لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا
،
قالت الجلود في الجواب :
أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
إلى قوله تعالى :
وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ
، وقال سبحانه وتعالى في وصف المنافقين :
يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ
الآية ، ذكرها في ذمّهم .
وورد في بعض الأخبار أنّ الله سبحانه وتعالى يوقف العبد بين يديه فيقول له :
«
ما الذي جرّأك على معصيتي حتّى خالفت أمري ؟ ، أو ما هذا معناه ، فيقول العبد : ربّ ظننت أنّك تغفر لي ، فيغفر له لحُسْن ظنّه
»
. وقد روي أنّ يحي بن أكثم ، وكانت حالته معروفة ، قال بعض من رآه في النوم وسأله : ما فعل الله به ، فقال : غفر لي ، قال قلت له : بماذا ؟ قال : قال لي سبحانه وتعالى فعلتَ وفعلتَ وفعلتَ ، قال قلت : إلهي ما بهذا حُدِّثْتُ عنك ، قال : وبماذا حدّثتَ عنّي ؟ قال قلت : حدّثني فلان عن فلان ، وذكرت الرواة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، أنّه صلّى الله عليه وسلّم يقول :
«
إنّ الله يستحي من ذي الشيبة في الإسلام أن يعذبه
»
أو ما معناه هذا ، قال فقال: صدق فلان وفلان ، وذكر الرواية ، ثمّ قال لي : إذهب فقد غفرت لك . وهذا حسن الظنّ بالله
تعالى ، فمن ظنّ به خيرا عامله بخير ، ومن ظنّ به شرّا عامله بظنّه . فمن ظنّ بالله أن ليس له منه إلاّ العقوبة والعذاب عامله الله بذلك ، ومن ظنّ به العفو عامله الله بذلك .
قال صلّى الله عليه وسلّم حين سأله الأعرابيّ :
«
من يلي حساب الخلق يوم القيامة قال له صلّى الله عليه وسلّم الله يعني الله يتولّى الله حساب الخلق يوم القيامة ، قال له الأعرابيّ : بذاته ؟ قال له : بذاته ، فضحك الأعرابيّ ضحكا شديدا . فقال له صلّى الله عليه وسلّم ممّ ضحكت يا أعرابيّ ، قال الأعرابيّ إنّ الكريم إذا حاسب سمح وإذا قدر عفا
»
فسكت صلّى الله عليه وسلّم وتركه مع حسن ظنّه و لم يزعجه عنه .
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ
فإنّ تلك هي له صفة ذاتيّة ، وهذه المعيّة هنا هي معيّة العناية والمحبّة ، فإنّه مع الذاكر بعنايته ومحبّته له ، كما أنّ معيّته مع الصابر في الجهاد بالنصر والتأييد ، كقوله تعالى :
وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
،
وَاللَّهُ مَعَكُمْ
هنا بالنصر والتأييد ، بعد المحبّة والعناية فإنّه مع الصابر في الجهاد بالعناية والمحبّة والنصر والتأييد ، وكقوله في الحديث :
«
إن الله مع الدائن حتى يقضيه
»
، فإنّ المعيّة ههنا بالمعونة والتيسير ، حتّى كان عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه، مع كونه من أكابر الأغنياء ، لم يُرِدْ أن يخلو من ديْن .
قيل له : ليست بك حاجة إلى هذا ، فأشار إلى الحديث وقال : أريد أن يكون الله معي . فهذه المعيّة هنا هي معيّة الصفات ، فهي مع الذاكر بالمحبّة والعناية ، ومع الصابر في الجهاد بالمحبّة والعناية والنصر والتأييد ، ومع الدائن بالمعونة والتيسير .
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ
، فهي معية الذات، فهو مع كلّ شيء بذاته وتلك لا تقبل انفصالا ، يعني الانفصال عن تلك المرتبة ، فهو في تلك المرتبة مع كلّ شيء ، لا بحلول ولا اتّصال ولا انفصال ولا مسافة ولا قرب ولا بعد ، إذ تلك صفاته الذاتيّة ، وهي المعيّة ، يعني معيّة الصفات مقيّدة بالشروط التي هي معها ، فمع الذاكر بالمحبّة والعناية إذا كان ذِكْراً ، وتنعدم إذا انعدم الذاكر ، يعني إذا انقطع انقطاعا كليّا عن الذكر بلا عودة له ، وأمّا إذا كان لاستراحة أوقاته بين أذكاره فمعيّة الله لا تنقطع عنه ، فهو معه بالمحبّة والعناية ، فإنّه يقول في الحديث القدسيّ :
«
إذا اطّلعت على قلب عبدي فرأيت الغالب عليه ذكري ملأته بحبّي
»
، وحبّ الله هو غاية المطالب .
ومن حلّ فيه حبّ الله تعالى سعد السعادة الأبديّة ، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم يوما جلد رجلا في الخمر ، وكان قد أتوا به إليه مرّات وقع في الخمر وجَلَده صلّى الله عليه وسلّم ، فقال له بعض الصحابة : لعنك الله، فقال صلّى الله عليه وسلّم :
«
لا تلعنْه فإنّه يحبّ الله ورسوله
»
فما ذنبه أخرجه من حرمة محبّته لله تعالى . وهو يقول في الحديث :
«
لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه ... الخ
» .
وأعظم النوافل تقرّبا الذكر ، وكذلك الصلاة يتعاهدها بالحضور القلبيّ لأنّها مثل الذكر ، لا يزال العبد مرّة يذكر ومرّة يستريح حتّى إذا رأى الحقّ منه ذلك صبّ في قلبه من مواهبه أنوارا إلهيّة شغلت القلب عن غير الله تعالى ، وملأته بذكر الله تعالى ، وصار القلب بسبب ذلك مطمئنّا بذكر الله ، ومن الطمأنينة ينتقل إلى المراقبة ، وهي حالة عزيزة ما نالها إلاّ الأفراد ، يعني أفراد السالكين ، فإنّها إن دامت للعبد ، وتمكّن أمرها من القلب ، خرجت به إلى الذهول عن الأكوان ، ثمّ إلى السكر عنها ، وهو أعلى من الذهول ، ثمّ إلى الفناء عن الأكوان مع شعوره بفنائه ، ثمّ إلى الفناء عن الفناء ، فإذا وصل إلى هذا الحدّ انمحق الغير والغيريّة بهدم جميع الرسوم و الأطلال ، وانمحق جميع الآثار ، فلم يبق إلاّ الحقّ بالحقّ عن الحقّ ، وهو باب المدخل إلى محبّة الذات للذات ، وهي غاية الغايات ، فإذا وصل العبد إليها ارتفع الحجاب له عن الحضرة القدسيّة ، وطلعت به شمس المعارف ، فرفعت له الأستار عمّا في الحضرة الإلهيّة من العلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأحوال العليّة والأخلاق السنيّة الكريمة، والتوحيد والتجريد والتفريد والحكم والحقائق والعجائب التي لا تعرف ولا تذكر ، وهي غاية الغايات .
وأكثر ما يوصل إليها من النوافل الذكر بملازمته ومعانقته له ، فإنّ الذكر هو الذي يأتي بالمواهب .
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
،
والمراد به بسط الثواب على الذاكر فقط ، ثمّ أنّه إذا ذكره العبد في نفسه أعطاه من الثواب ما لا تطيقه العقول ، وجعله مكتوما عن خلقه ، لا يظهره له إلاّ إذا أدخله الجنّة ،
يقول له : هذا ثواب ما ذكرتني به ، ولا تطّلع عليه الملائكة حتّى الحفظة .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيئَةِ
،
والملائكة من جملة البرية ، وبقوله له صلّى الله عليه وسلّم :
«
إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه اختار منهم بني آدم
» ،
الحديث . قلنا : هو محلّ الخلاف بين العلماء ولكلّ واحد حجّة تقتضي قوله .
وقد ذكر الشيخ الأكبر أنّه رأى في بعض وقائعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسأله عن هذه المسألة أيّهما أفضل البشر أم الملائكة ؟ فقال له صلّى الله عليه وسلّم الملائكة: أفضل . قال قلت له : يا رسول الله العلماء ينازعونني في هذه المسألة ، فما الذي أحتجّ به عليهم ؟ قال فقال لي صلّى الله عليه وسلّم بقولي في الحديث :
«
وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه
» .
ثمّ إنّهم بعد الخلاف ، الملائكة أفضل والبشر أكمل .
ونعني بالبشر ههنا العارفين بالله ، فإنّ العارفين بالله في هذا الميدان أكمل من الملائكة ، فإنّ العارف يتجلّى الله تعالى عليه في ذاته بجميع أسمائه وصفاته التي اقتضاها ظهور الكون على العموم و الإطلاق ، وليس للملك إلاّ اسم واحد تجلّى الله به عليه لا غير ، وليس في جميع الموجودات ، من الملائكة وغيرهم ، أن يتجلّى الله فيهم في ذات واحدة باسمين فأكثر ، ليس إلاّ واحد في كلّ موجود . وذات الآدميّ محيطة بجميع الموجودات ، فإنّ في حقيقة كلّ عارف الإحاطة بجميع
الملائكة وبجميع الموجودات من العرش إلى الفرش ، يراها في ذاته كلّها فردا فردا حتّى أنه إذا أراد أن يطالع غيبا في اللوح ينظر إليه في ذاته ويفتّش فيه ، وليس هذا الكمال إلاّ للآدميّ .
ولهذا جُعلتْ الخلافة العامّة المطلقة عن الله فيه لأجل هذه الإحاطة . قد رُويَ في الخبر أنّ الملائكة رأت ما أعدّ الله سبحانه وتعالى لبني آدم في الجنّة بما لا يكيّف ولا تحيط به العقول ولا تنتهي إليه الأفكار قالوا : ربّنا اجعل لنا قسطا ممّا جعلته لهم ، فأجابهم ربّنا سبحانه وتعالى بقوله : لا أجعل ذريّةَ مَن خلقته بيدي كمن قلت له كن فكان ، فسكتوا وأيسوا ، ما عدا الروح الأعظم ، فإنّه خارج عن هذه القاعدة . والعلماء الذين يقولون إنّه صلّى الله عليه وسلّم رسول إلى الملائكة كما هو رسول إلى البشر والجنّ يشيرون إلى هذا ، ، فإنّ الروح الأعظم هو الذي يسمع كلام الربّ سبحانه وتعالى ، ويتلقّى عنه الأمر والنهي ويلقيه إلى الملائكة ، فهو الواسطة بين الله وبين الملائكة ، فليس لملك أن يتلقّى الأمر من الله ، إلاّ من الروح الأعظم .
فبهذا الاعتبار كان رسولا إلى الملائكة . وقد قلنا إنّ الروح الأعظم مظهر من مظاهر الحقيقة المحمّديّة ، وهي باطنه صلّى الله عليه وسلّم ، وهو واحد من مائة ألف ذات وأربعة وعشرين ألف ذات .
مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا
،
وكقوله في الإنفاق في الجهاد :
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ
،
أخبر هناك أنّ الحسنة بسبعمائة أمثالها ، وهكذا .
فهذا معنى
«
من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا
»
.
«
وإن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت منه باعا
» .
ومعنى الباع فيه خطوتان في كلّ خطوة ذراع ونصف ، وقلنا الشبر هو إشارة إلى أقلّ قليل من العمل يتقرّب به العبد إلى الله تعالى فيعطيه ضعفه أضعافا مضاعفة ، وهو معنى الذراع ، كما ورد في الخبر أنّ اللفظة الواحدة من الذكر يعطي الله عليها بكلّ حرف عشر حسنات ، وهكذا على طوله وامتداده والقلّة والكثرة ، وهذا لعامّة الناس فقط .
و أمّا أهل التخصيص فلا يعرف قدرهم ، أيّ ما يعطيهم من الثواب ، حتّى أنّ الواحد من أهل التخصيص إذا نطق بالكلمة الواحدة منهم عدلت أعمال الثقلين ، وهكذا ، وهذا معنى الباع ، كلّما تقرّب العبد إلى الله تعالى بالعمل ضاعف له أضعافا مضاعفة ، ومثاله في كلمة الإخلاص : لا إله إلاّ الله ، فإنّها خمسة عشر حرفا ، وإذا ذكرها مثلا ألف مرّة كان ثوابها مائة ألف وخمسين ألف حسنة . فهذا معنى الذراع والباع .
وفي الصلاة صلّى الله عليه وسلّم كقوله : اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد ، تحسب حروفها بكلّ حرف عشر حسنات ، ووراء ذلك أو كل ملك في الكون يصلّي عليه عشر مرّات ، وصلاة الملك ليست كصلاة الإنسان ، فإنّ كلّ حرف في صلاة الملك بمائة حسنة ، والحسنة من الملك ليست كالحسنة من الآدميّ ، فإنّ حسنة الآدميّ منها كالحبوب وكالأواقي وكالأرطال وكالقناطير وكالجبال على قدر قلوبهم ، فالعدد واحد والميزان مفترق ، وحسنات الملك هي على قدر الجبل الذي طوله مسيرة عشرين سنة وعرضه كذلك وعلوّه كذلك ، فإذا كتبت في صلاة الملك مائة بكلّ حرف فليس بحسب ثواب هذا العمل ، لكثرة عدد الملائكة ، فإنّ عددهم لا يحيط به محيط إلاّ الله جلّ جلاله ، فانظر ماذا بلغت الصلاة على الرسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الأذكار ، فلا نسبة بينها وبين الأذكار .
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
،
قوله صلّى الله عليه وسلّم :
هذا حمدان جبل كان يسير عليه صلّى الله عليه وسلّم سيروا
«
سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال المستهترون بذكر الله يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون القيامة خفافا
»
فهذا معنى الهرولة من الله تعالى ، وهو إعطاؤه من الثواب ما لا تطيقه العقولة ، ولا تنتهي إليه الأفكار ، فلا يعلمه إلاّ هو سبحانه وتعالى ، كما قال في الآية :
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
،
وكقوله في الحديث مخبرا عن الله تعالى :
«
أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
» ،
، فإنّه يعطيه تعالى بلا حدّ ولا حساب ، فهذا معنى الهرولة في حقّه سبحانه وتعالى .
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
،
يعني من مقتضيات طبعكم وهواكم ، وكقوله سبحانه وتعالى :
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ
،
والإنابة إلى الشيء هي الرجوع من ضدّه ، والإنابة إلى الله تعالى هي الرجوع عن متابعة النفس والهوى ، فإنّ هذا المسلك هو مسلك جميع الصدّيقين ، فإنّهم سلكوا إلى الله تعالى، بالرجوع من نفوسهم وهواهم إلى الاشتغال بالله تعالى ، و الدؤوب على خدمته والأدب بين يده ، فإنّ العبد أبدا هو بين يدي الله تعالى علِمَ ذلك أم جهله .
ومقتضى الحديث على هذا ،
«
من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا
»
، يعني إنْ تقرّب إليّ من متابعة نفسه وهواه بالرجوع إليّ ، تقرّبت إليه ذراعا ، وتقرُّبُ الله للعبد في هذه المرتبة هو إعطاؤه قسطا من مناسبة الحضرة الإلهيّة ، فإنّ نسبة الحضرة الإلهيّة نسيان جميع الأكوان وذهابه من عقل الإنسان لبروز ما هناك من العلوم والمعارف والأسرار التي لا تذكر ولا تعرف ، والعجائب التي تعجز العقول عن ذكرها .
فإنِ الإنسان ألقي في الحضرة ذهبت عنه نسب جميع الأكوان ، وهو غاية القرب من الله تعالى وغاية قرب الربّ من عبده ، ومحطّ الإنسان هو في غاية البعد عن الله تعالى لاشتباك حقائق الوجود في عقله ، وتعلّق شهواته بها تمتّعا وتلذّذا واكتسابا ، فلهذا بعدت نسبته للحضرة الإلهيّة . فإذا أخذ في التقرّب إلى الله تعالى بمفارقة الأكوان وعدم الاشتغال بها ، إنْ أخذ في ذلك بيسير عن العمل ، فهو معنى الشبر ، تقرّب إليه سبحانه وتعالى ذراعا ، فإنّه يذيقه سبحانه وتعالى من لذة الاشتغال به ، ولذّة إقبال العبد عليه ، ونسيانه في وقتها لجميع الأكوان ، يذيقه في هذا أكثر ممّا تقرّب به ، فهو قسط من مناسبة الحضرة الالهيّة ، والذكر في نفسه ، أيّ ذكر الله ، هو نسب الحضرة الالهيّة .
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رضي الله عنه : " الذكر منشور الولاية ومنار الوصلة فمن أعطي الذكر فقد أعطي المنشور " ، يريد بجلوسه على بساط الولاية ، فإنّه يقول في الحديث القدسيّ :
«
أنا جليس من ذكرني
» ،
وهو معنى القرب .