ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها
(1) . قال رحمه الله تعالى : « والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلَفِها ، أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله . فإن تاب وأناب ، وخشع وخضع ، وعمل عملا صالحا ، بدّل الله سيئاته حسنات ، وعَوّضَ المقتول من ظلماته ، وأرضاه عن طلباته . قال الله تعالى :
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
(2) . وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين ، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر ، ويحتاج حمله إلى دليل والله أعلم . وقال الله تعالى :
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله
(3) وهذا عام في جميع الذنوب من كفر ، وشرك ، وشك ، ونفاق ، وقتل ، وفسق ، وغير ذلك ، . كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه ، قال الله تعالى :
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء
(4) ، فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ماعدا الشرك ، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء والله أعلم.
وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس ثم سأل عالما هل من توبة ، قال : " ومن يحول بينك وبين التوبة " ، ثم أرشده إلى بلد يُعْبَدُ اللهُ فيه ، فهاجر إليه ، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة كما ذكرناه غير مرة . وإذا كان هذا في بني إسرائيل ، فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى ، لأنّ الله وضع عنّا الآصار والأغلال التي كانت عليهم ، وبعث نبينا بالحنيفة السمحة.
فأما الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا
(5) فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف : " هذا جزاؤه إن جازاه " . وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعا من طريق محمد بن جامع العطار ، عن العلاء بن ميمون العنبري ، عن حجاج الأسود ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا ، ولكن لا يصحّ ، ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزيَ عليه ، وكذا كلّ وعيد على ذنب ، لكن قد يكون ذلك معارضا من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء عليه على قولي أصحاب الموازنة والإحباط ، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد والله أعلم بالصواب .
وبتقدير دخول القاتل في النار ، إما على قول ابن عباس ومن وافقه : " أنه لا توبة له " ، أو على قول الجمهور ، حيث لا عمل له صالحا ينجو به ، فليس بمخلد فيها أبدا ، بل الخلود هو المكث الطويل .
وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان .
وأما حديث معاوية : كل ذنب عسى الله أن يغفره إلاّ الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا ، فعسى للترجي . فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين ، لا ينتفي وقوع ذلك في أحدهما ، وهو القتل ، لما ذكرنا من الأدلة . وأما من مات كافرا فالنص : "إن الله لا يغفر له البتة".
وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة ، فإنه حق من حقوق الآدميين ، وهي لا تسقط بالتوبة ، ولكن لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة . فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة ، لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة ، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول ، أو بعضها ، ثم يفضل له أجرٌ يدخل به الجنة . أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها ، ورفع درجته فيها ، ونحو ذلك والله أعلم ».اهـ. المقصود من كلام الحافظ ابن كثير .
الصفحة التالية >>