به الزيادة في حاله مع حفظ أوقاته وأوراده وقلنا بأثره حضوره له فليكن ذلك مع ذوي المواثيق والعهود الراسخين في حِفْظِ الحدود مِنْ تكميل أمر التقوى والاستقامة الذين يقصدون السماع قصدا صحيحًا لله ، وفي هذا وَجْهُ حضوره ، وأمّا السماع المعهود اليوم في فقراء الوقت فإنّ صاحبه الهلاك أقرب إليه مِنْ نجاته ونفْعه أبعد مِن عطبه ، وكان العطب أقرب إليه مِن شِراك نَعْلِهِ ، فالحذر الحذر من حضور السماع مع هؤلاء لكونهم لا عهد لهم ولا ذمّة ولا وقوف على الحدود ولا مراعاة لهم لحفظ أمر الله . فهؤلاء لا يحضر معهم للسماع لأنّ المريد الصادق إذا حضر معهم كَسَتْهُ أحوالُهم فوقع فيما هُمْ فيه من التخليط والفساد والعصيان والفسوق وطُرِدَ عن باب الله أيّ طَرْدٍ ، والسلام " . إنتهى ما أملاه علينا شيخنا رضي الله عنه مِنْ حِفْظِهِ ولَفْظِهِ .
وأمّا الأدعية التي أجراها الله على لسانه ، ونصّها : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِيَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ عَدَدَ مَا فِي عِلْمِكَ وَأَنْ تُعْطِيَنِي وَتُعْطِي فُلاَنًا كذا وكذا – جمعًا أو أفرادًا – مِنْ كُلِّ مَا شِئْتَ مِنْ ابْتِدَاءِ خَلْقِكَ إِلَى انْتِهَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مِقْدَارِ طَرْفَة عَيْن لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَ انْفِرَادِهِ عِشْرِينَ فَيْضَةً مِنْ بَحْرِ رِضَاكَ وَأَنْ تُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ فِي كُلَّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ فَيْضَةٍ أَوْفَرَ حَظٍّ وَنَصِيبٍ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ سَأَلَكَ مِنْهُ سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ وَرَسُولِكَ صَلَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مَا عَلِمْتُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ وَالنَّجَاةَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ وَرَسُولِكَ صَلَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مَا عَلِمْتُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شُرًورِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ وَمَغْفِرَةَ جَمِيعَ ذُنُوبِنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَدَاءِ جَمِيعِ تَبَعَاتِنَا مِنْ خَزَائِنِ فَضْلِكَ وَكَرَمِكَ لاَ مِنْ حَسَنَاتِنَا والَّذِي فِي كًلِّ فَيْضَةٍ غَيْرُ الَّذِي فِي الأُخْرَى وَهَذاَ كُلُّهُ غَيْرُ الَّذِي تَقَدَّمَ وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعْطِينِي وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَ ذَا وَذَاكَ وَأَنْ تُجِيبَنِي وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي جَمِيعَ ذَا وَذَاكَ بِمَحْضِ فَضْلِكَ وَكَرَمِكَ . أهـ . وهذا في غير عموم أهل التوحيد . وأمّا في عمومهم فتَصِلُ فيه إلى : " خَيْرَاتِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ " فقط ولا تزيد : " النَّجَاةَ "، ثمّ تتمادى على الدعاء فتقول : " والَّذِي فِي كًلِّ فَيْضَةٍ غَيْرُ الَّذِي فِي الأُخْرَى " ، لأنّ الدعاء بما بقيَ لعموم أهل التوحيد دعاءٌ بما عَلِمَ أن الله تعالى لا يفعله ، فهو كمن سأل من الله تعالى النبوّة والرسالة بعد نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم ، فهو إذا لم يكن كافراً لم يبعد مِنَ الكفرِ لأنّ الله عزّ وجلّ مضى حُكْمُهُ بذلك وأخبرنا به ، وإنْ سأل الله تعالى مناقضة ما مضى به حُكْمُهُ كان داخلا في الكفر به لأنّه سأل من الله جورًا وهو قدّوس عن الجورِ ، فهو يريد من الله عزّ وجل أن لا يكون قدّوساً لِكَوْنِ ما مضى به حكمه هو عيْن العدلِ ونقيضه عيْن الجور ، والسلام . أهـ .
وهذا الدعاء فيه ثلاث مراتب : مرتبة لجميع الموحِّدين ، ومرتبة لنفس الداعي ومَنْ أراد تخصيصه ، ومرتبة لجميع مَنْ أحسن إليه أو كان بينهما محبّةً أو كان له حقّ عليه ، فمن أراد الدعاء بمرتبةٍ من المراتب الثلاث فليُرَكِّبْ لكلِّ وَاحِدَةٍ منها ما يناسبها منَ المطالب ، فَافْهَمْ . كذا سمعتُه من الشيخ رضي الله عنه . إنتهى مِنْ خَطِّ مُحِبِّنَا وسيّدنا أبي عبد الله سيّدي محمّد بن المشري مِنْ إملاء سيّدنا عليه .
ومِن أدعيته رضي الله عنه ، ممّا أملاه علينا من حِفْظِهِ ولَفْظِهِ ، قوله رضي الله عنه : " اللَّهًمَّ اجْذِبْنِي إِلَيْكَ قَلْبًا وَقَالِبًا بِجَوَاذِبِ عِنَايَتِكَ وَأَلْبِسْنِي خِلْعَةَ اسْتِغْرَاقِ أَوْقَاتِي فِي الاشْتِغَالِ بِكَ وَامْلأْ قَلْبِي وَجَوَارِحِي بِذِكْرِكَ وَحُبِّكَ وَالشَّوْقِ إِلَيْكَ امْتِلاَءً لاَ يُبْقِي فِيَّ مُتَّسَعًا لِغَيْرِكَ وَاسْقِنِي كَأْسَ انْقِطَاعِي إِلَيْكَ بِتَكْمِيلِ الْبَرَاءَةِ مِنْ غَيْرِكَ وَعَدَمِ الْتِفَاتِ قَلْبِي لِسِوَاكَ وَاجْعَلْنِي بِكَ لَكَ قَائِمًا وَعَنْكَ آخِذًا وَمِنْكَ مُسْتَعِينًا وَإِلَيْكَ نَاظِرًا وَرَجِعًا وَعَلَيْكَ مُعَوِّلاً وَفِيكَ مُتَحَرِّكًا وَسَاكِنًا مُطَهَّرًا بِفُيُوضٍ تَجَلِّيَاتِكَ مِنْ جَمِيعِ الْحُظُوظِ وَالْبَقَايَا وَمِنْ جَمِيعِ الْمُسَاكَنَاتِ وَالْمُلاَحَظَاتِ لِغَيْرِكَ وَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّفْسِ وَهَوَاهَا والشِّيْطَانِ بِسُرَادِقَاتِ عصْمَتِكَ لِي مِنْهُمْ، وَأَدِمْ لِي صَفَاءَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْكَ بِكَ لَكَ مِنْ حَيْثُ تَرْضَى بِمَا تَرْضَى كَمَا تَرْضَى مِثْلَ أَكَابِرِ الصِّدِّيقِينَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَحُفَّنِي بِجُنُودِ نَصْرِكَ لِي وَتَأْيِيدِكَ لِي وَعَوْنِكَ لِي بِكَمَالِ تَوَّلِيكَ لِي بِعِنَايَتِكَ لِي وَمَحَبَّتِكَ لِي وَاصْطِفَائِكَ لِي وَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ غَيْرِكَ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ إِلَى آخِرِهِ حَتَّى تمِيتَنِي عَلَى ذَلِكَ وَاجْعَلْنِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْ أَهْلِ وِلاَيَتِكَ الْخَاصَّةِ الْكَامِلَةِ الصَّرْفَةِ الَّتِي لاَ شَائِبَةَ فِيهَا لِغَيْرِكَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدً وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا " . فمن أراد قراءة هذا الدعاء فليجعل ألفًا من الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الصباح وألفًا في المساء ولْيَدْعُ بهذا الدعاء خلْف كلّ ألف سبعًا ويُهدي ثواب الصلاة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم تعظيما وإجلالا لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم ، ويكون ذلك بترتيلٍ وحضورِ قلبٍ قَدْر الاستطاعة ، ودوام على هذا مع لزوم الاعتزال والصمت ، وتخفيف الأكل والشرب في غير إفراط ولا تفريط ، وبحفْظ قلبه مِن الجولان في آمر الدنيا والنساء والشهوات ، ومِنْ سخط المقدور ، ومِنَ الجزع من كلّ ما لا يطابق الهوى في الوقت . فمَنْ فَعَلَ هذا يرى من الأسرار والأنوار ما لا يدخل تحت حصر ، وبالله التوفيق . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ومن أدعيته رضي الله عنه لجميع المطالب ، ونصّه : " اللَّهُمَّ إِنِي أَسْأَلُكَ بِمَا وَارَتْهُ حُجُبُ جَلاَلِكَ مِنْ سبحَاتِ وَجْهِكَ الَّتِي لَوْ ظَهَرَتْ لِلْوُجُودِ لَتَدَكْدَكَ الْوُجُودُ وانْحَرَقَ وَصَارَ مَحْضَ الْعَدَمِ. نَسْأَلُكَ بِتِلْكَ السُّبُحَاتِ وَجَلاَلَتِهَا وَعَظَمَتِهَا أَنْ تُصَلِّيَ وَتُسَلِّمَ عَلَى سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا " ، ويُسَمِّي حاجته . أهـ .
ومن أدعيته رضي الله عنه التي سألها مِن الله عزَّ وجلّ ، وهي مشتملة على جميع المقامات والمنازل والمواقف والحضرات والترقّيات والأحوال والدرجات التي نالها العارفون الكُمَّل والأقطاب والأفراد ، وأشيرُ لك بشيء مِن أوّلها لتعرفَ وتتحقّقَ وُسْعَ معرفة هذا السيّد ووسعه وقدره عند الله وما أعدّ الله له من كرامته وموهبته ، ونصّها : " يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ بِفَضْلِكَ وبجودك من جودك وبكرمك من كرمك وبمجدك من مجدك أنْ لا تُمِيتَنِي حتّى تُبْلِغَنِي أقصى قطبية سيّدي فلان وأقصى قطبية سيّدي فلان " ، وتمادى إلى أنْ عَدَّ جماعةً مِن أكابر السلف رضي الله عنهم أزيد من خمسين ، ثمّ قال : " وخلافة هؤلاء وغوثيتهم وفردانيتهم وجماعتهم في كلّ ما جَمَعَتْ جميع تلك القطبية والخلافة مِن سائر العلوم الضروريّة والنظريّة والنقليّة والكشفيّة واللدنّيّة وسائر معارف ذاتك وصفاتك وجميع أسمائك وأفعالك وجميع الأسرار والأنوار والأعمال والأحوال والمقامات والمنازلات والكشوفات والفتوحات واليقين والتوحيد والمشاهدة والمحبّة والتخصيص والأدب بين يديك والفهم عنك والفقة في دينك وطوالع تجلّياتك في جميع المطالع والقيام بحقوق ربوبيّتك والاستغراق في شهود عظمتك وكبريائك ودوام الذبول والذوبان من هيبتك وسطوة جلالك والخمود تحت عواصف رياح مقاديرك وكمال القيام بك لك إسلاما وإيمانا وإحسانا وعلما وعملا ومنازلة ومقاما وتحقّقا وتخلّقا ، حاصل الأمر أنْ لا تُمِيتَنِي حتّى تُعطيني جميع ما أعطيتَهم في جميع قطبانيتهم في حياتهم إلى مماتهم مِنْ كلّ ما ذكرتُه وما لم أذكُرْهُ من كلّ ما أحاط به عِلْمُكَ ، وأنْ تُعطيني مع ذلك قطبيةَ كلّ قطب مِنْ بِعْثَتِهِ صلّى الله عليه وسلّم إلى النفخ في الصور كائنا ما كان ، وخلافةَ كلّ خليفةٍ وغَوْثِيَةَ كلّ غَوْثٍ وجامعيةَ كلّ جَمْعٍ وفرديةَ كلّ فردٍ مِنْ بِعْثَتِهِ صلّى الله عليه وسلّم إلى النفخ في الصور " ، وتمادى على هذا النمط إلى أنْ قال : " وتُعطيني مع هذا في هذه القطبيّة جميع ما أعطيْتَ لسيّدنا طلحة " ، وتمادى إلى أن عَدَّ نحو الستّين مِنْ أكابر الصحابة والتابعين ومَنْ تَبِعَهُمْ إلاّ أنّ العددّ الأوّل ذَكَرَ فيه إلاّ مَنِ اشتهر بالقطبانية مِنَ الصحابة وغيرهم ، ثمّ قال لي هذا الثاني : " بأنْ تجعلَني وارثاً لجميع هؤلاء في جميع العلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأعمال والأحوال " ، وتمادى هكذا إلى أنْ ذَكَرَ أموراً كثيرة من هذا النمط ، ثمّ قال : " وأنْ تجعل مقامي في هذه القطبانية والفردية والغوثية والخلافة والجامعية في العِظَمِ بحيث تتلاشى وتضمحلّ في جنبهم مقامات جميع الأقطاب والأفراد والأغواث والخلفاء والجامعين وجميع العارفين مِنَ المُحِبِّين والمحبوبين والسالكين والمجذوبين ، وأنْ تجعل فتحِي في كلّ طَرْفَة عيْن ولَمْحَةٍ على نِسْبَةِ ليْلة القدر مِنْ غيرها بل يزيد بالف ألف ألف ألف ألف ألف ألف ألف ألف ألف " ، وتمادى على هذه الألوف عَدّاً كثيرًا إلى أنْ عَدَّ كثيرًا من هذه المراتب ، ثمّ قال : " وأنْ تجعلني في هذه القطبية القطب الفرد والغوث الجامع والخليفة الأعظم الذي مَدَدُهُ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلا واسطة والنائب عنك وعنه والخليفة عنك وعنه في جميع العوالم الذي له التصرّف المطلق الشامل العامّ الكامل في جميع العوالم المُسْتَمِدّ من سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وإسرافيل وجبريل وميكائيل وعزرائيل والروح الذي هو سلطان جميع العوالم وجميع الأكوان الذي نِسْبَتُهُ في جميع أولياء عصره كالشمس في سائر الكواكب " ، وتمادى على هذا المنوال إلى أنْ عَدَّ كثيرًا من المطالب ، ثمّ قال بعد هذا : " يا ربّ أنْ تُوصِلَ على يَدَيَّ إلى المعرفة كذا وكذا مِنَ الإنس والجنّ " ، عددا كثيرًا ما طلبه أحد من أولياء الله تعالى فيما سمعناه . وأمّا مطلبه رضي الله عنه في الجَنَّة مِنْ مُلْكٍ وخَدَمٍ وحُورٍ وقُصُورٍ من كلّ نوع من أنواع الجنّات في جميع ما احتوتْ عليه من كلّ شيء ذُكِرَ في الجنّة أو لم يُذكَر وهو مُمْكِن ، طَلَبَ مِنْ هذا الأمر ما تَقْصُر عنه العقول وتكلّ عنه الألْسُن ، وكلّ نوع منه ألوفا مضروبة في نفسها إلى أنْ يحسب كلّ مرتبة مضروبة فيما فوقها إلى أن يصل عددا من مراتب الألوف ما أظنّ أحدًا يُحصيه غيره رضي الله عنه . ثمّ أخبرَنَا أنّ كلّ ما طلبه من هذ ه المطالب فهو مضمون له أنْ يبلغه كلّه مِنْ سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم ، فلله الحمد والشكر .
فهذا ما يمكن كَتْبُهُ في هذا المجموع المبارك من ذِكْرِ مطالب سيّدنا رضي الله عنه في ابتداء أمره . وأمّا الآن فهو متّصف بما طلبه فلله الحمد والشكر . وأمّا مطالبه كلّها فلم يَسَعْنَا ذِكْرُها هنا لطولها ولِمَا احتوتْ عليه من الأمور التي لا ينبغي كَشْفُهَا وإنّما ذَكَرْنَا هذه النبذة تبرّكاً ولِتَعْلَمَ قدر سيّدنا رضي الله عنه وما هو عليه من الكمال والتحقيق بمقام القطبانيّة العظمى ، والسلام .
ومن أدعيته رضي الله تعالى عنه ممّا أملاه علينا ونصّه ، قال رضي الله عنه : " اللَّهُمَّ حَقِّقْنِي بِكَ تَحْقِيقًا يُسْقِطُ النِّسَبَ وَالرُّتَبَ وَالتَّعَيُّنَاتِ وَالتَّعَقُّلاَتِ وَالإِعْتِبَارَاتِ وَالتَّوَهُّمَاتِ وَالتَّخَيُّلاَتِ حَيْثُ لاَ أَيْنَ وَلاَكَيْفَ وَلاَ رَسْمَ وَلاَ عِلْمَ وَلاَ وَصْفَ وَلاَ مُسَاكَنَةً وَلاَ مُلاَحَظَةً مُسْتَغْرِقًا فِيكَ بِمَحْقِ الْغَيْرِ وَالْغَيْرِيَّةِ بِتَحْقِيقِي بِكَ مِنْ حَيْثُ أَنْتَ بِمَا أَنْتَ وَكَيْفَ أَنْتَ حَيْثُ لاَ حِسَّ وَلاَ اعْتِبَارَ إِلاّ أَنْتَ بِكَ لَكَ عَنْكَ مِنْكَ لأَكُونَ لَكَ خَالِصًا وَبِكَ قَائِمًا وَإِلَيْكَ آئِبًا وَفِيكَ ذّاهِبًا بِإسْقَاطِ الضَّمَائِرِ وّالإِضَافَاتِ وَاجْعَلْنِي فِي جَمِيعِ ذَالِكَ مَصُونًا بِعِنَايَتِكَ بِي وَتَوَّلِّيكَ لِي وَاصْطِفَائِكَ لِي وَنَصْرِكَ لِي آمِين " . أربعين مرّة متواليّة أو موزّعة على الأوقات ، وهذا الدعاء للمنقطعين إلى الله تعالى . أهـ . من إملائه علينا رضي الله عنه .
ومن أدعيته رضي الله عنه حزب التضرّع والابتهال وقرع باب الكريم المتعال ، قال رضي الله عنه : " تقرأ الفاتحة بعد البسملة والتعوّذ مرّةً ثمّ صلاة الفاتح لما أغلق الخ مرّة ثمّ تقول : " إلهي وسيّدي ومولاي هذا مقام المعترف بكثرة ذنوبه وعصيانه وسوء فعله وعدم مراعاة أدبه حالي لا يخفى عليك وهذا ذلّي ظاهر بين يديك ولا عذر لي فأبديه لديك ولا حجّة لي في دفع ما ارتكبته من مناهيك وعدم طاعتك وقد ارتكبت ما ارتكبته غير جاهل بعظمتك وجلالك وسطوة كبريائك ولا غافل عن شدّة عقابك وعذابك لقد علمت أنّي متعرّض بذلك لسخطك وغضبك ولست في ذلك مضادّا لك ولا معاندا ولا متصاغرا لعظمتك وجلالك ولا متهاونا بعزّك وكبريائك ولكن غلبت عليّ شقوتي وأحدقت بي شهوتي فارتكبت ما ارتكبته عجزا عن مدافعة شهوتي فحجّتك عليّ ظاهرة وحكمك في نافذ وليس لضعفي من ينصرني منك غيرك وأنت العفوّ الكريم والبرّ الرحيم الذي لا تخيّب سائلا ولا تردّ قاصدا وأنا متذلّل لك متضرّع لجلالك مستمطر جودك ونوالك مستعطفا لعفوك ورحمتك فأسألك بما أحاط به علمك من عظمتك وجلالك وكرمك ومجدك وبمرتبة ألوهيتك الجامعة لجميع صفاتك وأسمائك أن ترحم ذلّي وفقري وتبسط رداء عفوك وحلمك وكرمك ومجدك على كلّ ما أحاط به علمك ممّا أنا متّصف به من المساوئ والمخالفات وعلى كلّ ما فرّطت فيه من حقوقك فإنّك أكرم من وقف ببابه السائلون وأنت أوسع مجدا وفضلا من جميع من مُدّتْ إليه أيدي الفقراء المحتاجين وكرمك أوسع ومجدك أكبر وأعظم من أن يمدّ إليك فقير يده يستمطر عفوك وحلمك عن ذنوبه ومعاصيه فتردّه خائبا فاغفر لي وارحمني واعف عنّي فإنّما سألتك من حيث أنت لاتّصافك بعلوّ الكرم والمجد وعلوّ العفو والحلم والحمد إلهي لو كان سؤالي من حيث أنا لم أتوجّه إليك ولم أقف ببابك لعلمي بما أنا عليه من كثرة المساوئ والمخالفات فلم يكن جزائي في ذلك إلاّ الطرد واللعن والبعد ولكن سألتك من حيث أنت معتمدا على ما أنت عليه من صفة المجد والكرم والعفو والحلم ولما وصفت به نفسك من الحياء على لسان رسولك صلّى الله عليه وسلّم أن تمدّ إليك يد فقير فتردّها صفرا وأنّ ذنوبي وإن عظمت وأربت على الحصر والعدّ فلا نسبة لها في سعة كرمك وعفوك ولا تكون نسبتها في كرمك مقدار ما تبلغ هبأة من عظمة كورة العالم فبحقّ كرمك ومجدك وعفوك وحلمك اللواتي جعلتها وسيلة في استمطاري لعفوك وغفرانك أعف عنّي واغفر لي بفضلك وعفوك وإن كنت لست أهلا لذلك فأنت أهل أن تعفو عمّن ليس أهلا لعفوك وكرمك فأنت أهل أن تمحو في كلّ طرفة عين جميع ما لمخلوقاتك من جميع المعاصي والذنوب يا مجيدُ يا كريمُ يا عفوّ يا رحيمُ يا ذا الفضل العظيم والطوْل الجسيم . أهـ . ثمّ صلاة الفاتح لما أغلق...الخ مرّة ، ثمّ قال رضي الله عنه : " وآكد التوجّه به في الثلث الأخير من الليل فإنّه وقت يبعد فيه الرد من الله تعالى ، وينبغي أن يدعو به في أوقات الإجابة المعلومة " . وأجاز رضي الله عنه كلّ مَن يُحْسِنُ القراءة مِن أصحابه . أهـ . ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه بمجلس واحد بدار الصلاة بأبي سمغون ، وأجازنا فيه وكتب لنا بخطّه في هذا المحلّ رضي الله عنه وأرضاه ومتّعنا برضاه آمين . وينبغي لمن دعا بهذا الدعاء أن يجمع همّته فقد قال سيّدنا رضي الله عنه : " همّة الإنسان قاهرة لجميع الأكوان متى تعلّقت بمطلوب وَسَعَتْ في طلب ذلك المطلوب على الجادّة المستقيمة بحيث أنْ لا ينالها في طلبها سآمة ولا رجوع عن المطلوب ولا تصعب عليه صعوبة طلبه ولم ينلها شكّ ولا تردّد بل باعتقاد جازم أن تناله أو تموت في طلبه اتّصلت بمطلوبها ولو كان وراء العرش " . أهـ . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وله أدعيةٌ غير هذه فلا نطيل بذِكْرِهَا لأنّها طويلة جدّا ومن أرادها فليبحث عنها في محالّها ، وقد خَتَمْنَا هذا الباب بهذه الأدعية المباركة رجاءً من الله أنْ يَهَبَ لنا فضلَها . آمين .