نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب الخامس - الفصل الثالث - الصفحة الخامسة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب الخامس > الفصل الثالـث > الصفحة الخامسة


في إشاراته العلويّة وحلّ مشكلاتها بعبارات وهبيّة ـ الصفحة الخامسة .
وسألته رضي الله عنه وأرضاه وعنّا به عن الفقير الصابر والغني الشاكر ، أيّهما أفضل ؟ .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه : التفضيل بين الفقير الصابر والغنيّ الشاكر أيّهما أفضل ، والخلاف في تفضيل أحدهما على الآخر معروف بين العلماء . قلت : ومحلّ الخلاف إنّما هو في أهل الحجاب دون المتمكّنين من الوقوف في بساط الحقائق . وأمّا أهل الوقوف في بساط الحقائق ، فكلّ من الغنيّ والفقير له شُكْرٌ وصَبْرٌ . وبيان ذلك أنّ للنفس ولوعا بهواها وممازجة جبلّيتها وبشريّتها . ففي الفقر بنفورها عنه ، واشتغالها بما يقتضيه الهرب من الفقر طلبا لِلَذَّاتها وشهواتها ، وهروبا من عذاب الفقر ونكاله . وفي هذا الأمر للنفس شُغْل لها عن قيامها بالحقوق الإلهيّة ، وبُعْدٌ لها عن الاتصال بالحضرة القدسيّة . كما أنّها في الغِنَى تريد الخروج إلى الراحة والأمن ، والتمتّع بلذّاتها وشهواتها ، إخلادا إلى أرض الطبيعة والجبلّة ، فكان في ذلك أيضا شُغْل لها عن القيام بالحقوق الإلهيّة ، وبُعْد لها عن الاتّصال بالحضرة القدسيّة . وهاتان هما الفتنتان في البلائيْن اللذين ذكرهما الله سبحانه وتعالى في قوله : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ، يعني فيهما لأنّ اتّصال النفس بالحضرة القدسيّة مُمِيتٌ لها عن شهواتها وحظوظها ومألوفاتها ، فخرج لها عن مقتضى جبلّتها وطبيعتها ، فلم يكن للنفس في ذلك الميدان إلاّ ظهور الوجود بالحقّ للحقّ في الحقّ عن الحقّ ، مع تمييز المراتب وتفصيل جملها وتفصيلها ، ومعرفة خواصّها ، وإعطائها لكلّ ذي حقّ حقّه ، فهو عين القيام بتكميل الحقوق الإلهيّة ، فله في تلك الحضرة تكميل القيام بحقوق كلّ تجلٍّ من التجلّيات الإلهيّة ، وبحقّ كلّ اسم وصفة من الأسماء والصفات الإلهيّة ، وهو في كلّ ذلك متّصف بالقيام بما يوجب عليه حكم وقته في تلك الحضرة . وإذا عرفت هذا ، فالغنيّ كامل الشكر بتكميل الحقوق الإلهيّة ، ثابت الصبر بزمّ النفس عن الإخلاد إلى أرض طبيعتها وجبلّتها مع شدّة ميلها لذلك وكمال هبوطها ، فهو في مقاساة زمّها في تعب شديد ، فهو صابر شاكر لأنّه في الميدان لم يكن قيامه في الغِنَى لحظّ نفسه وإنّما هو بالثبوت فيما أقامه الله فيه ، فبان لك أنّه صابر شاكر لكونه يشهد نفسه خليفة له فيما ولاّهُ عليه من الأموال بمنزلة الوكيل لربّ المال ، يعطي إذا أمره ربّ المال بالعطاء ، ويمسك إذا أمره ربّ المال بالإمساك . يشهد لهذا قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ . وأمّا الفقير فإنّه إذا اتّصفت نفسه بالاتّصال بالحضرة الإلهيّة وطالع عين الجمال القدسيّ ، فهو في فقره صابر شاكر أيضا ، وشُكْرُه تكميلُه للقيام بحقوق التجلّيات الإلهيّة جملة وتفصيلا ، وبحقوق ما انكشف له من الصفات والأسماء الإلهيّة ، فهو يعطي في جميع ذلك لكلّ ذي حقّ حقّه ، لا تطرأ عليه الغفلات ولا تدهشه معضلات التنزّلات ، إذ صار في ذلك كلّه قيامه لله بالله من الله عن الله ، ليس له عن الله اصطبار ولا مع غير الله قرار ، وبحسب تكميله لهذه الحقوق يصير كامل الشكر لربّه . وصَبْرُهُ هو زمّه لنفسه عن الغير لمقتضى طبعها وجبلّتها ، وعن هبوطها إلى أسفل سافلين بالميل إلى الراحات واللذّات والشهوات، والتمتع بمقتضيات الحظوظ بشدّة الهرب والبعد عن أضدادها من العذاب والنكال والتنغيص التي هي لوازم الفقر ، فهو أيضا صابر شاكر إذْ لم يكن قيامه في الفقر بنفسه ، وإنّما هو ثابت القيام فيما أقامه الله فيه . فظهر لك استواؤهما في هذا الميدان .
إلاّ أنّه ربّما تكون هناك بعض هناة لِلْغَنِيّ بملامحة التلذّذ بالراحة من الألم الذي يجده الفقير في نفقة الأهل والأولاد والأصحاب وغيرهم ، إلاّ أنّ هذا لازم للبشريّة دون الروح . وهناك أيضا هناة للفقير بوجود الألم والتنغيص والضيق والحرج في مقام بشريّته فقط لمطالبته بما لا قدرة عليه من نفقة الأهل والأولاد والأصحاب وغيرهم ، وبحسب هذه الهناة يكون صبرهما وشكرهما ويدخلهما الخلاف في التفضيل . وإذا انتقل الفقير إلى مقام التلذّذ بالفقر وابتهاجه بنعيمه فلا صبر له حينئذ ، إنّما هو شاكر في كلّ حال ، فهو بمنزلة الغنيّ الشاكر ، وهذا يُنَال بمحض الموهبة ، ليس للكسب إليه سبيل . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : الجهل بالله عين الكفر الصراح المجمع على خلود صاحبه في النار أبدا . والجهل بالله تعالى هو عين المعرفة بالله تعالى وصريح الإيمان المجمع على خلود صاحبه في الجنّة أبدا . فأمّا الجهل الذي هو عين الكفر ، فهو الجهل بمرتبة ألوهيّته بما تستحقّه من الكمالات واللوازم والمقتضيات ، وما تتنزّه عنه من وجوه المستحيلات ، فهذا هو عين الكفر بالله . وأمّا الجهل الثاني ، فهو الجهل بالحقيقة الذي هو كنه الذات من حيث ما هي هي ، فإنّ هذا الجهل هو صريح الإيمان وكمال المعرفة بالله ، إذْ حقيقة العجز عن درك المعرفة بالكنه هو حقيقة الإيمان بالله ، ومَن ادّعي معرفة الكنه فقد كفر . إنتهى من إملائه رضي الله عنه وأرضاه .
ومن كلامه رضي الله عنه في إيضاح وحدة الوجود وبيانها على مذهب القوم رضي الله عنهم ، وإبطال ما قال أهل الظاهر من إحالة الوحدة وبطلان ما ألزموه لمن قال بها ، قال رضي الله عنه : بيانها من وجهيْن .
الوجه الأوّل : أنّ العالَم الكبير كَذَاتِ الإنسان في التمثيل ، فإنّك إذا نظرت إليها وجدتَها متّحدة مع اختلاف ما تركّبتْ منه في الصورة والخاصّية مِن شَعْر وجلد ولحم وعظم وعصب ومخّ ، وكذلك اختلاف جوارحه وطبائعه التي ركّبت فيه وبها قيام بنيانه ، فإذا فهمت هذا ظهر لك بطلان ما ألزموه من نفي الوحدة لاستلزام تساوي الشريف والوضيع ، واجتماع المتنافييْن والضدّيْن إلى آخر ما قالوه ، قلنا : لا يلزم ما ذكره هنا لأنّه وإن كان الخواصّ متباعدة فالأصل الجامع لها ذاتٌ واحدةٌ كذات الإنسان سواء بسواء .
الوجه الثاني : اتّحاد ذات العالم في كونه مخلوقا كلّه للخالق الواحد سبحانه وتعالى ، وأثرا لأسمائه ، فلا يخرج فرد من أفراد العالم عن هذا الحكم وإنْ اختلفتْ أنواعه ، فالأصل الذي برز منه واحد ، فبهذا النظر هو متساو فيلزم اتّحاده وإن اختلفت أجزاؤه كما ذكر في ذات الإنسان ، وإنّما تختلف نِسَبُه بحسب ما فصّلته مشيئة الحقّ فيه من بين شريف ووضيع ، وعال وسافل ، وذليل وعزيز ، وعظيم الشأن وحقيره ، إلى آخر النِّسَبِ فيه ، ولم تخرجه تفرقة النسب عن وحدة ذاته ، كما أنّ ذات الإنسان واحدة ، ووحدتها لا تنافي اختلاف نِسَب أجزائها واختصاص كلّ جزء بخاصيّته ، فإنّ خاصيّة اليد غير خاصيّة الرجل ، وخاصّيتها غير خاصّية العين ، وهكذا سائر الخواصّ والأعضاء والأجزاء ، وأنّ ارتفاع وجهه في غاية الشرف ، وانخفاض محلّه في غاية الضعة والإهانة ، لم يخرجه عن كون ذاته واحدة مع اختلاف الخواصّ ، مثل ما قلنا في ذات الإنسان .
ثمّ قال رضي الله عنه : وزيد وجه ثالث في إيضاحه ، وهو اتّحاد وجوده من حيث فيضان الوجود عليه من حضرة الحقّ فيضا متّحدا ، ثمّ تختلف خواصّه وأجزاؤه بحسب ما تفصّل ذلك الوجود . فإنّه يتّحد في عين الجملة ويفترق في حال التفصيل ، مثاله في الشاهد مثال المِدَاد ، فإنّ الحروف المتفرّقة في المداد ، والكلمات المتنوّعة ، والمعاني المختلفة التي دلّت عليه صورة المداد لم تخرجه عن وحدة مداديّته ، فإنّه ما ثَمَّ إلاّ المداد تصوّر في أشكاله الدالّة على المعاني المختلفة ، والحروف المتفرّقة ، والخواصّ المتنوّعة غير المؤتلفة ولا المتماثلة . فإنّك إذا نظرتَ إلى عين تلك الصور التي اختلفتْ حروفُها وكلماتُها لم تر إلاّ المداد تجلّى في أشكالها بما هو عين المداد ، فتتّحد بالمداديّة وتختلف بالصور والأشكال والكلمات والمعاني . فكما أنّ المداد في تلك الحروف عين تلك الحروف ، والحروف في ذلك المداد عين تلك المداد ، وهي مختلفة الأشكال والأسرار والخواصّ والمعاني إلى غير ذلك ، كذلك نهاية الوجود في ذوات الوجود عين تلك الذوات ، وتلك الذوات في ذلك الوجود عين ذلك الوجود ، وهي أيضا مختلفة الأشكال والأسرار والخواصّ ، فوحدتها في عين ذلك الوجود لم تخرجها عن اختلاف أشكالها وأسرارها ومعانيها وخواصّها ، ولا افتراقها بتلك الأسرار والخواصّ والمعاني يخرجها عن وحدتها بذلك الوجود ، مثل ما في الحروف والمداد ، كما أنّ وحدة المداد لم تخرجها عن اختلاف أشكالها وأسرارها ومعانيها وخواصّها ، ولا افتراقها في هذه الأمور يخرجها عن اتّحادها في ذلك المداد .
ثمّ قال قدّس الله سرّه العزيز : وقد اتّضح الحقّ لمن فَهِمَ ، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل . إنتهى من إملائه على محبّنا سيّدي محمّد بن المشري رضي الله عنه .
وسمعته رضي الله عنه يقول : الدليل على أنّ سيّدنا الخضر من الأفراد وليس نبيّا على القطع ما حكاه الله في القرآن في قصّته مع سيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكُرًا ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . لو كان نبيّا ما أنكر عليه سيّدنا موسى فِعْلَهُ لأنّ سيّدنا موسى عليه السلام يعلم عصمة النبوّة وأنّ صاحبها لا يتقدّم إلى فعل شيء إلاّ بأمر إلهيّ ، ويكون الأمر في تينك القضيّتين الأوليّين في القرآن ، وهما خرْق السفينة وقتْل الغلام ، فإنّهما من أعظم الأمور المستقبحة شرعا وطبعا ، فإنّ العقلاء اتّفقت على قبح ذينك الفعليْن ، والأمور الإلهيّة أطبقت كلّها على تحريمها لأنّهما من أعظم الفساد في الأرض ، فلو علم أنّه نبيّ لعلم أنّه لا يُقدِم عليهما إلاّ بأمر إلهيّ لا يمكن تركهما ، وحيث أنكر عليه فدلّ ذلك على أنّه ليس بنبيّ . وأيضا في الاستدلال على عدم نبوّته ، وهو أكبر من الأوّل ، إذ لو كان الخضر نبيّا لأعلم الله موسى بنبوّته لأجل أن لا ينكر عليه لأنّ الإنكار على صاحب النبوّة تضليل له ، والمضلّل للنبيّ كافر ، وسيّدنا موسى عليه الصلاة والسلام معصوم ، فما تجرّأ عليه بقوله لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكُرًا إلاّ لعلمه أنّه ليس بنبيّ . فاتّضح لك الأمر والحمد لله .إنتهى من إملائه رضي الله عنه .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال : قاعدة : إعلم أنّ الله سبحانه وتعالى جعل في سابق علمه ونفوذ مشيئته أنّ المدد الواصل إلى خلقه من فيض رحمته هو في كلّ عصر يجرى مع الخاصّة العليا من خلقه من النبيّين والصدّيقين . فمن فزع إلى أهل عصره الأحياء مِن ذوي الخاصّة العليا وصحبهم، واقتدى بهم واستمدّ منهم فاز بنيل المدد الفائض من الله ، ومَن أعرض عن أهل عصره ، مستغنيا بكلام من تقدّمه من الأولياء الأموات ، طُبِعَ عليه بطابع الحرمان ، وكان مثله كمن أعرض عن نبيّ زمانه وتشريعه ، مستغنيا بشرائع النبيّين الذين خلوا قبله ، فيسجّل عليه بطابع الكفر ، والسلام .
ثمّ قال رضي الله عنه : والدليل على أنّ الصحبة لا تكون إلاّ للحيّ قولُه صلّى الله عليه وسلّم لأبي جحيفة رضي الله عنه : « سَلِ العلماء وخالط الحكماء واصحب الكبراء » . فالعالم دلالته على الأمر العامّ أمرا أو نهيا بما يوجب المدح عند الله وسقوط اللائمة على العبد ، ونهايته الجنّة . والحكيم دلالته على التقرّب إلى الله تعالى بالطهارة من أهوية النفوس ومتابعة الهوى ، ونهايته منازل القربة . والكبير دلالته على الله من حيث محو النفس والبراءة من التدبير لها بكلّ ما يجلب المصلحة لها دنيا وأخرى ، وبكلّ ما يدفع المضرّة عنها دنيا وأخرى ، ونهايته الله .
ثمّ قال : يؤخذ من هذا أنّ الصحبة لا تكون إلاّ للحيّ ، إذِ الميّت لا يصحب ولا يكلّم ولا يخالط . إنتهى .
ثمّ قال رضي الله عنه : إنّ لنا مرتبة عند الله تناهت في العلوّ عند الله تعالى إلى حدّ يحرم ذكره ، ليس هي ما أفشيته لكم ، ولو صرّحتُ بها لأجمع أهل الحقّ والعرفان على كفري فضلا عمّا عداهم ، وليست هي التي ذكرت لكم ، بل هي من ورائها . ومِنْ خاصيّة تلك المرتبة أنّ مَنْ لم يحافظ على تغيير قلبي من أصحابنا بعدم حِفْظِ حُرمة أصحابنا طرده الله من قربه وسلبَه ما منحه . إنتهى من إملائه رضي الله عنه .
وممّا أملاه علينا رضي الله عنه من حفظه ولفظه في مجلس واحد ، ونصّه ، قال : جواهر القلب سبعة ، والقلب فيه سبعة خزائن ، كلّ خزانة محلّ لجوهرة من الجواهر السبعة . فالجوهرة الأولى جوهرة الذكر ، والجوهرة الثانية جوهرة الشوق ، والجوهرة الثالثة جوهرة المحبّة لله والعشق ، والجوهرة الرابعة جوهرة السرّ وهو غيب من غيوب الله تعالى لا تدرك ماهيّته ولا تعرف ، والجوهرة الخامسة جوهرة الروح ، والجوهرة السادسة جوهرة المعرفة ، والجوهرة السابعة جوهرة الفقر .
الجوهرة الأولى جوهرة الذكر ، إذا انفتحت في قلب العبد يكون أبدا منفردا عن وجوده ، غائبا عن شهوده ، ويسمّى عند السالكين ذهولا عن الأكوان ، وطمأنينة القلب بذكر الله . الجوهرة الثانية جوهرة الشوق إلى الله ، وهو أن يكون العبد أبدا في الشوق أو الاشتياق إلى الله ، يطلب الموت في كلّ نفَس لأنّ حرارة الاشتياق مشتعلة فيه . الجوهرة الثالثة جوهرة المحبّة ، فإذا انفتحت في القلب يكون العبد أبدا راضيا عن الله وراضيا بحكمه بلذّة ، وإيثار لذلك الرضا على كلّ ما عداه ، لو وقع به في الوقت أعظم الهلاك لكان أحبّ اليه من جميع الشهوات . الجوهرة الرابعة جوهرة السرّ ، وهو غيب من غيوب الله لا تعرف ما هيّته ولا تدرك ، وحكمه أنْ يكون العبد في كلّ حال لا يتحرّك إلاّ لله ولا يسكن إلاّ لله ، ولا يقع فيه شيء من مخالفة الشرع أصلا لكمال طهارته . الجوهرة الخامسة جوهرة الروح ، وهو أن يكاشف بحقيقتها وماهيتها كشفا حقيقيّا حسّيّا حيث لا يخفى عليه من جملها وتفصيلها شاذّ ولا فاذّ ، وهي حضرة ورود الاصطلام سُكْرا وصحوا ومحقا . الجوهرة السادسة جوهرة المعرفة ، وهي تمكين العبد من الفصل بين حقيقة الربوبيّة والعبوديّة ، ومعرفة كلّ حقيقة بجميع أحكامها ومقتضياتها ولوازمها ، وهي حضرة البقاء والصحو . الجوهرة السابعة ، وهي جوهرة الفقر لله تعالى ، إذا انفتحت في العبد يشهد افتقاره إلى الله تعالى واضطراره إليه في كلّ نفَس من أنفاسه ، فلا يزعجه عن هذا التمكين ورد كلّ خطب من أضداد فقره . ومَنْ تمكّن من هذه الجوهرة صار أغنى الخلق بالله عن كلّ شيء ، بحيث أن لا يبالي بجميع الخلق أحبّوه أم أبغضوه أم أقبلوا عليه أو أدبروا عنه لكمال غناه بالله تعالى . فمن تمكّن من هذه الجوهرة أمِنَ من السلب في حضرة الحقّ سبحانه وتعالى . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه ، وهذا نهاية السالكين . إنتهى .
وسألته رضي الله عنه عن حقيقة الذِكْرِ .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : حقيقة الذكر أدنى مراتبه أن ينسى ما دونه ، وأعلاه هي أعلى مراتب الاصطلام ، وأعلى مراتب الاصطلام أن يشهد نفسه عين ذلك الوجود ، وهو المعبّر عنه بالسحق والمحق ، وحقيقة الاصطلام أوّله ذهول عن الأكوان ، وهو المعبّر عنه بالسُّكْر ، ووسطه فناء عن الأكوان مع علمه بفنائه ، وأعلاه فناء عن الأكوان وفناءه عن فنائه ، والمرتبة العليا منه أن يشهد نفسه عين ذلك الوجود ، وهو المعبّر عنه بالسحق والمحق . وحقيقة السحق والمحق عبارتان مترادفتان هما فناء العبد بالكلّيّة . قال ابن الفارض رضي الله عنه :
ومنذ عفا رسمي وهمت وهمت في     وجودي فلم تعثر بكوني حقيقتي
وقال غيره :
حيّرتني في أمري مذ غبت عنّي حتّى     خاطبتني في سرّي من أنت قلت أنت
إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وممّا أملاه علينا رضي الله عنه في محبّة الخلق لله سبحانه وتعالى ، قال رضي الله عنه : محبّة الخلق لله سبحانه وتعالى على أربعة أقسام : القسم الأوّل محبّتهم للثواب ، والقسم الثاني محبّتهم لآلائه ونعمائه ، والقسم الثالث محبّتهم لما هو عليه من الكمال والجمال ، والقسم الرابع محبّتهم للذّات العليّة . أمّا محبّتهم للثواب فمعلومة ، وكذلك محبّتهم لآلائه ونعمائه ، وهاتان المحبّتان لعامّة المؤمنين منهما حظّ ونصيب ، ولكن قد تزول هاتان المحبّتان بزوال سببهما . وأمّا القسم الثالث مسبّبها ثابت ثابت ، وهو ما عليه ربّنا من أوصاف الكمال والعظمة والجمال ، وهذه لِصغار الأولياء ، ولكن لا تلحق المرتبة الرابعة ، لأنّ المرتبة الرابعة مجرّدة عن الأسباب والعلل والأوصاف ، وهذه لا تكون إلاّ لمن فتح عليه ورفع عنه الحجاب وشاهد أسرار الأسماء والصفات والمواهب والحقائق والكمالات . قال رضي الله عنه : وفي الحديث دليل المرتبة الأولى والثانية ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « أحبّوا الله لما يغذيكم به من نعمه وأحبّوني لحبّ الله وأحبّوا أهل بيتي لحبّي » ، وقالت رابعة العدوية رضي الله عنها :
أحبّك حُبَّيْن حبّ الهوى     وحبّ لأنّك أهلٌ لذاكا
إشارة للمرتبة الثالثة والرابعة .
ثمّ قال رضي الله تعالى عنه : والمحبّة الصادقة هي التي تورث الغيرة لصاحبها . قيل للشبلي رضي الله عنه : متى تستريح ؟ قال : إذا لم أر له ذاكرا غيري . وقال أبو زيد رضي الله عنه : لصاحبه حين قال له : وهل سألته المعرفة به ؟ قال له : أسكتْ غِرت عليه من أن يعرفه غيري . وقال ابن الفارض رضي الله عنه في هذا المعنى :
فدع عنك دعوى الحبّ وادع لغيـره     فـؤادك وادفـع عنك غيّك  بالتـي
وجانب جناب الوصل هيهات لم  يكن     وها  أنت حيّ إن تكن صادقا مـتّ
هو الحبّ إن لم تقض لم تقض مأربا     من الحبّ فاختر ذاك أو خلّ خلّتـي
فقلت  لها روحـي  لديك وقبضـها     إليـك فمن لي أن تكون  بقبضتـي
و قال قبل هذا الموضع :
فقالـت هوى غيري قصدت ودونـه     اقتصـد عميا عن سواء محجبتـي
وغـرّك حتّى قلـت ما قلت لابسـا     بـه شين ميـن ليس نفس تمنّـت
وفي أنفس الأطوار أمسيت طامعـا     بنفـس تعـدّت طـورهـا فتعـدّت
فكيـف  بحبّي وهـو أحسن خلّـة     تفـوز بدعـوى وهـو أقبح خلّـة
وأين السهى... الخ وقال قبل هذا :
وعن مذهبي في الحبّ ما لي  مذهب     وإن مِلْتُ يوما عنه فارقت ملّتـي
ولـو خطرت لي في سـواك  إرادة     على خاطري سهوا قضيت بِرِدَّتِي
وقال في الكافية :
كـلّ مَن في حمـاك يهواك لكـن     أنـا وحدي بكلّ مَـن فـي حمـاك
ومن كلامه رضي الله عنه قال : التوحيد الخاصّ ، قال الجنيد : علْم التوحيد مباين لوجوده ، ووجوده مفارق لعلمه ، فإذا تناهت عقول العقلاء في التوحيد تناهت إلى الحيرة . قال جعفر الصادق رضي الله عنه : من عرف الفصل والوصل والحركة والسكون بلغ القرار في التوحيد . إنتهى .
ووجدتُ مقيّدا ما نصّه بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، هذا توحيد العارفين رضي الله عنهم ، يقول لهم الحقّ مخاطبا لهم : يا عبادي فيما ذا وحدتموني ؟ وبماذا وحدتموني ؟ وما الذي اقتضى لكم توحيدي ؟ فإنْ كنتم وحدتموني في المظاهر فأنتم القائلون بالحلول ، والقائل بالحلول غير موحّد لأنّه أثبت أمْرَيْن : حالا ومحلاّ . وإنْ كنتم وحدتموني في الذات دون الصفات والأفعال فما وحدتموني ، فإنّ العقول والأفكار لا تبلغ إليها والخبر من عندي ، فما جاءكم بها ؟ وإن كنتم وحدتموني في مرتبة الألوهيّة بما تحمله من الصفات الفعليّة والذاتيّة من كونها عين وحدة مختلفة النسب والإضافات والأحكام واللوازم والمقتضيات وسائر أحكام مرتبة الألوهيّة فما وحدتموني ، هل بعقولكم أم بي ؟ وكيف ما كان فما وحدتموني لأنّ وحدانيتي ما هي بتوحيد موحّد ، لا بعقولكم ولا بي ، فإنَّ توحيدكم إليّ بي هو توحيدي لا توحيدكم وبعقولكم ، كيف يحكم عليّ بأمْرِ مَنْ خلقتُه ونصّبتُه . وبعد أن ادّعيْتم توحيدي بأيّ وجه كان ، وفي أيّ وجه كان ، فما الذي اقتضى لكم توحيدي ؟ إن كان اقتضاه وجودكم فأنتم تحت حكم ما اقتضاه منكم ، فقد خرجتم عنّي فأين التوحيد ؟ وإن كان اقتضاه أمري ، فأمري ما هو غيري ، فعلى يدي من وصلكم إن رأيتموه منّي فمن الذي رآه منكم ؟ وإن لم تروه منّي فأين التوحيد ؟ يا أيّها الموحّدون كيف يصحّ لكم هذا المقام وأنتم المظاهر لعيني وأنا الظاهر والظاهر يناقض الهويّة ؟ فأين التوحيد ؟ لا توحيد المعلومات ، فإنّ المعلومات أنا وأعيانكم والنسب والمحالات ، فلا توحيد في المعلومات . فإنْ قلتَ في الوجود فلا توحيد ، فإنّ الوجود عين كلّ موجود ، واختلاف المظاهر يدلّ على اختلاف وجود الظاهر ، فنسبة عالم ما هي نسبة جاهل ولا نسبة متعلّم ، فأين التوحيد ؟ وما ثَمَّ إلاّ المعلومات أو الموجودات . فإن قلت لا معلوم ولا مجهول ولا موجود ولا معدوم ، هو عين التوحيد ، قلنا بنفس ما علمت أنّ في تقسيم المعلومات من يقبل هذا الوصف ، فقد دخل تحت قسم المعلومات ، فأين التوحيد ؟ فيا أيّها الموحّدون استدركوا الغلط فما ثَمَّ إلاّ الله ، والكثرة في ثمّ وما هم سواه ، فأين التوحيد ؟ فإن قلتم التوحيد المطلوب في عين الكثرة ، قلنا ذلك توحيد الجميع ، فأين التوحيد ؟ فإنّ التوحيد لا يضاف ولا يضاف إليه . استعدّوا أيّها الموحّدون للجواب عن هذا الكلام إذا وقع السؤال . فإن كان أهل الشرك لا يغفر لهم فبحقيقة ما نالوا ذلك ، لأنّه لو غفر لهم ما قالوا بالشريك ، فشاهدوا الأمر على ما هو عليه . فإن قلت فمن أين جاءهم الشقاء وهم بهذه المثابة وإنّ عدم المغفرة في حقّهم ثناء عليهم ؟ قلنا: لأنّهم عيّنوا الشريك فأشقاهم توحيد التعيين ، فلو لم يعيّنوا لسعدوا ، ولكنهم أرجى من الموحّدين لدرجة العلم . جعلنا الله ممّن وحّده بتوحيد نفسه جلّ علاه . إنتهى .
فسألت سيّدنا رضي الله عنه عن هذا التوحيد .
فأجاب سيّدنا رضي الله عنه : عن التوحيد ، وهو توحيده لنفسه بنفسه عن نفسه ، وهذا التوحيد لا سبيل إليه إلاّ بالفناء . قال الجريري رضي الله عنه : " كلّ إشارة أشار بها الخلق إلى الحقّ فهي مردودة عليهم حتّى يشيروا إلى الحقّ بالحقّ " ، أراد بهذا الذي ذكرناه ، هو عروّ النِسَب حيث تنطمس النِسَب في الذات . ثمّ قال : " ولا سبيل لهم إلى ذلك " ، لأنّ الذي أدرك هذا في كمال الفناء، انمحقت الإشارة والمشير ، فليس إلاّ هو بنفسه في نفسه لنفسه عن نفسه ، فلا إشارة ولا مشير ، ولذا قال : " لا سبيل لهم إلى ذلك " . وإنّما وحّده الموحّدون في مرتبة الألوهيّة لينالوا بذلك سعادتهم وقيامهم بتكليفهم ، فَهُمْ في ذلك لأنفسهم لا له لأنّ الذي له خارج عن نفسه وطورها لا شعور له بها فضلا عن غيرها ، لم يكن إلاّ هو وحده . قال الشبلي : حين دخل عليه الرجل ، قال له : " ما تريد ؟ قال له : أسألُ عن الشبلي ، قال له : " مات لا رحمه الله " . وأمّا مرتبة الأحديّة فلا توحيد فيها لأنّها إن تجلّت ، فإنْ كان الرائي مشعرا بها فلا أحدية إذْ هما اثنان ، وغيرة الحقّ تأبى عن هذا ، فليست هي الأحدية ، وإذا انمحق تحتها وذهب شعوره بنفسه وبفنائه ، فلا مشاهدة حينئذ ، إنّما هو الحقّ بنفسه في نفسه لنفسه عن نفسه . فأين الغير حتّى تتجلّى له الأحدية ؟ ولذا أجمع العارفون كلّهم على أنّ التجلّي بالأحدية غير ممكن ، كذلك الذات التجلّي بها غير ممكن ، يعني الذات المطلقة الساذجة العارية عن النسب والإضافات ، إلاّ الفرد الجامع فإنّه تتجلّى له لأنّه هو الحجاب بينها وبني الوجود ، والوجود كلّه عائش في ظلّه ، ولو زالت ظلّيّته لانمحق الوجود كلّه في أسرع من طرفة العين . فللفرد الجامع وجهتان : وجهة إلى الذات المقدّسة ، فهي متلاشية فيها يتلقّى تجلّيها بما هي عليه من العزّ والعظمة والكبرياء والجلال والعلوّ ، ولا قدرة لأحد في الوجود على هذا إلاّ هو . وله وجهة إلى الوجود يفيض على الوجود ما اقتضته مرتبة الألوهيّة ، فهو البرزخ الجامع بين الله وبين خلقه ، وهذا الأمر لا يُعرَف بالقال ، وإنّما يعرف بالذوق والحال . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله تعالى عنه . وأنشدني سيدنا هنا بيتا وهو :
وإذا صفـا لك من زمانـك واحـد     فهـو المـراد وأيـن ذاك الواحـد
قال رضي الله عنه : هذا البيت له معنيان . المعنى الأوّل ، وهو الشاهد هنا ، يعني إذا صفا لك الواحد من زمانك فالمراد هو الإله الحقّ ، وصفاؤه هو محق الغير والغيريّة ، لا أين ولا كيف ولا نسبة ولا توهّم ولا رسم ولا اتّصال ولا انفصال إلاّ هو فيه منه عنه له به ، فهذا هو المراد الذي توجّهتِ الهمم كلّها إليه ، وأين ذاك الواحد الذي صفا له الواحد بالصفاء المذكور ؟ " وأين ذاك الواحد " دليل على غاية بُعدِه . والمعنى الثاني ، إذا صفا لك من زمانك واحد ، يعني صاحبٌ ، وهو الواحد يوفّي بجميع أغراضك دفعا وجلبا حتّى لا يقصر عنك في شيء ، فهذا الواحد هو المراد ، وأين ذاك الواحد الذي هذا وصفه ؟ والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وحقيقة التجلّي هو الظهور ، والتجلّي بالأسماء الإلهيّة يكون لكلّ عارف على قدر مرتبته ، والفرد الجامع هو المحيط بجميع ذلك . والعارف يرى في نفسه أن ليس ثَمّ غيره يتجلّى بتلك الأسماء والصفات إلاّ هو ، وهكذا لكلّ عارف ، لكنّه يعلم أنّ ذلك من إفاضة القطب عليه ، إذْ لو أراد القطب إمساكه لأمسكه عنه . وكلّ عارف على قدر مرتبته في هذا الميدان إلاّ القطب الجامع فإنّه محيط بجميع المراتب أيّاً كان حتّى مراتب الملائكة ، وله وراء ذلك من التجلّي بالأسماء والصفات التي يطلبها الكون بقدر ما شاء الله ، لا نهاية لله في أسمائه وصفاته . وكلّ عارف يرى الوجود داخلا تحت مشيئته ، موجودا بقدرته ، حيّا بحياته ، كلٌّ على قدر مرتبته إلاّ الفرد الجامع ، فله جميع المراتب ، وله الاستيلاء على جميع المراتب ، وله الذوق في جميع المراتب ، وله الإحاطة الشاملة في جميع المراتب ، وله المنع والعطاء في جميع المراتب . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال : الأسماء القائمة التي يطلبها الكون ، وهي التي لا وجود للكون بدونها ، وهي التي تعثر عليها العارفون ، هي الأسماء العاليات التي مَن عرَفَها علم منها لما وجدت تلك الذات ، وما مراد الله منها ، وما عاقبة أمرها من خير أو شرّ واستقرارها في الدار الآخرة . فتعلم من هذا أنّ كلّ ذرّة من الكون لها اسم ، وهكذا أجزاء الكون كلّه ذرّة ذرّة .
ثمّ قال سيّدنا رضي الله عنه : إذا أراد الكبير أن يتوجّه إلى كون من الأكوان ، فيتوجّه إلى الله باسمه الخاصّ به فيأتيه كرها ، وكذلك عسكرة الأسماء ، وهي خارجة عن أسماء الكون ، وهي في التوجّه للكبير مثل أسماء الكون سواء ، وهذا من المكتوم الذي لا ينبغي أن يذكر للعامّة . إنتهى كلامه رضي الله عنه .
وقال الشيخ رضي الله عنه : إنّ جميع أسماء الكائنات ليست بحادثة ، أيّ معانيها لا حروفها وأصواتها ، لأنّ الله تبارك وتعالى تكلّم بها في أزله ، فحيث كانت من كلامه فهي قديمة . ولم يُسبَق رضي الله عنه إلى هذه المعاني ، والسلام .
ومن كلامه رضي الله عنه : أنّ لله سبحانه وتعالى أحكاما من القدر في خلقه ممّا هو مخالف لصورة الشرع ترد على تلك الأحكام أحكام من المقابلات تسمّى بلسان الحكمة عقوبات وجزاء ولا بدّ منها ومن ورودها ، فتارة يصرف الحقّ سبحانه وتعالى تلك العقوبات الواردة على تلك الذنوب، بوجه من جوه الصرف ، وهي كثيرة ، كسبق صدقة ، أو صلة رحم ، أو إغاثة ملهوف ، أو شفاعة وليّ ، أو غير ذلك من الوجوه . وتارة ترد العقوبات بلا صارف فتتلقّاها ذوات أهل التصرّف فتقع في ذواتهم ، وتارة ترد على ذوات أهل التصرّف فتقع على أصحابها ، ومن تعرّض من الأولياء لدفع ذلك عنهم طلبا لراحتهم سلّطه الله عليه ، فإنّها لا تخرج مجانا . إنتهى ما أملاه رضي الله عنه .
وممّا أملاه علينا رضي الله عنه ، قال : لله تصريف في بعض خلقه يجعل الدنيا في أيديهم . فمَن حفظها منهم مع المحافظة على أمر الله تعالى فيها من غير تضييع حفظها الله في يده وصانه بها وجعلها له بركة ، ومن ضيّعها من يده تهاونا بها ضيّعه الله تعالى وأحوجه إليها ، ولم يجدها في يده . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال : معنى أنّ كلّ وليّ قدمه على قدم نبيّ أيّ يذوق ذوق ذلك النبيّ ويتوجّه توجّه ذلك النبيّ من غير إحاطة بما كان عليه ذلك النبيّ ، بل يحصل له قسط ونصيب ممّا كان عليه ذلك النبيّ . إنتهى .
وسمعته رضي الله عنه يقول : اختلاف علماء هذه الأمّة كلّ واحد منهم مسلوك به طريقة من طرق الرسل ، أعني العلماء المجتهدين بالحقّ ، فإذا عرفت هذا فلا يصحّ إنكار بعضهم على بعض لكون الذي عندهم كلّه حقّ وصواب ، فلا يعترض عليهم إلاّ جاهل ، والسلام . أهـ من إملائه رضي الله عنه .


<< الصفحة الرابعة     الصفحة السادسة >>

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس