خاتمة هادية لمحبّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واتّباع سنّته واقتفاء آثاره داعية
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
فدعا به فقرأها عليه
»
.
وفي حديث آخر
«
كان رجل عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ينظر إليه لا يطرف فقال ما بالك فقال بأبي أنت وأمّي أتمتّع من النظر إليك فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله ، فأنزل الله الآية
»
أهـ . فيا لها من نعمة على المحبّين سابقة ، لقد سبق القوم للسعادة وَهُمْ على ظهور الفرش نائمون ، ولقد تقدّموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون .
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
فجعل تعالى متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم آية محبّة العبد ربّه ، وجعل جزاء العبد على حسن متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم محبّة الله تعالى إيّاه ، وهذه المحبّة تنشأ من مطالعة العبد مِنّة الله عليه من نعمه الظاهرة و الباطنة ، فبقدر مطالعة ذلك تكون قوّة المحبّة ، ومِن أعظم مطالعة منّة الله على عبده منّة تأهّله لمحبّته ومعرفته ومتابعة حبيبه صلّى الله عليه وسلّم .
وأصل هذا النور يقذفه الله تعالى في قلب العبد ، فإذا دار ذلك النور في القلب أشرقت له ذاته فرأى في نفسه ما أُهِّلتْ له من الكمالات والمحاسن فَعَلَتْ به همّتُه وقَوِيَتْ عزيمتُه وانقشعتْ عنه ظلماتُ نفسه وطبعِه لأنّ النور والظلمة لا يجتمعان إلاّ ويطرد أحدهما الآخر ، فوقعت الروح حينئذ بين الهيبة والأُنس إلى الحبيب .
وبحسب هذا الإتّباع توهب المحبّة والمحبوبيّة معاً ، ولا يتمّ الأمر إلاّ بِهِمَا ، فليس الشأن أن تحبّ الله بل الشأن أنْ يحبّك الله ، ولا يحبّك إلاّ إذا اتّبعتَ حبيبه ظاهرا وباطنا ، وصدقته خبرا ، وأطعته أمرا ، وأجبته دعوة ، وآثرته طوعا ، وفَنَيْتَ عن حكم غيره بحكمه ،
وعن محبّة غيره من الخلق ، وعن طاعة غيره بطاعته ، وإنْ لم تكن كذلك فلستَ على شيء . وتأمّلْ قولَه تعالى :
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
،
فاتّباع هذا النبيّ الكريم حياة القلوب ونور البصائر وشفاء الصدور ورياحين النفوس ولذّة الأرواح وأُنس المستوحشين ودليل المتحيّرين .
ومن علامة محبّته أن يرضى مدّعيها بما شرّعه صلّى الله عليه وسلّم حتّى لا يجد في نفسه حرجا ممّا قضى ، قال الله تعالى :
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
الآية ، فسَلَبَ اسم الإيمان عمّن وَجَدَ في صدره حرجا مِن قضائه ولمْ يُسَلِّمْ له .
ومن علامة محبّته صلّى الله عليه وسلّم تعظيمه عند ذِكْرِهِ وإظهار الخشوع والخضوع والانكسار مع سماع اسمه ، فكلّ مَن أحَبَّ شيئا خضع له .
ومِن علامة محبّته صلّى الله عليه وسلّم كثرة الشوق إلى لقائه إذْ كلّ حبيب يحبّ لقاء حبيبه .
ومن علامة محبّته صلّى الله عليه وسلّم حُبّ القرآن الذي أتى به ، وهدى به ، واهتدى به ، وتخلّق به .
وإذا أردتَ أن تعرف ما عندك وعند غيرك من محبّة الله ورسوله فانظر إلى محبّة القرآن من قلبك والتلذّذ لسماع أعظم من التذاذ بسماع الملاهي والغناء والطرب . ومن علامة محبّته صلّى الله عليه وسلّم محبّة سنّته وقراءة حديثه ، فإنّ من دخلت حلاوة الايمان في قلبه إذا سمع كلمة من كلمة الله أو من حديث رسوله صلّى الله عليه وسلّم تشرّبَها روحه ونفسه وقلبه ، فحينئذ يستنير قلبه ويشرق سرّه وتتلاطم عليه أمواج التحقيق عند ظهور البراهين ويرتوي ويرى عطف محبوبه الذي لا شيء أروى لقلبه من عطفه عليه . وبالجملة فالكلام في هذا المعنى يطول ، فلنقصر العنان ، ولو تتبّعنا ما في هذا من العلامات لم يسعنا مجلّدات .
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
.
وأمّا حديث الشفاعة فهو أشهر من نار على علم ، وصار من الدين ضرورة فلا نطيل بذكره . فانظر ما تضمّنه هذا الحديث الشريف من فخامة قدره عليه الصلاة والسلام
وجلالة أمره عليه من الله في كلّ حين أفضل الصلاة والسلام لأنّ أكابر الرسل عليهم الصلاة والسلام لم ينازعوه في هذه المرتبة التي هي مختصّة به ، وهي الشفاعة العظمى .
ولا شكّ أنّ بِعْثَته عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين ، فقال جلّ مِن قائل :
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ
.
وأما تفضيله على بني آدم عموما وخصوصا فمِن قوله عليه الصلاة والسلام :
«
أنا سيّد وَلَدِ آدم ولا فخر
» .
. وأمّا تفضيله على آدم فمِن قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين
» ،
ومِن قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
آدم فمن دونه من الأنبياء يوم القيامة تحت لوائي
»
،
ومن قوله عليه السلام :
«
وأنا أوّل شافع وأوّل مشفّع وأنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض
» .
وقال تعالى في حقّه :
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
الآية ، وقوله جلّ مِن قائل :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
،
وقوله تعالى :
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ
،
وقال أيضا في حقّه عليه الصلاة والسلام :
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
الخ السورة ، قال قتادة : رفع الله ذكر نبيّنا في الدنيا والآخرة ، فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلاّ وهو يقول : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله . وعن أبي سعيد الخدريّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال :
«
أتاني جبريل فقال إنّ ربّي وربّك يقول تدري كيف رفعت ذكرك قلت الله ورسوله أعلم قال إذا ذكرت ذكرت معي
» ،
وعن عمر بن الخطاب رضي عنه أنّه قال :
«
يا رسول الله من فضيلتك عند الله أن جعل طاعتك طاعته فقال
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ
»
، وقال تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
،
وقال تعالى :
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ
،
وكلّ هذا من زيادة البرّ والإحسان والإنعام والاعتناء به من ربّه عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام .
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
،
إتّفق أهل التفاسير في هذا أنّه قَسَمٌ من الله جلّ جلاله بمدّة حياة سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، وهذه نهاية التعظيم والتشريف وغاية التكريم . ومِن ذلك قوله جلّتْ قدرته :
ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ
،
أقسمَ بقوّة قلب حبيبه سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثّر ذلك فيه لعلوّ حاله . ومن ذلك قوله تعالى :
وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ
،
سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم لأنّ منه تفجّر الإيمان . وممّا يدلّ على تعظيم قدره وفخامة أمره وجلالة منصبه خطابه إيّاه بقوله تعالى :
وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
الخ السورة . وممّا شرّفه به تعالى واختصّه به من بين سائر الأنبياء والمرسلين وأشاد به رتبته الشريفة قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
،
وقال تعالى :
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا
،
قال قتادة :
إنّ النبيّ صلّى الله عليه و سلّم قال :
«
كنت أوّل الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث
» ،
فلذلك وقع ذكره مقدّما قبل ذكر نوح وغيره عليهم الصلاة والسلام . ويكفي في عظيم قدره عند ربّه ما تضمّنته سورة الفتح من الاعتناء به وكريم منزلته لديه ، فابتدأه جلّ جلاله بإعلامه بما قضاه له من القضاء البيّن بظهوره وغلبته على عدوّه وعلوّ كلمته وشريعته وأنّه مغفور له غير مؤاخذ بما كان وما يكون وما وقع وما لم يقع إلى آخر السورة ، وما تضمّنته من بيعة الرضوان ، فقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
،
أيّ إنّما يبايعون الله ببيعتهم إيّاك يد الله فوق أيديهم ، يريد عند البيعة ، ولنقصر العنان ، ولو تتبّعنا ما ورد في عظيم قدره من الآيات و الأخبار لطال الخطاب وخرجنا إلى الإطناب ، ومقصدنا من هذا نبذة لنتبرّك بها في هذا الكتاب .