في إشاراته العلويّة وحلّ مشكلاتها بعبارات وهبيّة ـ الصفحة السابعة .
وسألته رضي الله عنه عن الفرق بين العلوم والأسرار والأنوار والفتوحات والمواهب والفيوضات والحقائق والدقائق والتجلّيات والمشاهدات والمكاشفات والمعارف والحضرات، والمقامات والمنازل والأنوار والواردات والأحوال .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه ، فقال :
إعلم أنّ بيان هذه الأمور الفتح ، وحقيقة الفتح هو ما بزغ عن الغيب عن زوال حجاب بعد احتجابه ، فهو شامل لجميع الحقائق المذكورة من العلوم وغيرها ، كلّ ما كان محجوبا عنه وانفتح له فيه فهو فتْحٌ . وأيضا فإنّ الفتح عبارة عن زوال الحجاب ، وما بزغ بعده من حقائق المعاني المذكورة يُسمَّى فيضا لأنّه فاض بعد حبسه . وأيضا فإنّ الفيض شامل للعلوم والأسرار والحقائق والمعارف والأنوار . وأمّا السرّ منه فهو ما يقذفه الله في قلب العبد من الفهوم ، ومنها ما يعرّف العبد بما يريده الله في تصاريف الأكوان ، لماذا وُجِد هذا الكون جوهرا أوعرضا ؟ وما يراد منه ؟ وما ينشأ عنه ؟ ومن أيّ حضرة هو ؟ ومن الأسرار فيوض الحكم ودقائقها ، ومن الأسرار ما يريح العبد عن كليّته ويخرجه عن دائرة حسّه ويغرقه في بحر حضرة الألوهيّة بحيث أن لا شعور له فيما عداها عن نفسه وغيرها ، فيسمع هناك ويشهد ما لا طاقة للعقول بفهم مباديه فضلا عن درك غايته ، وبذلك السرّ الذي أغرقه يدرك مباديه وغايته شهودا وسمعا وإدراكا وذوقا ، وهذا من أعزّ الأسرار التي تفاض على العبد . ومن الاسرار ما لا يمكن تصوّره ولا توهّمه فضلا عن أن تصل إليه العبارة وتحيط به دائرة الإشارة لعزّة سطوته وجلاله وما ينطوي عليه من فوائده وكماله ، ولا حدّ للأسرار ، لا يعرفها إلاّ من ذاقها ، وفيه كفاية .
والمعرفة ارتفاع الحجب عن غيوب حقائق الصفات والأسماء ، فإنّ المعرفة مع الفتح ملازمان متغايران ، فإنّ حقيقة الفتح هو ارتفاع الحجب الحائلة بين العبد وبين مطالعة حقائق الصفات والأسماء ومحق صور الأكوان من علم العبد وحسّه وإدراكه وفهمه وتعقّله حتّى لا يبقى للغير والغيريّة وجود ، إلاّ وجود الحقّ بالحقّ للحقّ في الحقّ عن الحقّ . فإذا وقع هذا برزت المعرفة العيانيّة بالضرورة ، وفاض على العبد بحر اليقين الكلّيّ ، لكن مع الصحو والبقاء ، وأمّا ما كان قبل هذا من مشاهدة غيوب الأكوان وظهورها للعبد فإنّه يُسمَّى كشفا ولا يُسمَّى فتحا ولا معرفة . وأمّا الوارد فهو عبارة عن بروز ما يأتي من عند الله من حضرة الحقّ إلى العبد بصورة قهريّة أو بصورة جماليّة ، وهو يشمل جميع العلوم والمعارف والأسرار والأحوال واليقين والأنوار .
وأمّا الحال فهو عبارة عن أمر يَرِدُ من حضرة الحقّ بصورة قهريّة أو جماليّة ، يكيّف العبد بصورة ما هو منطبق عليه ، ومثاله في الرجل الذي ضُرِب مائة سوط ماسّة لجلده فما تحرّك ولا أنَّ ولا تغيَّر له وجْهٌ ، فلمّا أطلِق وضُرِب سوطا واحدا صاح . فكان في الأوّل ورَدَ عليه حال من مشاهدة الحقّ منطبق على كمال المحبّة في ذات الحقّ وكمال التعظيم والإجلال لها ، فسرى في كلّيّته ذلك الحال فأزال إحساسه بالألم لِمَا غلب عليه من التلذّذ بالشهود فما أحسّ بثقل الضرب وألمه ، فلمّا طُوِيَ عليه بساط الحال وحُجِب عن الشهود ضُرِبَ سوطا واحدا فصاح من فَقْدِ ذلك الحال .
وأمّا الأنوار فحقيقتها معلومة وهو الضياء . وأمّا الرقائق والدقائق واللطائف فهي عبارة عمّا يغمض من حقائق العلوم والمعارف والأسرار . وأمّا الحضرات والمنازل والمشاهدات والمواقف فقد تقدّمت الإشارة إليها في مواضع من الكتاب ، وبالله التوفيق . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
ثمّ قال رضي الله عنه :
العلم الرياضيّ يحتاج إلى أمور ، أوّلها معرفة تعديل المزاج ، ثمّ معرفة غاية القصد ، ثمّ معرفة كيفيّة السعي إليه ، ثمّ معرفة الحجاب القاطع عنه ، ثمّ معرفة كيفيّة زواله ليصل غاية المقصد ، ثمّ معرفة أصول الحجاب التي منها مواده ، ثمّ الجدّ في قطع تلك الأصول ، ثمّ معرفة الأمور التي بها زوال الحجاب إمّا كلّيّة أو تفصيليّة ، ثمّ سَلّ سيف العزم وركوب جواد المجاهدة بمتابعة ما عرف من هذه الأمور والعمل على مقتضاها . أمّا معرفة تعديل المزاج فهو لزوم طريق الاعتدال في الأكل والشرب من غير إفراط ولا تفريط ، ثمّ النظر في الوقت والبلد حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة ، وكذلك السنّ ، ثمّ مقابلة كلّ بما يقوّيه عن الإنحراف .
وأمّا غاية المقصد فهو رفع الحجاب عن الروح الربّانيّ ورَدِّه إلى حالة الصفاء التي كان عليها قبل التركيب في الجسد ، فإنّ هذا هو الذي يكون به إدراك سائر العلوم والمعارف والأحوال والأخلاق والمقامات والفتوحات والمواهب والقرب الحقيقيّ ، وبه إدراك سعادة الدنيا والآخرة ، ومَن فقَدَه لم يصل إلى سعادة الآخرة .
وأمّا معرفة كيفيّة السعي إليه فهو متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم في سائر قوله وفعله وحاله و خلقه بإقامة حقوق الله عزّ وجلّ سرّا وإعلانا مخلصا لله من جميع الشوائب الدنيويّة والأخرويّة ، وأن يكون ذلك كلّه تعظيما وإجلالا لله تعالى على بساط الرضى والتسليم والتفويض ، والإعتماد عليه تعالى في كلّ شيء ، والرجوع إليه في كلّ شيء .
وأمّا معرفة الحجاب القاطع عن المطلوب فهو غرق الروح في بحر الحظوظ والشهوات ، وتعظيم نفسها ، والسعي في جلب مصالحها ودفع مضارّها . وأمّا معرفة كيفيّة زوال هذا الحجاب فهو السعي في قطع الحظوظ والشهوات ، وترْك تعظيم النفس ، وقطع السعي في جلب مصالحها ، وقطع مضارّها بالزهد فيها بالكلّيّة لكن برفق ولطف . وأمّا معرفة أصول الحجاب فهي كثرة الآكل والشرب ، وملاقاة الخلق ، وكثرة الكلام ، وكثرة المنام ، ودوام الغفلة عن ذكر الله .
وأمّا الجدّ في قطع تلك الأصول فهي الجوع والعطش بالرفق ، ودوام الإنقطاع عن ملاقاة الخلق ، ودوام الصمت إلاّ مطلقا فيما قَلَّ من ضرورياته ، ودوام السهر بالرفق ، ومداومة ذكر الله بالقلب واللسان ، وقطع الفكر في المحسوسات . وأمّا معرفة الأمور التي بها زوال الحجاب كلّيّة أو تفصيليّة فهو دوام ذكر الله بالقلب واللسان دائما
بأيّ ذِكْرٍ كان . ثمّ إنّ الأذكار التي بها زوال الحجاب منها كلّيات وهي التي تقطع كلّ حجاب عن الروح من أيّ أمْر كان ، ومنها تفصيلات لا تقطع إلاّ حجابا من نوع واحد .
وأمّا الكلّيّات فهي لا إله إلاّ الله ، أو الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم ، أو سبحان الله ، أو الحمد لله ، أو الله أكبر ، أو بسم الله الرحمن الرحيم ، أو الله الله الله ، والله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم . وأمّا التفصيلات فهي سائر الأسماء الحسنى ، أو كلّ اسم يذهب بجزء من الحجاب ولا يتعدّى للجزء الآخر ، والله الموفّق .
وأمّا قوله : سَلّ سيوف العزّ الخ ، فلم يتكلّم عليها لوضوحها . إنتهى من إملائه على محبّنا سيّدي محمّد بن المشري أدام الله عُلاه وارتقاه .
وسألته رضي الله عنه عن معنى هذا التسبيح ، وهو : سبحان الله ملء الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وزنة العرش .
فأجاب رضي الله عنه بقوله :
معناه أسبّح الله تسبيحا يملأ الميزان ، إمّا حسنات وإمّا نورا وإمّا تسبيحا . وقوله ومنتهى العلم ، معناه أسبّح الله تسبيحا يبلغ عدده عدد معلومات علم الله وينتهي بنهايتها ، كما لا نهاية لمعلومات علم الله وكذلك لا نهاية لهذا التسبيح ، وقوله ومبلغ الرضا ، أيّ أسبّح الله تسبيحا يبلغ مبلغ رضا الله تعالى ، ورضا الله تعالى هي الآثار الناشئة عن الرضا من المنح والواهب والعطايا والنعم إلى غير ذلك من هذه الوجوه . قال الشيخ رضي الله عنه : أسبّح الله تسبيحا يبلغ قدره أو عدده مثل كلّ ما أحاط به علم الله ونفذت به مشيئته ممّا يهبه لجميع خلقه من جميع وجوه النعم والمنن والعطايا والمنح والتحف والمواهب من الأزل إلى الأبد .
ورضَا الله تعالى له معنيان : المعنى الأوّل ، الوصف القائم بذاته الذي ليس فيه تغيّر بغضب أو رضاء أو محبّة أو بُغض ، فليست إلاّ صفة كاملة تامّة لا يطرأ عليها تغيّر ولا نقص ولا زيادة ، وذلك المعنى هو وصف قائم بذاته ، فذلك لا قدر له ولا غاية له ولانهاية ، وهي صفة من الصفات الواجبة لذاته . والمعنى الثاني ، هي الآثار الصادرة عن الرضا من النعم والتحف والعطايا والمنح ، وصرف المكاره والمضارّ ، وتكميل وجوه النعيم والآمال . والمعنى المستعاذ به في الحديث بقوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
أعوذ برضاك من سخطك
»
هو المعنى الأوّل الذي هو وصف قائم بذاته لا المعنى الثاني ، لأنّ المعنى الثاني حادث من جملة الحوادث ولا يستعاذ بحادث ، إنّما يستعاذ بالوصف القديم وهو صفة الذات . وقوله وزنة العرش ، أسبّح الله تسبيحا يبلغ وزنه زنة العرش إذا وُزِن . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال : شِرْكُ الأغراض هو أحد الأقسام الستّة ، والمراد به عند أهل الشريعة ، هو عمل أعمال البرّ لغير الله ، بل لأجل نيْل محمدة من الخَلْق ، أو تحصيل غرض من قِبَلِهم ، أو دفْع مضرّة منهم ، أو اتّقاء مذمّة ، أو العمل لأجْل نيْل القصور والحور العين في الجنّة مجرّدا وخُلُوّه عن
امتثال أمره . وأمّا إذا نوى بعبادته وعمله وجه الله تعالى وامتثال أمْره وأداء حقّ ربوبيّته والتقرّب إليه وعبادته لأجله لا لشيء غيره ، ورجا مع ذلك من فضل الله عزّ وجلّ ما يهيّئ له في الجنّة من الحور والقصور وغيرها لأجل عبادته بل بمحض الفضل والكرم والتصديق بوعد الله عزّ وجلّ ، فذلك لا حرج فيه ولا قادح في إخلاصه . وإنّما يذهب إخلاصه إذا عمل لأجل نيلها خاليا عن إرادة وجه الله عزّ وجلّ وعن عبادته لأجله ، فهذا هو الذي يقال له عابد هواه ، وعمله محبط بغير خلاف ، بل وعليه الإثم زائدا عن الإحباط .
وإنّ مَن عبَدَ الله لأجله ، أو لإرادة وجهه وابتغاء مرضاته ، أو امتثال أمره أو توفية أمره بعبادته أو أداء لِحَقِّ العبوديّة ، أو قياما بحقوق الربوبيّة ، أو تعظيما له ، أو إجلالا ، أو محبّة له ، أو حياء منه أن يراه تخلّف عن أمْره شوقا إليه أو شكرا لنعمه ، فهو مخلص حقّا ولا يخالطه رياء حيث تجرّد من الأغراض التي تقدّمت . وإنّ مَن عَبَد الله عزّ وجلّ بجميع أنواع الإخلاص فهو المخلص الكامل ، ثمّ إنْ قارنه الرجاء لفضل الله عزّ وجلّ ، ورجاء الحور والقصور ونعيم الجنّة بمحض الفضل ، واعتقد أنّ الله عزّ وجلّ يهبه عندها لا بها ، فلا قادح في إخلاصه عند أهل الشريعة .
وأمّا عند العارفين فذلك مِن شِرْكِ الأغراض ، والإخلاص عندهم تجديد العبادة لوجه الله عزّ وجلّ وعبادته لأجله ، وإسقاط الرجاء من غيره أنفة منهم أنْ يلتفتوا إلى الأكوان بقلوبهم لحظة ، أو يعوّلوا عليها لمحة ، أو يحبّوا منها شيئا مع المحبوب الأكبر ، وهو الله عزّ وجلّ .
على أنّهم يحبّون ما أحبّ الله لأجله سبحانه ، ولا يحبّون غير الله عزّ وجلّ لشهوة أو غرض أو قضاء وطر ، ومن ههنا يفترقون مع أهل الشريعة في محبّة الجنّة والفرار من النار . فأمّا أهل الشريعة فإنّهم يحبّون الجنّة لقضاء شهواتهم فيها ، ويفرّون من النار لِما يجدون من الألم فيها ، فَهُمْ مع الأكوان لذاتها طلبا وهربا . وأمّا العارفون فالأكوان كلّها عندهم على حدّ سواء ، ليس فيها تخصيص لذاتها إلاّ ما خصّصه محبوبهم سبحانه وتعالى ، فَهُمْ يفرّون من النار ويسألون النجاة منها لا لذاتها ولا لوجود ألمها ، بل لكونها دار أعداء الله ، فَهُمْ يكرهون أن يجتمعوا مع الأعداء لحظة فضلا عن الاستقرار ، وأيضا لكون أهلها محجوبين عن النظر إلى الله عزّ وجلّ ، والنظر إليه من أعظم مطالبهم ، وأيضا لامتثال الأمر ، لأنّ الله عزّ وجلّ أمَرَهُم بالتوقّي منها وطلب النجاة منها ، فقال عزّ وجلّ :
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا

الآية ، وقال :
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

،
فَهُم لامتثال أمْره لا لِلَذّاتها وألمها ، وأنّهم يحبّون الجنّة لا للذّاتها ولا لقضاء شهواتهم وأغراضهم ، بل يحبّونها لأنّها دار أولياء
الله تعالى ومستقرّهم ، وأيضا لأنّها دار يكون فيها النظر إلى الله تعالى ، وأيضا فإنّ الله تعالى يحبّها بحكم شرعه حيث اختارها للأولياء ، فَهُم يحبّونها لمحبّته تعالى ، فإنّ المُحِبّ الصادق يحبّ محبوبه ، ومَن أحبّ محبوبه يحبّ ما أحبّ محبوبه ، وذلك من ضرورات المحبّة الصادقة ، وأيضا هُمْ ممتثلون لله سبحانه لأمره أيّاهم بطلبها ، ويحبّون حورها وجواريها وولدانها لأنّهم يحبّون الله ويحبّهم ، ومَن أحبّ الله يحبّ ما أحبّ الله ، فَهُم في محبّتها والفرار من النار لله وبالله لا لأنفسهم ولا بأنفسهم ، بخلاف الأوّلين فإنّهم لأنفسهم فيما أحبّوا وما هربوا منه ، لكن بعد تخليص العبادة لله عزّ و جلّ ، يحبّون من الأكوان ما لا ينهوا عن محبّته .
والكلّ لم يخرجوا عن دائرة الشرع ، وليس يلحقون بالعارفين ، لأنّ محبّة أهل الشريعة هي من أكبر الذنوب عند العارفين ، كما قيل " حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين " ، لأنّ العارفين مستهلكون في عين الجمع ، غرقى في بحار التوحيد ، غائبون عن الأكوان بشهود الملك الحقّ ، لا ينظرون إلى غيره لحظة إلاّ مِن أجله كما تقدّم .
فَهُمْ مع الأكوان بأبدانهم ، بائنون عنها بأرواحهم وأسرارهم وقلوبهم وعقولهم ، ليس لهم في غيره إرادة ، وليس فيهم ما يسع خردلة أو أقلّ لغيره ، فإنّ أسرارهم مختطفة عن غيره ، مقيّدة عنده في حضرته ، عاكفة على شهوده لا علم لها بغيره ، وأرواحهم تابعة لأسرارهم ، لا تقدر على التخلّف عنها ، فهي طائرة في بيداء الحيرة قد اشتدّ شوقها إلى محبوبها لا ينقطع شوقها أبدا ، وقلوبهم تابعة لأرواحهم لا تقدر عن التخلّف عنها ، فهي ترتعد من هيبته وجلاله ، مطرقة من الحياء والدهش من عظمته وكبريائه ، وعقولهم تابعة لقلوبهم لا تقدر عن التخلّف عنها ، فهي متفكّرة في عجائب صنعته ، شاهدة لأسرار حكمته في خلقه لشدّة معرفتها به ، ونفوسهم وأبدانهم تابعة لعقولهم قهرا لا تقدر على التخلّف عنها ، فنفوسهم مقهورة عن هواها تحت سلطان عظمته ، وأبدانهم ذائبة أبدا في خدمته ، قد استرق المحبوب منهم البعض والكلّ ، لا تتخلّف منهم ذرّة عن مراده جلّ وعلا ، ولذلك كانوا لله بالله مع الله ، جعلنا الله منهم بفضله ، وأنالنا ما أنالهم بجاه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم .
وأمّا ما جاء من الأذكار والعبادات لِسِعَةِ الرزق ودفع الضرر وهلاك الظالم ودفع الفقر وقضاء الحوائج إلى غير ذلك ، فما كان من ذلك من جلب رزق ودفع فقر وقضاء حاجة مطلوبا لذاته بذلك الذكر أو العبادة فهو شِرْك الأغراض وهو حرام بالإجماع ، وإنْ كان ذلك المطلوب ليُعِين على عبادة الله عزّ وجلّ فلا يخلو من أمريْن أيضا . أنْ يكون قصده في ذلك الذكر الخاصّ أو العبادة الخاصّة مجرّد غرضه من سعة الرزق وغيره عن قصد وجه الله عزّ وجلّ بالذكر والعبادة ، فذلك من شرك الأغراض أيضا وهو حرام . وإنْ قَصَدَ بالذكر والعبادة وجه الله عزّ وجلّ ، ورجا مع ذلك قضاء غرضه ليستعين به على عبادة ربّه ، ويدعو عقب عبادته لله بقضاء حاجته ، فهو جائز لا حرج فيه ، لكن بعد اعتقاد أنّ الله هو الفاعل باختياره لا بذلك
الذكر ، بل عنده لا به ، وطلب بالذكر وجه الله عزّ وجلّ ، وأنّ الأذكار والعبادات لا تأثير لها ، وخواصّها من الثواب هنا وهناك وإنّ الله عزّ وجلّ هو الفاعل عندها بمحض اختياره لا لعلّة ، فهذا وجه صحّته . وكلّ هذا تكشفه الأدلّة النقليّة . والله الموفّق .
والحاصل من هذا كلّه أنّ مَن عَبَدَ الله عزّ وجلّ لوجهه لم يخرج عن دائرة الشرع دون غيره ، إلاّ أنّهم مختلفون ، فبعضهم الحامل له على عبادة الله تعالى وجهه ، أعني الذي ثوّرهم ونهضهم إليها رجاء فضل الله تعالى واتّقاء عقابه ، وهؤلاء هُمْ أهل الشريعة ، وبعضهم حملهم على عبادة الله تعالى ونهوضهم إليها معرفتهم بجلاله وكبريائه وعظمته ، فعبدوه على الحبّ والشوق إليه أداءً لِحَقِّ ربوبيّته لا لغرض ، وَهُم العارفون ، وسوى هذين هالك لا عبادة له فضلا عن الثواب .
تنبيه : إعلم ، رحمك الله ، أنّ الأكوان عند العارفين بالنسبة إلى الله عزّ وجلّ ، بالنظر إلى ذاتها ، على حدّ سواء ، لا تفضيل لها من ذاتها ولا تشريف لها ولا تفاوت إلاّ من حيث فضّلَها خالقُها ، فالعارفون قطعوا عن الأكوان من حيث ذاتها ، لم يعرجوا عليها بوجه ولا حال ، ولا يحبّون شيئا منها لذاتها كائنة ما كانت ، وكلّ ما سوى الله عزّ وجلّ فهو منها ، ولا يحبّون منها إلاّ ما أحبّ الله ، فَهُم بحبّه يحبّون ، وما شرّفوه فإنّما بتشريف الله عزّ وجلّ ، وما عظّمه عظّموه ، وما حقّره حقّروه ، وما وضعه وضعوه ، وما مدحه مدحوه ، وما ذمّه ذمّوه ، وما أبغضه أبغضوه ، فَهُم مع الله لله بالله لا لأنفسهم ولا بأنفسهم ولا مع أنفسهم ، فقد فنيَتْ إرادتهم تحت إرادة الله واختيارهم تحت اختيار الله ونظرهم تحت نظر الله ، فَهُم يحبّون الأنبياء والملائكة والأولياء لأجل الله عزّ وجلّ ، ويكرهون ضدّهم لأجله ، ويطلبون الجنّة لأجله لا لغرض غيره .
وإلى هذا المعنى الإشارة بقول الشيخ العارف مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه ، حيث سأله الشاذلي رضي الله عنه عن ورد المحقّقين ما هو ؟ فقال : " إسقاط الهوى ومحبّة المولى " ، والمعنى أنّهم في الأشياء بمراد الله عزّ وجلّ ومحبّته وعبادته لأجله والقيام بحقّ ربوبيّته بعزل إغراضهم ومفارقة شهواتهم وعزل أهوائهم ومباينة حظوظهم ، لم يقضوا فيها لأنفسهم وطرا ، وإنّما قاموا في الأشياء بمراد الله عزّ وجلّ لا لشيء سواه كيفما دارت أحوالهم في العمل والإرادات ، فكلّ ذلك لله بالله مع الله بالغيبة عن النفس وشهوتها وقضاء وطرها ، وكلّما وجد في ذلك لهم فيه غرض فرّوا منه وتركوه .
هذا مذهبهم بخلاف غيرهم ، فإنّهم لم يخرجوا عن دائرة الحظوظ ، والحامل على الحظوظ هو الطمع ، والطمع كلّه كاذب ، واتّباع الطمع هو عين الهلاك ، والذي قادهم إلى الطمع هو الوهم ، والوهم خيال كاذب كسراب بقيعة ، والطمع في مذهب العارفين حرام ، بل الطمع هو خراب الدين ، وملاك الدين الورع ، والعارفون نظروا في الاشياء سوى الله
فوجدوها لا نفع لها من نفسها ولا تنفع غيرها ، ووجدوها لا تملك ضرّا ولا نفعا من ذاتها ، فقطعوا النظر عنها وأسقطوها من أذهانهم تعويلا وإرادة ومحبّة واعتمادا
وخطورا . فلمّا تورّعوا عنها رجعوا بكلّيّتهم إلى خالقها ، فانجمعت همومهم بالتعلّق به ، ثمّ نظروا الأشياء فإذا هي في قبضته ، ثمّ فكّروا فيها فوجودوا أمرها على قسمين ،
شيء قدّره لهم أو عليهم نفعا أو ضرّا فلا بدّ من لحوقه وإن كان ما كان لِمَا علموا من نفوذ مشيئته جلّ وعلا ، ورأوا أنّ الالتفات لما قدّره لهم نفعا أو ضرّا من أكبر الطمع ، فتركوا الطمع وتورّعوا عنه ، وإنّما كان طمعا لأنّ الاشتغال به هو تحصيل الحاصل ، والاشتغال بتحصيل الحاصل هذيان ، واتّباع الهوى غرور والغرور من فروع الطمع فتركوه ورعا .
وشيء لم يقدّره لهم فلا سبيل لنيله ولحوقه نفعا أو ضرّا ، فما وقعت الحيل كلّها على تحصيل شيء لم يقدره جلّ وعلا لم تحصل منه ذرّة ولا أقلّ ، ورأوا أنّ التعويل على ما لم يقدّر نفعا أو ضرّا هو من أكبر الطمع والطمع حرام ، فتورّعوا عن الطمع كلّه وغضّوا أبصارهم عن المقدورات بكلّ جهتها ، سواء كانت لاحقة أو غير لاحقة ، وأوقعوا نظرهم إلى الله تعالى بقطع العلاقات والأهوية ، فلحقهم ما هو مقدور لهم دون إرادة لهم ، بل بالرضا والتسليم والتفويض لله عزّ وجلّ ، ولم يلحقهم ما لم يقدّر لهم ، فَهُم منه مستريحون ونفوسهم طيّبة بترْكِه ، فَهُم زاهدون فيما قدّر وما لم يقدّر ، هذا مذهبهم ، أنَالَنَا الله ذلك بفضله ، فَهُم في رحمة الله عزّ وجلّ ، وراحة الأبدان هنا وهناك .
ولهذا قيل من عرف الله على الحقيقة لم يلحقه هَمٌّ ، بل يجدون للأضرار لذّة كلذّة المنافع لَمَّا علموا أنّها من اختياره جلّ وعلا ، فَهُم يحبّون الأضرار ويتلذّذون بها لأجل محبوبهم جلّ وعلا لكونها من اختياره ، فَهُم يفرحون بالجميع ضرّا أو نفعا لأنّهم مقبلون على الأشياء كلّها بالله لله مع الله من أجل اختيار الله عزّ وجلّ لها . ولذلك لا تجد عندهم ألما في الأضرار الفادحة التي لا تطيقها قوّة البشريّة لِما شغَلهم عنها من الفرح به جلّ وعلا ، والكلّ عندهم منه نعمة كيفما كانت ضرّا أو نفعا أو وصلا أو إبعادا لِما قدّمناه من فناء إرادتهم وحظوظهم تحت اختياره ومحبّته .
وإلى هذا الإشارة فيما يقال عن الله عزّ وجلّ ، كأنّه يقول على ألْسُنِ هواتف الحقائق :
«
يا عبدي تريد وأريد فاترك ما تريد وكن لي مع ما أريد أبلغك ما تريد وأنعمك فيما أريد وإن لم تترك ما تريد لما أريد أتعبتك فيما تريد وعذّبتك بما أريد بالبين عما تريد ولا يقع إلاّ ما أريد
» ،
أو كما قيل عنه جلّ وعلا .
وقد علمت أنّ الفرح بالنعم على ثلاثة أقسام : فرَحٌ بها لكونها قضاء للوطر والشهوات ، وصاحب هذا الفرح مثل البهيمة سواء . وفرح بها لكونها فيها قضاء الوطر والشهوات ، ولكونها منّة منه لاختباره له جلّ وعلا ، فهذا متوسّط بين الدناءة والشرف . وفرح بها لأجله جلّ وعلا ، وأنّها من اختياره منه لا لكونها فيها قضاء الوطر والشهوات ،
فهذا هو غاية الشرف الرفعة لصاحب هذا الفرح . وكذلك في ضدّ النعم في الكراهة لها هكذا سواء . وبهذا يفترق الأمر في محبّة الجنّة وما فيها ، وكراهة النار ، فالأوّل مذموم قطعا ، والثاني مذموم وممدوح ، والثالث ممدوح مشرّف قطعا لأنّه لم يفرح بالجنّة للذّاتها وشهواتها بل لأنّها من حسن اختيار الله جلّ وعلا ، وأنّها من أعظم مننه ، وأنّها دار جواره ومحبته ، فَهُم يحبّونها ويفرحون بها من أجله لِما تقدّم من عزل شهواتهم وحظوظهم لمراد الله عزّ وجلّ واختياره ، أنَالَنَا الله ذلك من فضله وكرمه بجاه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم .
الحاصل أنّه لا يكمل القيام لله بالله مع الله من أجل الله عزّ وجلّ حتّى يتورّع صاحبه عن جميع المقدّرات ، ويقطع الطمع من الله أن يعطيه غير ما قدّر له أو يمنعه ما قدّره ، ولا يصل إلى الله عزّ وجلّ حتّى لا يبقى لك غرض في شيء من الأكوان ، كما قيل : " حرام عليك الاتّصال بالمحبوب ويبقى له في العالمين مصحوب " ، وهو نكتة الباب .
وقد قيل في هذا ما طلعت شمس ولا غربت على الخلق وهُمْ جهّال بالله تعالى إلاّ من يؤثر الله عزّ وجلّ على نفسه وهواه ، وآخرته ودنياه . فانظر في هذا هل تجد له غرضا في الأكوان ؟ وهذه هي الحرّية الخالصة من شوائب رقية الأكوان ، ومن تحقّق بهذا المقام، يكون الدعاء في حقّه لمحض العبوديّة فقط لا تطلّعا إلى تحصيل شيء ، لأنّه إنْ تطلّع بدعائه إلى تحصيل ما قدّره له أو دفْع ما هو مدفوع عنه فهو عبث لا فائدة له ، ويلزم تأديب قلبه عن هذا التطلّع للعبث ، وإن تطلع لذلك فهو طمع ومضادة لأحكام الربوبيّة ، وكلاهما في مذهب العارفين حرام ، فيلزمه تأديب قلبه أيضا عن هذه الخسائس ، فلم يبق إلاّ التعلّق بالله عزّ وجلّ عبوديّة له به لا لأجل تحصيل شيء منه بالتعلّق به لئلاّ يدخله ما تقدّم من الطمع والعبث والشرك بالأغراض ويلزمه حينئذ الوقوف مع الله عزّ وجلّ على حدود الأدب بالرضا عن الله عزّ وجلّ في كلّ شيء والرضا بأحكامه في كلّ شيء والتفويض له في كلّ حال والتسليم له في كلّ شيء والاستسلام له على كلّ حال وإقامة النفس له على ما يريد . وتفسير الرضا عن الله عزّ وجلّ هو ترْك السخط عليه فيما يُجريه عليك من الأضرار ، بل يتلّقى حكمه بالفرح والسرور وإن كان هلاكه فيه لِصِدْق محبّته ، ولا يتمنّى زوال شيء ممّا فعَلَه من الضرر حتّى يكون هو الذي يدفعه جلّ وعلا .
وتفسير الرضا بأحكامه ومقاديره هو نفي السخط لِما حَكَمَ به عليك أو غيرك ، فتستوي عندك المضارّ والمنافع ، ولن تصل إلى تحقيق هذا المقام إلاّ بكمال زهدك فيك ، وكمال رغبتك فيه لأجله لا لشيء يعود إليك منه ، فيغيب عنك رؤية الضرّ والنفع ، ويسقط عنك التمييز بينهما من ذاتهما حبّا وبغضا ، إلاّ أن يكون الحبّ والبغض من أجله سبحانه ،
فلتكن بذلك لله بالله مع الله . وتفسير التفويض هو ترْك التدبير في جلب نفع أو دفع ضرّ ولو بالتمنّي ، فضلا عن السعي فيه ، لِما عُلِم مِنْ سبْق تدبيره سبحانه وتعالى ، فلا محيص عمّا قدّر حصوله نفعا أو ضرّا ، ولا سبيل لِما قدّر نفيه نفعا أو ضرّا . فلم يبق إلاّ ترْكُ التدبير ، وهو التفويض .
وتفسير التسليم لله عزّ وجلّ هو ترْك منازعة المقادير تمنّيا أو سعيا جليّا أو دفعا وقوعا أو نفيا لِما سبَق أيضا من تقديره عزّ وجلّ واختياره في سابق أزله لِما قدّر وقوعه أو عدمه . والمنازعة كلّها حرام عند العارفين لأنّها إمّا عبث أو طمع كما تقدّم ، فلم يبق إلاّ التسليم ، وهو ترْك المنازعة عبوديّة لا تطلّعا إلى شيء جلبا أو دفعا فيدخل شِرْك الأغراض والطمع والعبث .
وتفسير الاستسلام له جلّ وعلا هو إسقاط الحوْل والقوّة منك حتّى تكون كالميّت بين يدي غاسلك يقلّبك كيف شاء دون اختيار ولا إرادة ولا حوْل ولا قوّة لأنّك في الحقيقة لا حوْل لك ولا قوّة ، وإنّما ذلك من دواعي النفس الكاذبة ومن شأنها الانقياد للوهم ، فلم يبق إلاّ ترْك الدعوى وتأديب النفس عن الانقياد للوهم وردّها إلى محض العبوديّة الخالصة لله عزّ وجلّ ، ولم يبق إلاّ الاعتماد على الله عزّ وجلّ .
وتفسير الاعتماد عليه جلّ وعلا هو هدو القلب سكونا من الاضطراب بقيّوميّته جلّ وعلا ، وسابق تدبيره واختياره ، وتبريّا من الطمع والعبث كما تقدّم ، وكلّ هذه مقامات متجاذبة بعضها ببعض ، ولن يقدر على استيفائها كمالا إلاّ العارفون . فكلّما سكنت إلى شيء دون الله عزّ وجلّ ، كائنا ما كان ، فقد اعتمدت عليه .
ومعنى السكون هو هدو القلب والاستيثار بوجود ما سكن إليه ، والاضطراب والوحشة والحزن عند فَقْدِ المسكون إليه ، ومَن كان على هذا الحال مع غير الله تعالى وُكِلَ إلى ما سكن إليه ، وهلاكه محقّق لا محالة ، ولا مطمع له في درك الفلاح الكامل . ومَن كان سكونه إلى الله عزّ وجلّ ، وأنْسُه به دون شيء سواه ، وَكَلَهُ الله عزّ وجلّ إلى تدبير ألوهيّته واختياره ، وتولاّه بالعناية الأزليّة ، ومنحه ما لا نهاية له من الأحوال العليّة والمقامات السَّنِيّة والأخلاق الزكيّة .