نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - الباب الخامس - الفصل الأوّل - الصفحة الثالثة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > الباب الخامس > الصفحة الثالثـة


وسألته رضي الله عنه : هل في أجداده عليه الصلاة والسلام من ليس بمؤمن كما يُفهم من جُهّال بعض أهل السير من جلبهم لكثرة الأخبار صحيحة أو غير صحيحة ؟
فأجاب رضي الله عنه بقوله :إعلم أنّ أجداده صلّى الله عليه وسلّم كلّهم مؤمنون مِن أبيه عليه السلام إلى سيّدنا آدم عليه السلام . فقال له السائل : ما معنى قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ فأجاب رضي الله عنه بقوله : إنّ آزر هو عمّه ، ولو كان أباه أصليّا ما ذَكَرَ آزر بعد أبيه يكفيه الأب ، ويدلّ على هذا استغفاره لوالديه في آخر عمره بعدما أخبر الله أنّه تبرّأ من أبيه بقوله : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ، وفي آخر عمره قال : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، ولو كان أباه ما تبرّأ منه .
وفي عين التحقيق أنّ الله قدّس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما أخرج نبيّا من نطفة منجسة بالكفر، وفي الحديث يقول صلّى الله عليه وسلّم : « لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية » الخ الحديث . وفي الحديث الآخر قال صلّى الله عليه وسلّم : « بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا لم تفترق شعبتان إلاّ كنت في خيرهما » الخ الحديث . ولعلّ مَن يقول أنّ الخيريّة فيهم مع كفرهم بما تنال الناس من الخير والسخاء والصفح والتجاوز ومكارم الأخلاق وهذه توجد في الشخص الكافر بالله تعالى قلنا : إنّ الخيريّة فيهم هي خيريّة الإيمان إذ لم يكن عصر من عهد آدم إلى عصره صلّى الله عليه وسلّم ما خلت فيه الدنيا يوما واحدا من ظهور الأولياء في الأرض يدفع الله بهم البلاء عن أهل الأرض ، وخيريّة الكافر على المؤمن مستحيلة شرعا ، فدلّ خبره صلّى الله عليه وسلّم على أنّ كلّ أب من آبائه أفضل من أولياء عصره ما عدا النبوّة ، فدلّ أنّهم مؤمنون بقوله : « بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرا لم تفترق شعبتان » الخ . قلنا : وهكذا جميع النبيّين ، ما أخرج الله نبيّا من نطفة منجسة بالكفر قطّ لأنّ الكافر نجس لقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ، وقال تعالى : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية ، وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ إلى قوله أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيئَةِ ، دلّ هذا أنّ الخيريّة في الإيمان فقط ولا خيريّة في الكفر ، فحصل لنا من هذه الأدلّة القطع بأنّ آباءه عليه الصلاة والسلام كلّهم مؤمنون ، وأمّا ما ذُكِرَ في آزر أنّه ليس من أجداده كما تقدّم ، وحصل لنا من هذا البحث صحّة القطع أنّه لم يقع صلى الله عيه وسلم في صلب كافر قطّ مِن لَدُنْ آدم عليه السلام إلى وجوده صلّى الله عليه وسلّم ، ودلّ أيضا على أنّ كلّ أب من آبائه صلّى الله عليه وسلّم أفضل من أولياء عصره كما قدّمنا وهذا خاصّ به لحديث لم يلتقيا على سفاح قطّ من آدم إلى وجود ذاته الشريفة صلّى الله عليه وسلّم دون غيره من الأنبياء ، وأمّا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلم يكن هذا إلاّ في آبائهم المباشرين لهم وأنّه لم يكن كافرا فيهم ، إنتهى .
قال شيخنا رضي الله عنه في فضل سيّدنا عَلِيّ كرّم الله وجهه قال : وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم : « كنت أنا وعليّ نوريْن بين يدي الله تعالى ثمّ أودعنا في صلب آدم فلم يزل ينقلنا من صلب إلى صلب إلى عبد المطلب فخرجت في عبد الله وخرج في أبي طالب ثمّ اجتمع نورنا في الحسن والحسين فهما نوران من نور ربّ العالمين » .
وقال سيّدنا رضي الله عنه : ما يَصِلُ شيء في الوجود من العلم مطلقا إلاّ من صهريج عليّ رضي الله عنه لأنّه باب مدينة عِلْمِهِ صلّى الله عليه وسلّم ، لا من الخلفاء الأربعة ولا الصحابة بأجمعهم . وقد قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : " إنقسم العلم كلّه عشر أجزاء ، تسعة كلّها لعليّ ما شاركه فيها أحد ، والعُشُرُ كلّه مقسوم بين الخلق وكان أعلم الخلق بالعشر الباقي " . وأمّا قوله عليه الصلاة والسلام في أبي بكر : « ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيين على أفضل من أبي بكر » الحديث ، قلنا : إنّ الأفضليّة في الشخص ليست من كلّ وجه إلاّ في شخص واحد فهو أفضل وأعلى في جميع الوجوه وهو هو صلّى الله عليه وسلّم ، يقول عليه الصلاة والسلام : « في كلّ أمّة محدثون فإن كان في أمّتي فعمر منهم » ، فهذه الأفضلية لِعُمَر ، والمُحَادَثَة مرتبة عليّة ودرجة زلفى يختصّ الله بها مَنْ أحبّه من الصفوة الكبرى ، فعُمَر منهم ، واختصّ أبو بكر بمرتبة الإيمان والسرّ ، واختصّ عليّ بمرتبة العلم الباطن الحقيقيّ لا العلم الظاهر المُحْدَث - بفتح الدال - وهو الذي قيّده الله في حضرته فهو أبدا يحدّثه ، والمحدّث - بكسر الدال - هو الذي يتلقّى الخطاب عن الحقّ في حضرته ثمّ إلى غيره ، إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ الآية ، فأجاب رضي الله عنه بقوله : معنى البحرين بَحْرُ الألوهيّة وبَحْرُ الوجود المطلق وبَحْرُ الخليقة ، وهو الذي وقع عليه كُنْ ، وهو البرزخ بينهما صلّى الله عليه وسلّم ، لولا برزخيّته صلّى الله عليه وسلّم لاحترق بَحْرُ الخليقة كلّه مِنْ هيبة جلال الذات . قال سيّدنا رضي الله عنه : بحر الخليقة بحر الأسماء والصفات ، فما ترى ذرّة في الكون إلاّ وعليها اسمٌ أو صفةٌ من صفات الله ، وبحر الألوهيّة هو بحر الذات المطلقة التي لا تُكَيَّفُ و لا تَقَعُ العبارةُ عنها يلتقيان لشدّة القرب الواقع بينهما ، قال سبحانه وتعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ولا يختلطان ، لا تختلط الألوهيّة بالخليقة ولا الخليقة بالألوهيّة ، فكلّ منهما لا يبغي على الآخر للحاجز الذي بينهما وهي البرزخيّة العظمى التي هي مقامه صلّى الله عليه وسلّم ، فالوجود كلّه عائش بدوام بقائه تحت حجابيته صلّى الله عليه وسلّم استتارا به عن سبحات الجلال التي لو تَبَدَّتْ بلا حجاب لاحترق الوجود كلّه وصار محض العدم في أسرع من طرفة عين . فالألوهيّة قائمة في حدودها والخليقة قائمة في حدودها ، كلّ منهما يلتقيان ولا يختلطان للبرزخيّة التي بينهما لا يبغيان ، أعني لا يختلط أحدهما على الآخر ، إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
وسألته رضي الله عنه عن دائرته صلّى الله عليه وسلّم ؟ فأجاب رضي الله عنه بقوله : هي دائرة السعادة التي وقع عليها قوله تعالى : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . قال البوصيرى رضي الله عنه : ولن ترى من وليّ غيره منتصرا... البيت ، كلّ من لم يتنصر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا حَظَّ له في ولاية الله ، وهو معنى قول الشيخ رضي الله عنه " ولن ترى من وليّ الخ " . وقوله : " أحلّ أمّته في حرز ملّته ... " البيت ، أراد أنّه صلّى الله عليه وسلّم أدخل أمّته ، المخصوصة بالسعادة ، أدخلها في حرز ملّته كالشيء المحبوب العظيم الذي يُكنز في غاية الحرز ، فإنّ الذهب والياقوت في علوّه لا يوضع إلاّ من وراء الأقفال حرزا له وتحصينا ، كذلك هو صلّى الله عليه وسلّم أحلّ أمّته المخصوصة في حرز ملّته فانطبقت عليهم السعادة الأبديّة في الدنيا والآخرة ، وهذا من حيث التخصيص الإلهي لأمّته التي هي قِسْمُ السعادة ، جعلَنا الله منهم بمحض فضله وكرمه ، آمين ، إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
وسئل رضي الله عنه عن بعض الآيات الواردة في حقّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، قال السائل : بعد أن وقفتُ على كلام بعض العلماء وما قالوا فيها وما نسبوه لصفوة الله من خلقه ممّا لا يليق بمنصب الرسالة والنبوّة والمَلَكِيَّة منها قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ، ومنها قوله تعالى : وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ، وغيرهما ممّا سيأتي ذِكْرُهُ إن شاء الله بعد ؟ فأجاب رضي الله عنه ومتّعَنَا بطول بقائه وسقانا من بحر عرفانه وأدام علينا حبّه مِنَ الآن إلى الاستقرار معه في أعلى عليّين آميــــــن ، قال رضي الله عنه : إعلم أنّ الذنوب في حقّ الأنبياء التي هي اقتحام المَنْهِيِّ شرعا مستحيلة في حقّهم لا تُتَصَوَّرُ منهم لثبوت العصمة لهم ممّا دقّ أو جلّ منها ، والذي وقعتْ فيه المغفرة منه في حقّهم عليهم الصلاة والسلام هي التي تصدر من الأنبياء بلسان الإباحة الشرعية لكن يتناولها طلبُ التَّرْكِ مِنْ وَجْهٍ إجماليّ لا تصريحيّ . وطَلَبُ التَّرْكِ ههنا ليس المحرّم شرعا وإنّما يُطْلَبُ تَرْكُ ذلك الأمر وإنْ كان في نفسه مُباحاً تنزيهاً لِعُلُوِّ مقامهم بالتدنّس بملابسة ذلك المباح الذي تناوله وجه طلب الترك . من وجهٍ آخر فإنّ المباحات في حقّ الأنبياء منقسمة قسمين : قسمٌ يتمحّض فيه حُكْمُ الإباحة من كلّ وجهٍ لا يعارضه طلب الترك في وجه من الوجوه ، فهذا لا عتاب عليه ، وقسمٌ مِنَ المباح يتناوله حُكم الإباحة من وجه ويتناوله طلب الترك من وجهٍ أو وجوهٍ ، فهذا إنْ تفطّنوا له وعلموه تركوه ولم يقتحموه ، وإنْ غفلوا عن وجه طلب الترك فيه واقتحموه لأجل ما فيه من الإباحة وقع العتاب لهم ، وهذا هو الذنب المعهود في حقّهم ، ولتعلمْ أنّ هذا الذنب لم يكن من قِسْمِ المُحرَّم عليهم شرعا ، ولا مِن قِسْم ما سمعوا من طلب الترك في عينه ، بل هو داخل في جملة طلب الترك فهو ليس بذَنْبٍ شرْعاً وإنّما أُطلِق عليه اسم الذنب مجازا وإنْ كان مباحا لغيرهم من العامّة ، وطُلِبَ منهم تَرْكُهُ لعلُوّ مقامهم ، فهو كما قيل : حسنات الأبرار سيّئات المُقرّبين . فهذا الذنب هو في نفسه مباح شرعا ولكن طلب منهم ترْكه لأجل تنزيه المقام لعلوّ جلالهم . وأمّا ما ذُكِرَ من الغفلة فليست هي الغفلة المعهودة في حقّ العامّة ، وهي الإعراض عن مطالعة الحضرة الإلهيّة ، ولكن الغفلة ههنا في حقّهم هي النسيان ، والنسيان غير مستحيل في حقّهم لأنّه جبلّة بشريّة ، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم : « إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني » ، وكما في قضيّة حديث ذي اليدين حيث سلّم مِنْ ركعتيْن في الرُّباعيّة صلّى الله عليه وسلّم ، فقال له ذو اليدين : « أقَصُرَت الصلاة أم نسيتَ يا رسول الله ، فقال له صلّى الله عليه وسلّم : لم تقصر ولم أَنْسَ ، فقال له بل نسيتَ ، فلمّا قال له ذلك سأل صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر وعمر فقال لهما أحقّ ما يقوله ذو اليدين ، فقالا له نعم ، فرجع للصلاة وأكملها » ، فظهر لك من هذا الخبر أنّ النسيان يطرأ على الأنبياء بتصرّفات الأحكام الشرعيّة وهي الصلاة وهي أعظم ما يُطلَب شرْعا ونسيَ صلّى الله عليه وسلّم بعضَ أجزائها ، فهو دليل أنّ النسيان في تصرّف الأحكام الشرعيّة غير مستحيل في حقّهم بشاهد الحديث ، ولتعلمْ أنّ النسيان المذكور هنا هو غير الملحوظ في قوله تعالى : فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ، فإنّ ذلك هو تعمّد الترك للعمل بأمر الله مع العلم به ونسيانه ، ولكن النسيان ههنا هو الترك فقط ، والنسيان المعبَّر عنه في حقّ الأنبياء ينقسم قسمين فقط لا ثالث لهما ، القسم الأوّل هو الطارئ بالجبلّة البشريّة وهو نسيان الحُكم في الأمر وعدم وقوعه في بال الشخص فهذا صاحبه معذور لا يؤاخذه به شرعا ، والقسم الثاني من النسيان أنْ يطرأ على أكابر الصدّيقين والأنبياء في حضرة ذي الجلال سبحانه وتعالى منَ التجلّيات والواردات ممّا يُذهِل العقلَ ويُنسيهِ الأحكام التي كان يعلمها أو بعضها بسبب السطوة الطارئة من التجلّي أو الوارد ، فهذا أيضا كالنسيان الجبلّي إذ صاحبه معذور . وهذه هي وجوه النسيان في حقّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
قلتُ للشيخ رضي الله عنه : وهل يطرأ النسيان على الرسل قبل تبليغ ما أُمِرُوا به كما طرأ بعد التبليغ ؟ قال : لا ، ولو نسي شيئا ممّا أُمِرَ بتبليغه للخلق لبعث إليه الملك وذكّره به ليتمّ الدين الذي أراده سبحانه وتعالى لأنّه هو الحافظ له حتّى يكمل ما أراده من شرعه ، قال تعالى : لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ لأنّه كان صلّى الله عليه وسلّم يعجّل بقراءة ما يسمعه خوفا من النسيان . ثمّ قال رضي الله تعالى عنه : وإنّما وقعت المعاتبة على النسيان الطارئ بسبب الجبلّة أو بسبب الواردات لعلوّ مقامه ولطلب تنزيهه ممّا يدنّسه ، فهذا وجه الغفلة على وجه طلب الترك فيما تمحّض فيه حكم الإباحة ، ومثال ذلك في قضيّة نوح عليه الصلاة والسلام حيث غرق ولده بعدما سمع من الله أنّ أهله ناجون فتحيّر وسأل الله تعالى عن ذلك كما في القرآن إذْ وَجْهُ الإباحة أن السؤال مباح له في طلب تحقيق ما أشكل عليه ممّا ذكر عنه في الآية ، وهذه القضية يتناولها وجه طلب الترك ممّا عُرِفَ في شرائع جميع الأنبياء من طلب ترك البحث عن سرّ القدر لاختصاص الحقّ به ، قال سبحانه وتعالى : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، ولمّا غفل عن هذا الوجه لكونه يتناول القضيّة ، والغفلة طرأت عليه لأحد القسمين اللذين ذكرناهما لا القسم الثالث ، عُوتِبَ حينئذ لِغَفْلَتِهِ ، قال سبحانه وتعالى : فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ الآية . وكقضيّة موسى عليه الصلاة والسلام في قتل النفس ، فإنّ وجه الإباحة فيها أنّها كافرة أصليّة لا عهد لها ولا ذمّة تُتْرَكُ لأجلها وظلمتْ بما فعلتْ بالإسرائيليّ الذي استغاث به ولِمَا عليه من نُصْرَةِ المظلوم إذا كان يقدر عليه ولم يكنْ فكّ الإسرائيليّ منه إلاّ بضربه ، فوكزه غير قاصد لقتله فقضى عليه ، وكلّ هذه الوجوه مصرّحة بالإباحة وقتله كان خطأ غير قاصد له . ووجه طلب الترك فيها أنّ أرواح الكفّار وإنْ كفروا لم يُبَحْ إراقة دمائهم إلاّ بالإذن الإلهيّ ، والإذن الإلهيّ لا يكون إلاّ بعد تبليغه دعوة الرسالة وإبايتهم عن أمر الله تعالى ونبذهم بعد الإنذار والتلوّم ، فحينئذ يأذن الله في قتلهم وقتالهم للرسل . فلمّا لم يكن شيء من هذا الذي يرفع طلب الترك ، وإنْ كثرتْ فيه وجوه الإباحة ، كان العتاب واقعا من هذا الباب . فلمّا تفطّن موسى عليه السلام لهذا : قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ الآية . وكقضية نبيّنا عليه الصلاة والسلام حيث استشار أصحابه رضي الله عنهم في أسرى بدر فأشار بعضهم بالقتل وبعضهم بالعفو وأخْذِ الفداء ، فنزلت الآية ، قوله تعالى : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله : عَظِيمٌ وقوله تعالى: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ بعد قوله : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ الآية ، وأمثال هذه ، وقوْل سيّدنا يوسف عليه السلام للذي نجا منهما : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ، وقس ما لم يُذْكَرْ على ما ذُكِرَ حاصله .
إنّ الأمور المطلوبة فعلا وتركا في حقّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،الأوّل : طلب الفعل كالواجبات ، فلا يمكن ترْكه من النبي ، الثاني : طلب ترْك الفعل كالمَنهيَّات ، فلا يمكن ارتكابه من النبيّ ، وما بينهما فهو فيه بالخيار لكن هذا ينقسم أيضا قسمين : قسْمٌ يقع الإذن فيه بعينه إمّا بفعله أو ترْكه وهذا لا عتاب فيه ، والقسم الثاني : لا يسمع الإذن فيه ، وهذا تارة المطلوب ترْكه من النبيّ أو فعله كالأمثلة المتقدّمة في الآيات لعدم علْمِه به أو لغفلته عنه ، وتارة العكس وهو طلَبُ فعْله من النبيّ ويتركه لِمَا ذكرناه من غفلته عنه أو عدم علمه به ، فهذا القسم من المباح هو الذي يقع العتاب عليه لصفوة الله من خلقه أو العتاب والمؤاخذة ما عدا سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم . والمؤاخذة المذكورة هي ببعض مصائب الدنيا وبلاياها فقط ، وهذا التحصيل فَهِمْتُهُ من كلام الشيخ وليس هو لَفْظُهُ .
ثمّ قال رضي الله عنه : ولا يُقال الغفلة عن بعض هذه الأمور التي عوتب عليها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جَهْلٌ في حقّهم فإنّ الجهْل المستحيل في حقّهم عليهم الصلاة والسلام إنّما هو الفعل الصادر عن متابعة الهوى والغفلة عن حضرة الله تعالى بانهماك النفس في شهواتها والولوع بمألوفاتها ، أمّا مَنِ استغرق في مشاهدة حضرة الله تعالى في جميع لحظاته مع كمال مراعاته لأدب الحضرة الإلهيّة مع توفيقه بما يلزمه من القيام بالحقوق الإلهيّة ولا يلتفت لهوى نفسه حتّى في أقلّ قليل فإنّ هذا لا يلمّ بساحته الجهل . إلاّ أنّ هناك أمورا في الحضرة الإلهيّة لم يَصِلْ إليه العلمُ بها ، ولا يقال إنّه جاهلٌ بها لأنّ الجهل انتفى بالصفة المذكورة ، وإنّما ذلك من عدم الإحاطة بأمر الله إذْ عِلْمُ الله لا يحيط به محيط ، فلا يعلمون من وراء المرتبة التي ينتفي الجهل بها إلاّ ما أعلمهم الله به وما لم يعلمهم به بقي محتجبا عنهم لعدم إحاطتهم بعلم الله ، قال تعالى : وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ .
قلت للشيخ رضي الله عنه : فما هو الفتح المذكور في قوله تعالى : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ؟ قال : هو فتح الحديبية ، قال تعالى : فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ، قلت له : ذَكَرَ صاحب الإبريز " أنّه المشاهدة " ، قال لي : معاني القرآن واسعة والشيخ مُسَلَّمٌ له فيما قاله لأنّه صاحب بصيرة نافذة ، وكذلك ما قاله في قوله تعالى : وَتَخْشَى النَّاسَ لأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم مفتوح عليه في صغره ولم يكن صاحب حجاب حتّى يقال إنّه فُتِحَ عليه في ذلك الوقت ، والله أعلم بما أراد ذلك الشيخ . وإذا فهمتَ هذا علمتَ أنّ الذنوب التي ذُكِرَتْ في حقّ الرسل عليهم الصلاة والسلام والأفعال التي تصدر منهم في صورة المخالفة ليست بذنوب حقيقيّة وإنّما هي مباحة في نفس الأمر لهم أيّ في شرع كلّ مَنْ فَعَلَ ذلك الفعْل ، وإنّما وقع العتاب عليها والمؤاخذة في الدنيا ببعض مصائب الدنيا كما قدّمنا ، حاشا سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم فإنّه لم يقع له شيء من المؤاخذة على ما فَعَلَهُ ، وهو المُعَبَّرُ عنه بغفران ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر . كما حكى الله عن سيّدنا سليمان عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ، هي مؤاخذته على ما صَدَرَ منه عليه الصلاة والسلام مِنْ قوله : لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة كلّهنّ تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله ، ولم يقلْ إن شاء الله ، فعوتب بِشِقِّ إنسان كما في الخبر ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « ولو قال سليمان إن شاء الله لكان ما قال » ، إنتهى .
فقول سيّدنا سليمان عليه السلام مباح ولكن عوتب للأمر الذي ذكره شيخنا رضي الله عنه فيما تقدّم كما بيّنه الحديث ، والله أعلم بذلك .
وكذلك من هذا القبيل ما وقع لصاحب الحوت عليه السلام حين خرج من قومه فارّاً بنفسه كما قال سبحانه وتعالى : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ الآية ، فعاقبه الله بالتقام الحوت وإن كان خروجه مباحا لأنّه لله لا لنفسه ، ولكن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يؤاخذون بمثل مثاقيل الذرّ لِعُلُوِّ مرتبتهم عند الله تعالى كما قدّمنا . وذَكَرَ صاحب الإبريز عن شيخه رضي الله عنه : " معنى مغاضبا أيّ غاضبا عليهم حيث تركوا ما فيه رشدهم وصلاحهم من الإيمان به والاستسلام لأمره حتّى نزل بهم أمر الله تعالى وعذابه ، بحسب ما يظهر للناظر فإنّ العذاب كان فوق مساكنهم ، فلمّا رأى يونس ذلك غضب وأَبَقَ إلى الفلك المشحون . وأمّا قوله تعالى : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فمعناه : أنّه ظنّ أنْ لنْ نُهلكَه بما أهلكناهم وذلك أنّه لمّا رأى أمارة العذاب فرّ عنهم ظانّا النجاة وأنّه لا يصيبه ما أصابهم ، فأراه الله تعالى نوعا آخر من القدرة لم يكن في ظنّه عليه السلام ، فلمّا رأى ذلك نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ، فاستجاب له ربّه ونجّاه عزّ وجلّ " . إنتهى مُلَخَّصًا من الإبريز .
قلت وفِعْلُهُ هذا كلّه مباح ولكن عوتب لأجل الوجه الذي ذَكَرَهُ سيّدنا رضي الله عنه ، والله أعلم .
وأمّا ضرّ سيّدنا أيّوب عليه السلام الذي شكى منه فإنّه فيما حُكِيَ عنه أنّ زوجته عليها السلام باعت ضفيرةً من شعر رأسها لتأخذ له بعض ما يحتاجه ، فلمّا سألها وأخبرته بالواقع أدركه ما يدرك أهل الهمم العليّة والنفوس المتعالية عن سفساف الأخلاق من العار الذي وجده في نفسه من العيش بشعر حليلته ففزع إلى الله تعالى حينئذ من هذا الضر الذي لِحَقِّهِ وقال : إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ الآية ، إنتهى .
وسألت شيخنا رضي الله عنه عمّا ذكره بعض المفسّرين في حقّ سيّدنا داود عليه السلام وأنّه تمنّى كذا بقلبه وأمر الرجل بكذا ليفعله وكذا وكذا ؟ فأجاب رضي الله عنه بقوله : معاذ الله أنْ يصدر هذا من المعصوم ، وإنّما حكى الله عنه أنّ الخصمين اختصما في نعاج من الغنم لا غير كما قال الله : إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً إلى قوله وَأَنَابَ ، ومن المعلوم عند المحقّقين أنّ القرآن لا يُفَسَّرُ إلاّ بالخبر الصحيح لا يُصرَف عن ظاهره إلاّ إذا كان ظاهره يلزم منه المحال ، وكِلاَ الأمرين مُنْتَفٍ هنا ، فلا خبر صحيح مفسِّر للآية يُعتمَد عليه ولا قرينة تصرفها عن الظاهر ، وإذا فهمتَ هذا تبيّن لك أنّ الآية على ظاهرها وليس كما قيل من التأويل الذي لا ينبغي أنْ يُذكَر حتّى في صالحي عامّة المؤمنين فكيف يُقال في صفوة الله هذا التأويل الشنيع ، نعوذ بالله من التخليط .
وقلت للشيخ رضي الله عنه : فَمِمَّ تاب سيّدنا داود عليه السلام ؟ قال : رضي الله عنه من ظنّه أنّه أخطأ في الحكم فقط لا غير ، هذا كما أخبر الله عنه : وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ الآية . فانظر
رحمك الله هذه الطريقة البيضاء، التي كلُّ مَن سَلَكَهَا بَاعَدَ وارد لظى . فاستمسكْ بهذا الحبل المتين واتركْ عنك كلّ تأويل صادر من تخيّل العقل الخشين لتكون من المحسنين .
قلت لسيّدنا رضي الله تعالى عنه : فإذا كانت توبته ممّا ذكرتَ فما معنى قوله تعالى : فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ، قال لي : غفر له ظنّه ، قلتُ له : ظنّه ليس بذنب في نفس الأمر ؟ قال : أكابر الصدّيقين ليسوا كغيرهم ، فإنّهم يُؤاخَذون بمثاقيل الذرّ كما قدّمنا لأنّ الحضرة مطلوبة بالأدب ، فمن كان في حضرة الحقّ وغفل أو نسي ولو في أقلّ قليل يُؤاخَذُ ولم يُعذَرْ كغيره وإنْ كان في ظاهر الشرع غير ذنب كما حكى الله عن سيّدنا آدم على نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام . ذَكَرَ عُذْرَهُ وعاقبه بالنزول إلى الأرض ، ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وذَكَرَ الشيخ رضي الله عنه ما يعضد هذا من الحكايات في آداب أهل الحضرة ، منها أنّه قال : كان سريّ السقطي رضي الله عنه ذات يوم جالسا فمَدَّ رِجْلَهُ ثمّ رَدَّهَا بالعجلة وأخذ يتضرّع إلى الله عزّ وجلّ ويقول : لا أعود لمثلها أبدا ، فقال له بعض الفقهاء ، وكان بحضرته ، فما هذا ؟ فلا شيء عليك و لا حرج ، فقال له : لا بأس عليك أنتَ ولا شيء . والفقيه قال له ذلك لأنّ مَدَّ الرِّجْلِ مباح في الشرع والمباح لا مؤاخذة فيه ، ولم يَدْرِ أنّ الأكابر مطالبون بالأدب في كلّ وقت ولو في النسيان كما قدّمنا .
ومنها أنّه قال : كان رجلان في سفينة وكانا أخَوَيْن في الله ، فلمّا كان ذات يوم رأى واحد منهما حبّة طعام ساقطة فرماها في فيه ، فنَهَرَهُ الآخر وقال له : ما هذا التجاسر ؟ فأخذ يعتذر إليه بالنسيان والغفلة ، فلم يَقْبَلْ عذره وقال له : لا أصحب من يغفل عن الحضرة ورمى بنفسه في البحر وتغيّبَ عنه ، فلمّا وصل إلى البيت الشريف رآه يطوف فتعلّق به ، فقال له : لولا الأخوّة في الله بحقّها لم تَرَنِي ولم أصاحبْك ، فقال له : إنّي تائب لله فقبِله وصحبه . فإذا كانت هذه الآداب في حقّ أولياء الله تعالى فما بالك بصفوة الله تعالى مِنْ أنبيائه ورسله ، فَهُمْ أوْلى بمطالبة الآداب وعدم الغفلة . فإذا فهمتَ هذا أذكر لك ما وقع لسيّدنا آدم عليه السلام ، من هبوطه إلى الأرض وخروجه من الجنّة ، لتتأدّب مع الحضرة و تعلم ما تقول .
قال شيخنا رضي الله تعالى عنه : فهو في الصورة مؤاخذة وفي الحقيقة للكمال والاصطفاء والاجتباء لأنّه أهبطه إلى الأرض ليكون خليفة تصديقا لقوله جلّ وعلا : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، فأظهر في حكمته ما سبقت به مشيئته . وأمّا قوله تعالى : وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى فهي في الصورة لا غير بدليل أنّه سبحانه وتعالى ذَكَرَ عذره بقوله جلّ وعلا : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ، والمعلوم في الشرع أنّ الناسي لا يُؤاخَذ ، ولكن الكُمَّل مِنْ عباده ليسوا كغيرهم كما قدّمنا . فقلتُ لسيّدنا رضي الله عنه : فإذا كانت مخالفته ليستْ بِذَنْبٍ فممّ ذَكَرَ الله توبته ؟ قال : من صورة المخالفة لأنّها في الظاهر ذَنْبٌ وإنْ كانت في نفس الأمر ليست بذنْب لأنّه فَعَلَهَا ناسيًا كما ذَكَرَ الله عنه في الآية والناسي لا ذنْب عليه في الشرع وإنّما العتاب والمؤاخذة للغفلة عن الآداب وعدم العلم بالوجه المطلوب فعلا أو ترْكا كما تقدّم . وقال شيخنا رضي الله عنه : اعلم إنّ في أكل آدم من الشجرة آية للمعتبرين وأسوة للتائبين مِنْ إظهار باهر قدرة الله تعالى وعجائب صنيعه وموافقته لِمَا سَبَقَ في مشيئته مِن اجتباء آدم وخلافته بسبب مخالفته ، وطَرْدِ إبليس ولَعْنِهِ وإهَانَتِهِ بعد اصطفائه وتَعَبِهِ بكثرة عبادته ، لتعلمَ أنّ الشقاوة والسعادة ليستا مرتبطتيْن بالعِلَلِ والأسباب وإنّما السعيد مَن سَعِدَ في الأزل والشقِيُّ كذلك ، ولهذا لم تنفع الملعون كثرة الأسباب وذلك أنّ إبليس لعنه الله لمّا طُرِدَ بسبب مخالفته لأمْرِ ربّه لُعِنَ وكَتَبَ قلمُ الشقاوة الأبديّة عليه وصار من المغضوب عليهم أخذ يُغضِبُ مولاه ويعانده ويتوعّد عباده بالغواية ويتهدّد ويُقْسِمُ لربّه أنّ هذا الذي كرّمتَ عليّ لأغوينّه وذريّته ولم أزلْ به حتّى تطرده كما طردتني قالت له العناية بلسان الحال : أنّ آدم محبوب عند الله في الأزل ، لا تضرّه المخالفة وإنْ صدرتْ منه لأنّ الله خلقه من أجله لِيَظْهَرَ فيه بمظاهر ألوهيّته وسبَق في علمه أنّه خليفته في خلْقِه ومُصطفى ومُجتبَى عنده فأبرزه في ظاهر حِكْمَتِه على وفق ما أبطن في مشيئته ولو وقع في مخالفته رغما على أنفك يا ملعون ، وزيادة في طرْدك وبُعْدِك اذهبْ فإنّك رجيم وأنّ عليك اللعنة إلى يوم الدين لأنّك مخلوقٌ لنفسك وتَعَبُكَ كان لِحَظِّكَ وشهواتك وما رأيتَه في بدايتك هي ملابس مستعارة لك والأصل هو شقاوتك وطرْدك ولذلك خلقتُك . وأمّا آدم عليه السلام فمخلوقٌ للسعادة الأبديّة والنِّعَم السرمديّة والخلافة العظمى على جميع البَرِيَّة ، فشتّان ما بين مَنْ كان سعيدا في المشيئة الأزليّة وبين من كان شقيّا فيها ، ولذا يُقال في المثل : مَن سبقت له العناية لم تَضُرّه الجناية ، ومِنَ الجاري على ألْسِنَةِ العامّة : المحبوب ما له عيوب . فآدمُ لَبِسَ تاجَ الخلافة بسبب المخالفة ، وإبليس لبس خلعة الشقاوة بسبب العبادة مع الطرد واللعن الخذلان والحرمان والخزي والنكال وأُعِدَّت له دار الهوان والعذاب والغضب مقرّا للخلود فيها بِزَلَّةٍ واحدة وهي إبايته عن السجود ، فسبحان المتصرّف في العباد بما أراد . ومن ذلك الوقت صار إبليس مظهرا للغواية والضلال والشقاء والبُعْد والخسران والعناد والغضب والفساد والزيغ والبهتان وأنواع العصيان والكفر والباطل ومخالفة أمْر ربّه في كلّ ما ينهى عنه أو يأمر به ، كما كان سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم مظهرا للهداية والتوفيق والسعادة والقرب إلى الله والربح والانقياد والرضا والصلاح والرشد والصدق وأنواع الطاعات والإيمان والحقّ والامتثال لأمْر الله وجميع وُجُوهِ التقرّبات وجماع الخيرات ، فَهُمَا في عالم الحكمة عينان متقابلتان في غاية المضادّة والتنافر ، وأمّا بالنظر للمشيئة فليس لهما شيء مِن ذواتهما ، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم : « بعثت داعيا وليس لي من الهداية شيء، وبعث إبليس داعيا وليس له من الغواية شيء » ، وما ذكرناه من المظهريْن فهو في الحكمة الظاهرة ، وأمّا في المشيئة فإبليس فَرْعٌ عن الحقيقة المحمديّة لأنّها هي الأصل في كلّ مظهر وفي كلّ ما يُفاضُ على الوجود بأسره فردا فردا .
إنتهى من املائه على مُحِبِّنَا وسيّدنا أبي عبد الله سيدي محمّد بن المشري وكتبتُه من إملائه علينا حفظ الله عُلاه .


<< الصفحة الثانية     الصفحة الرابعة >>

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس