في دلالته على الله ، وجمْعِه عليه ، وسوْقه الأقوام بحاله ومقاله إليه .
قد شرب سيّدنا رضي الله عنه من هذا الحبّ الشريف ما أرواه ، ونهل من بحره العظيم ومدده الجسيم ما أخذ بجميع عوالمه وقوّاه ، وأفناه عن كلّ معلوم ومرسوم وغَيَّبَه أبدا في الواحد القيّوم ، فانصبغت بالتوحيد حقيقتُه وامتزجت به ذاتُه وهويّتُه ، وتكيّفتْ به روحه ونفسه ومعناه وحسّه ، وقالبه وقلبه وعقله ولبّه ، فصارت أحواله وأقواله وخلاله وفعاله ، وحركاته وسكناته وتقلّباته وتصرّفاته كلّها دالّة على الله ورسوله وجامعة على الله وبابًا لوصوله ، لا تدعو إلاّ إليه ولا تحوم إلاّ عليه ، ولا توقفك إلاّ ببابه ولا تسندك إلاّ لِعَلِيِّ جنابه ، إذا رأيته ذكرتَ الله ونسيتَ ما سواه ، واستيقضت لأوّل وهلة وانقشعت عنك سحائب الغفلة ، ووجدتَ بقلبك تعظيما وإجلالا وتكريما ، وإذا جالستَه تداركَتْكَ لمحاتُه وسَرَتْ فيك نفحاته ، وعلق بك طيبه الفائح ورأيتَ حسنه الواضح ، وعلِمتَ أنّه الجليس الصالح ونور النبوّة فيه لائح ، لا يخيب أبدا جليسه ولا يعدم شيئا من الخيرات أنيسه ، كما قال فيه بعض مادحيه : هو من أناس لا يخيب جليسهم ...الخ البيت ، يقدح النور في قلب من أبصره ويبث محبّة الله فيمن حضره ، ويزجّ في الذكر من غَشِيَهُ ويقذف في الجدّ من لقيه ، رؤيته طبّ القلوب وكلامه شفاءٌ مِن العيوب ، مجلسه مجلس حلم ووقار وإجلال وإكبار ، لا يبتديه أحد بالكلام غالبا ولو كان في ذلك صائبا ، بل يفتتحه هو وإن أراد فيحصل به البُغْيَةَ والمراد ، لا يُكثِر الحاضرون من الكلام لديه ولا يتسابقون فيما بينهم إليه ، بل دأبهم الإنصات والأدب إلاّ مَن توجّهَ له منه الخطاب والطلب ، عظيم الهيبة جليل الهيئة ، ذو مهابة ظاهرة وسطوة قاهرة ، لا يفاجئه أحد إلاّ صدمته هيبته ولا يداخله إلاّ ملكته محبّته وراثة محمّديّة ومنحة نبويّة ، كلّما ازددتَ إليه قرابة ازددتَ منه مهابة ، ولقد تَعْرُضُ لنا المهمّات فنريد أنْ نخبره فما نستطيع الإقدام عليه حتى يكون هو الذي ينبئنا بما لديه ، وكثيراً ما ينبئنا عمّا نريده قبل أنْ نشرع فيه فيفتح لنا بذلك الباب في الكلام معه فنتبعه ونقتفيه ، يتكلّم مع الإنسان بما فيه وينبئنا عمّا يلاقيه ويوافيه ، ويبيّن له خفي ما عليه أتمّ تبيين ممّا كان قد أضرّ به من أمر الدّين ، ويتحفه بالدّواء والعلاج فيبرئ الخطب ويزيح الكرب ، وتنمحي بأنواره ظلمة النفوس وتنجلي عنها المضائق والبؤس ، يذكر الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة وينزع منها الإشارات واللطائف والحِكَمَ والمعارف فيذاق منه ذلك ذوقا ويزيد الحاضر محبةً وشوقاً ، ويمتلاء القلب منه سرورًا وفرحًا وحبورًا حتّى يحلف الحالف عند سماع كلامه لكأنّه يسمع كلام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ويشافه نوره الأتمّ وسرّه الأعظم ، وعلى كلامه سطوة تخضع له النفوس وتحطّ لها الرؤوس ، يُجيب بالحال أكثر ممّا يجيب بالمقال في بعض الأحوال ، وإذا سمع كلامه أحد وخصوصًا من فيه قابليّة القبول تحوّل في الحين قلبه وطار به إلى الله لبّه ، يأتيه الإنسان في كرب وأحزان ، وجحود وكفران ، وضلال وطغيان ، ودنس وأدران ، فيعود حزنه سرورًا ، وجحوده شكورًا ، وبُعده حضورًا ، ودنسه طهورًا ، وظلامه نورًا ، فتنقلب به في القلوب حقائق الأعيان وتطيب به الأوقات والأحيان ، وتجده يتكلّم مع الرجل كلامًا عاديًا وهو يفعل في قلبه الأفاعيل ويرحل به إلى الله المراحيل ، ويجيب الرجل بكلمة أو كلمتين فيظفر عند ذلك بمرامه ويعثر على غرضه وغرامه ، كأنّما تلك الحاجة مجر كلامه ، ويشكوه الرجل بعلل معنويّة وأمراض نفسيّة يذكرها في باطنه وهو أمامه فيجيبه عنها بعينها كأنّما سمع كلامه فيشفى علّته وتنقلب نظرته فيشاهد منّة الله وإحسانه وتفضّله وامتنانه وما كان قطّ شاهدها قبل ذلك ولا تنبّه لِمَا هنالك ، ويحضره الحاضرون ما بين متوجّه وغافل ودنيوي وغيره فيعمل في الجميع حاله ويؤثر فيهم مقاله ، ويعمّهم الفرح ويزول عنهم الترح ، حتّى يظنّ أحدهم أنّه لا يبالي بالدنيا أبدا ولا يلتفت إليها بعد سرمدًا لِمَا يلوح عليه حينئذ من اليقين بالله والفرح بأنعم الله ، ويأتيه مَن أُصيب في ماله وبدنه وعياله في غاية ما يكون من المشقّة والضيقة ، فإذا سمع كلامه انزاحت عنه الأتْراح واعتراه السرور والانشراح كأنّما سُقِيَ عنده الراح بالراح . وقد أتاه رجل من الإخوان قد امتحن بأخذ ماله من قبل السلطان فساءت أخلاقه وأحواله وسرّه وعلانيته وأفعاله ، فجلس بين يدي سيّدنا رضي الله عنه في ملأ من أصحابه فجعل ينصت لكلامه ويتكلّم الشيخ رضي الله عنه على عادته في الدلالة على الله ويذكّر النّاس بأنعم الله الظاهرة و الباطنة ويريهم أنْ ما ينزل بالعبد من المحن التي هي في الظاهر نقمة كلّها رحمة من الله وفضل منه ونعمة وأنّه لا يفعل ذلك سبحانه إلاّ لحكمة ، وجعل يوضح ذلك ، فتحوّل حال الرجل لِحِينِه وظهر عليه اثر السرور والفرح ويقول : " الحمد لله " ، يكرّرها فرحًا منه بنعمة الإسلام التي لم يقدّر قدرها قبل ذلك واستخفافا بالدنيا التي رُزِقَهَا ويقول : " ما سمعت هذا قطّ ولا رأيته . ولقد زرتُ غير واحد من الصالحين و الأعيان في هذا الزمان فما رأيتُ مثل هذا الكلام عند أحد " ، وقع مثل ذلك المرّة بعد المرّة . ويأتيه الرجل في كرب ووبال فينصرف عنه منشرح الصدر والبال ، وتعود كربته عند رؤيته طربا ويبصر الحاضرون من آياته عجبا ، ذلك لِما تكيّف به من نور الحقيقة واتّصف به من الرحمة للخليقة ، حضرتُ من ذلك ما لا أحصيه ولا أستوفيه . فهو يجود عليهم بحاله كما يجود عليهم بماله ، ويرحمهم بما خُوِّلَهُ من المعارف ورُزِقَهُ من العوارف ، فيّاض الإمداد كثير النفع للعباد رفيقا بالحاضر والباد كأنّما النّاس كلّهم أبناؤه وإخوانه وأوِدَّاءه ، لا يزال حريصا على نفْعِهم وزجّهم إلى الله ودفعهم ، يستشهد كثيرًا بحديث : « الخلق كلّهم عيال الله وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله » ويلهج به في كلامه لكون حالته تذهب إليه في كلّ شيء ، ويسوق الخلق إلى الله بما أمكن ويكتفي بما يجده في الإنسان من قابلية الخير ولو لم يكن فيه إلاّ وصف واحد ويقول : " العارف إذا وجد فيك خصلة واحدة من الخير كالحياء والسخاء أو شيئا من المحبّة مثلا أو سلامة الصدر أو صدق اللهجة أو نحو ذلك عاملك لأجله وآخذ بيدك وحنّ عليك " ، ويقول : " إنّ الله يرحم العبد بسبب وصف واحد ، ورحمة الله غالبة تلتمس السبب فإذا وجدتْ أدنى شيء منه نزلتْ " ، وإذا شكى له أحد نفسه وذكر سوء حاله وقبيح فعاله جذبه من النظر إلى ذلك للنظر إلى رحمة الله وعرّفه أنّ الله يرحم بلا سبب ، ثمّ يذكر قول الشاذلي رضي الله عنه : " إنْ لم نكنْ لرحمتك أهلا أنْ ننالها فرحمتك أهلٌ أنْ تنالنا " ، ويقول : " فائدة تَذَكِّرِ العبد مساويه أنْ يعلم منّة ربّه عليه ويتحقّق بفضله وإحسانه حيث يجد نفسه لا يعمل خيرًا وهو مع ذلك معافى مُنْعَماً عليه سابحًا في بحر الفضل والإحسان ، فتلك أثوابٌ مُنِحَهَا من الحقّ من محض الكرم والامتنان " . وإذا تكلّم أحد بما يشير إلى الدعوى والثناء منه على نفسه قَابَلَه بالعكس وجعل يتكلّم في عيوب النفس ودسائسها ، ويُظهِر خسائسها ودقائقها وما اشتملت عليه من العيوب والنقائص والرّذائل التي هو شأنها ووصفها ، ولا تحبّ أنْ تتّصف إلاّ بأوصاف الربوبية كالكِبْر والعظمة مع أنّها لا تحصى معايبها ، ولها من النقص مثل ما لله من الكمالات ، يعني لانهاية لها ، ولولا أنّ الله يحول بين المرء وبينها لهلك ، ولو أنّه خُلِّى سبيلُها لكفر بالله كما كفر بأنعمه ، ويقول : " إذا أراد الله هلاك عَبْدٍ وكله إليها ولم يزده شيئا ، وإذا أراد رحمته عرّفه نعمته وألْهمه شكرها وجنّبه كفرها ، وذلك هو أصل كلّ خير " . وما جاء أحد مُظهِرا للرجا غافلا عن اللجا إلاّ خوّفه من سطوة الله وقهره وسرعة نفوذ قضائه وأمره حتّى يذهب خائفا مذعورا ، وما جاءه خائف أو لاهف إلاّ سلاّه ورجّاه وعرّفه فضل مولاه حتّى يذهب فرحًا مسرورا ، يريد بذلك جمْع العبد في الحالتين على مولاه وأنْ لا يقف مع شيء سواه ، وإذا ادّعى أحد بين يديه المحبّة قال له : " مِن علامات المحبّة السعي في رضاء المحبوب والوقوف عند أمره ونهيه واتّباع قوله وفعله " ، وينشد قول القائل :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
(1)
، وحديث :
«
المرء على دين خليله
»
، ويقول : " أصل كلّ خير الخلطة واللقمة ، كُلْ ما شئتَ فمثله تعمل ، وخالطْ مَنْ شئتَ فمثله تفعل " . وشكوته يوما سوء حالي فقال لي : " لا تكلّمني الآن في شيء من ذلك وافعل ما آمرك به " وأشار عليّ بمجالسته رضي الله عنه ، فقلتُ له : " يا سيّدي ما الأفضل هل النوافل والأذكار وغير ذلك أم مجالسة الأشياخ ؟ " ، فقال : " بل مجالسة الأشياخ أفضل ، لا يعادلها شيء ، فَجَلْسَتُكَ بين يديْ ولِيّ أفضل من الدّنيا وما فيها ، لِما ورد
«
جلوسك بين يديْ وليّ قدر حلب شاة
»
الخ". ولا شكّ أنّ مجالسته رضي الله عنه ترياق مجرّب للأمراض القلبية والعلل النفسية ، وكم تَعْرُضُ لنا ولغيرنا أمراض معنوية وتتراكم على القلب ظلمات رديّة ، فتنجلي بسبب مجالسته والحمد لله حقَّ حَمْدِهِ وكما ينبغي لجلاله لا أحصى ثناء عليه ، ويقال في المعنى : " النظرُ في التقيّ استقامة وفي المخصوص كرامة ، ومِنْ رحمة الله بعبده وعنايته أنْ يُسَخِّر له قلب مخصوص من أهل ولايته " ، ويقال : " كلّ النّاس يحبّون المخصوص والحكمة أنْ يحبّك المخصوص ، ومَنْ لم يلقَ صاحب بصيرة لم تفتح له بصيرة ، وليس شيخك مَنْ تجعل بينك وبينه عهدًا بلسانك وتعتقد مشيخته بجنانك إنّما شيخك من جذبك بقلبك وأخذ بمجامع لبّك ونفعتك نظرته وحاطتك همّته " . ويخاطب كلّ واحد على قدر فهمه وعلى حسب علمه وبما يليق من حاله وينبغي لأمثاله ، فيخاطب الجاهل بالتعلّم والعامل بالعمل وذا المعصية بالتوبة وذا الطّاعة بعدم النظر إليها وبرجاء رحمة الله فيها ، ويعجبه المشفق من عصيانه ويرقّ له ويحنّ عليه ويدلّ على الله بكلّ حال وفي كلّ حال ، وفي كلٍّ من الطاعة والمعصية دلالة على الله ، فالطاعة تدعو إلى شكر الله والمعصية تلجئ إلى التوبة إلى الله ، والنعمة والنقمة كذلك ، هذه تفرحك بمولاك والأخرى ترفع بها إليه شكواك ، ويذكر قولهم رضي الله عنهم : " مَنْ لم يُقبِل على الله بسوابغ الامتنان سيق إليه بسلاسل الامتحان " ، ويجيد الكلام في هذا الأسلوب جدّا ويتفنّن في الدلالة على الله تفنّناً ويتلوّن فيها تلوّناً ويبيِّن فيها كيفيّات طرائق وخفيّات حقائق فتارة يأتيها من حيث الأرضيات وتارة من حيث السماويات ، ويوضح في طريقيّ الجذب والسلوك لأهلها مهامّه ، فيحاً تارة تصريحا وتارة تلويحا ، ويجري في كلامه ذلك ما لا تدركه العقول ولا تحيط به النقول ، مجالسه في ذلك رياض مزهرة كلّ مجلس وما يتّفق فيه بحسب حُكْمِ الوقت وما يفتحه الله له وعلى يديه من أرزاق الحاضرين ، وربّما يقرّر في المجلس الواحد مِن ذلك أنواعا منوّعة ومعارف وأسرارا وتذكرة واعتباراً ، وحَمْلٌ على شُكْرٍ واصطبار وسكونٌ تحت مجاري الأقدار ، وحَمْلٌ على العمل وتَرْكُ الأمل وترغيب وترهيب وتقريب وتحبيب وتبشير وتحذير ، كلّ ذلك ممّا يجري في محفلٍ واحد ، فيأخذ منه كلٌّ مِنَ الحاضرين نصيبه ويشفع به كلٌّ على قدر حاله ، وقد يغلب عليه في المجلس الواحد نوعٌ واحد منها ، وتجده إذا تكلّم في باب من أبواب الدلالة أمتع فيها جدّا وأوسع فيه المجال ويُشفِي منه صدور الرجال بعبارة واضحة وإشارة حسنة ، ويقضي منه بالعجب العجاب ، يتكلّم بعبارة الناس الجارية بينهم ويبيّن لهم بلسانهم ، فيفهم عنه العالم والأميّ والفطن والغبيّ ، ويبيّن لهم مراتب الدين ومقامات اليقين ، ويُريهم الطريق الموصلة إليها والمقدّمة المنتجة لها ، يبيِّنها مقالا ويبثّها في القلوب حالا ، فيبيّن التوبة وكيفيتها وما يوصل إليها ، والزهد وسببه والشكر والصبر وكيفيتهما ، والرضا والمحبّة وكيفيتهما ، وتَرْك التدبير والاختيار مع الله ، وهذان الأخيران عُمْدَة كلامه ومدار مرامه ، ويبرهن على ذلك بما لا يجهله أحد ، ويبيّن مواقع ذلك ممّا يعلمه كلّ أحد حتّى يعلم ذلك علمًا ويحصل ذوقا وفهما ويباشر القلب يقينا وجزما ، ذلك ديْدنه وشعاره ودأبه وتسياره ، ناصح للعباد حريص على الهداية لهم والإرشاد ، يصرف وجوه الغافلين بالوجهة إلى الله ويوقظهم للتوبة ويُحيي قلوبا أماتَها الهوى بمدد الإيمان ونور المحبّة ، ويتلو عليهم ما ورد فيها آية آية وحديثا حديثا ، وكم من واحد تاب على يديه ورجع عن سوء عمله بعد أنْ كان منهمكا في عصيانه مستغرقا في الغفلة سائر أحيانه ، وما أشدّ اعتناءه بطالب التوبة ، فإذا جاءه صَرَفَ كليّته إليه وأشفق منه وعطف عليه ، ويذكر حديث
«
لَلّهُ أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها
»
، ويقول : " أنظر كيف أكّد أمرها اهتمامًا بشأنها " فكرّرها في موضع واحد مرّتين فقال تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ
إلى قوله :
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
(2)
، وانظر هذه الرحمة منه سبحانه لعبده حيث لا يريد أنْ يعذّبه بالمعصية وإنّما يريد أنْ يتوب عليه ليرحمه " ، فما أوسع هذا الإفضال وأجزل هذا النوال من الكريم المتعال . وكثيرًا ما يحذّر من مخالطة أقران السوء وغيرهم ، يحذّر منها الغافلين مخافة أنْ يزدادوا بها غفلة ، والمنتبهين مخافة أنْ يصدّوا عمّا هُمْ بصدده ، ويلجأ في ذلك كلّه إلى الملك الدّيان ، ويستشهد كثيرًا بقوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل
»
، ويقال : " إختر لصحبتك من أطاع فإنّ الطباع تسرق الطباع " .
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
(3)
، وكلّما طلب زيادة معرفة أُعطوها لاضطرارهم في طلبهم بمشاهدتهم التقصير من أنفسهم في كلّ شيء ، وبقدر شهود التقصير يقوى الاضطرار إلى العالم القدير ، ومِن بديع صنعه في الخطاب أنّه إذا أرشد أحدًا إلى مولاه ونبّهه عن غلطه وهواه أرشده برفق ولين ولاطفه بخطاب مبين والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . ويحذّر من المعاصي القلبية كالكبر والعجب والرّياء والسمعة ونحو ذلك أكثر ممّا يحذّر من الظاهرة ، ويقول : " إنّها خفيّة والأخرى لا تخفى " ، ويبالغ في تقبيح العجب والكبر ، ويقول : " إنّ صاحباهما ممقوت وهُمَا مِن أعظم المعاصي القاطعة عن الله عزّ وجلّ وأعظم دليل على هذا قصّة آدم عليه السلام ومخالفة إبليس حين أمر بالسجود فأبى واستكبر ، هذا تاب عليه ربّه وهداه وهذا طرده من رحمته وأرداه " . ويحذر كثيرًا من الدعوة الكاذبة ويقول : " إنّ صاحبها يُخشى عليه والعياذ بالله من سوء الخاتمة " عفانا الله من ذلك بِمَنِّه وكرمه ، فإذا تحقّق الإنسان بأوصافه الناقصة عَلِمَ أنّ الأوصاف الكاملة إنّما هي لله سبحانه ، فإذا تحقّق بعجز نفسه تحقّق بوصف القدرة لربّه ، يعلم أنّه القويّ بقهره ، ويبين تعريفات الحقّ سبحانه وتعالى للعبد في نفسه ويتلو قوله تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ
(4)
ويقول : " إنّ في كلّ حال من أحوال العبد دلالة على ربّه ، وإنّ الله سبحانه وتعالى خلق العبد وأحاط به العجز في حركاته وسكناته وسائر أحواله وتقلّباته ، فإذا جلس أعياه الجلوس وإذا قام أعياه القيام وإذا أطال النوم ملّ وإذا أطال التيقّظ اضطرّ إلى المنام وإذا توكّأ أعياه التوكّؤ وإذا أكل أثقله الشبع وإذا ترك الأكل جاع ، وقِسْ على هذا ليكون مفتقرا في كلّ أحواله إلى مولاه ويعترف بقدرة سيّده وغناه وينفض يده من كلّ ما سواه تعرّفا منه سبحانه إليه وجمعا له لو شعر عليه ، فسبحان الحكيم العليم الذي أحاط بكلّ شيء علمه ونفذ في كلّ شيء أمره وحكمه " . ويبيّن الشيخ رضي الله عنه كيف تعرّف سبحانه وتعالى بهذه الأمور التي تتوارد عليهم من شدّة ورخاء وعافية وفتنة وخوف وأمان ومرض وصحّة ، وتحوّل حال القلب مِن قبض وبسط وعزم ونقضه ، ويتلو قوله تعالى :
سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
(5)
ويقول : " إنّ النّاس إذا كانوا في شدّة أحسن منهم إذا كانوا في عافية لو كانوا يعملون لأنّهم إذا أوسعتهم النعم كانوا غافلين لاهين ساهين فإذا مسّتهم الضرّاء اضطرّهم ذلك إلى دعاء مولاهم جبرا ولا تمكنهم الغفلة حينئذ كما أمكنتهم مع النعمة مجالهم حينئذ أحسن لوقوفهم بباب مولاهم وسؤالهم منه دفع بلواهم " . ويذكر قوله تعالى :
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ
(6)
. ويعلّم النّاس اليقين ويُريهم كيف يعرفونه ويتوصلون إليه ، ويقول : " أليس الله بكافٍ عبده ؟ أليس الله برحيم للعباد ؟ ألم يُحسن إلينا سائر عمرنا ؟ فما بالنا نتّهمه ؟ ولو أقسمت على الله سبحانه باسمه العظيم الأعظم أنْ لا يعطيك ما كان قسم لك لأعطاك إياه ، ولو طلبت ما لم يقسمه لك لم تنله أبدا ، جفّ القلم بما أنت لاقٍ " ، ويقول : " إنّ الله يختبر العبد بالفاقة وبتيسير شيء من غير محض الحلال فإذا صبر قليلا فتح له فتحا لم تصبه خصاصة بعده " ، ويقول : " إنّ الشيء إذا أطلق على الإنسان من عند الله وبتسخير منه دام استمراره ولم ينقطع ، ويقرِّب ذلك بالتمثيل بالأمور المشاهدة ، ويدلّ برحمة الله على الله ويعرّف الناس إيّاها ، ويقرّب ذلك للإفهام برحمة الوالد للولد ، ولا يخفى على أحد ، فتكون شفقته عليه من شفقة الله لعباده ورحمته إيّاهم " ، ويذكر حديث :
«
الله أرحم بعباده من هذه بولدها
»
. ويذكّر النّاس بنعمة مولاهم وما خوّلهم وأولاهم ، يرشد بذلك إلى محبّةً الله سبحانه والحياء منه أنْ يُعصى بسبب ما أسداه لعبيده وما يُجريه عليهم دائما أبدا من أفضاله وإحسانه ، ويتلو :
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً
(7)
ويُكثِر الكلام في ذلك جُلّ أوقاته وغالب أحيانه ، ويبيّن ما هو مستمرّ على العبد دائما وأبدا من نعمةِ النفع والدفع والمحسوسة والمعنوية والظاهرة ويفصِّل كلّ ذلك تفصيلا ويأتي عليه بيانا وتحصيلا ، فيبيّن أنّ الإيمان بالله ورسله من النعم الباطنة الدائمة المستمرّة على العبد وأنّ الله يمدّه به لحظة لحظة ويمسكه سبحانه عليه كلّ خطرة خطرة ، ولم يسلّط عليه فيه شيطانا مريدا يفسده عليه ولا جبّارا عنيدا يسلب عنه ما منّه لديه عناية منه سبحانه ورحمة وفضلا ونعمة ، ولو سلّط الشيطان على إفساده كما سلّطه على إفساد الأعمال لكفر كثيرًا من النّاس بعد إيمانهم وانقلبوا بعد ربحهم إلى خسرانهم ، ولكنّ الله امتنّ على الإنسان بحفظه كما امتنّ بتخصيصه بسابق الفضل والإحسان ، وبأيّ سبب استحقّ العبد هذه النعمة حيث أُعطِيهَا يوم قُدِّرَت المقادير وقسمت القسم حيث لا وجود لذاته هناك ولا عمل يتقرّب به إلى مُعطِيهَا ولا شيء يُدلِي به ويستند إليه ؟ بل هو محض الجود والامتنان والفضل والإحسان . ولو شعر الإنسان بهذه النعمة العظمى وعرفها لاستغرقه الفرح بالله واستولى عليه سلطان المحبّة والشغف بهذا المُعطي الكريم والمولى العظيم الذي خلق فهدى وتفضّل وأعطى وخصّص أزلا واجتبى . ولا يزال رضي الله عنه في محافله يَعُدُّ نِعَمَ الله على عبده المتّصلة والمنفصلة وما ناوله منها في أرضه وسمائه ، ثمّ يتلو :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا
(8)
، والناس كلّهم غرقى في بحر النعم إلاّ أنّهم لا يشكرون ،
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ
(9)
، وإذا أراد الله بعبد خيرا وأن يجعله من خواصّ عباده عرّفه ما عليه من النعم وألْهمه شكرها ولم يزد شيئا على ذلك يكون به مخصوصا ، فكلّ النّاس مُنعَمٌ عليه ، والمخصوص من شاهدها ، ويقول : " الشكر باب الله الأعظم وصراطه الأقوم ، ولهذا قَعَدَ الشيطان بسبيله يصدّ عنه المؤمنين " . ثمّ يذكر شاهداً على ذلك ، قوله تعالى حكاية قول اللعين :
لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
(10)
ويقول : " اقرب الأبواب إلى الله باب الشكر ، ومن لم يدخل في هذا الزمان منه لم يدخل لأن النفوس قد غلظت يعني فلا تتأثر برياضة ولا بطاعة ولا تنزجر بمحاسبة ولا بمناقشة ، فإذا استغرقها الفرح بالنعم غابت عن ذلك كلّه وطَوَتْ مسافاتها ، وكلّ وَعْدٍ في كلام الله نجده مقرونا بالمشيئة إلاّ الشكر ، فقال تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
(11)
وأكّده بلام القسم ونون التوكيد " ، ويقول لنا عندما يتلو هذه الآية : " هذه اللاّم هنا للقسم ؟ " - كأنّه يستفهمنا - فنقول له : " نعم " . ويقول : " أنظر كيف قدّم الله الشكر على الإيمان اعتناءً بشأنه ، فقال :
مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ
(12)
" ، وربّما عبّر به عن الإيمان وفسّره به كما تشير إليه المقارنة في هذه الآية فيقول : " الإيمان هو الفرح بالمنعم " فيجعل الفرح الذي هو شكر القلب إيمانا ، ولا إشكال أنّ الإيمان لا يكون حقيقيا إلاّ معه إذ هو نتيجته ولازمه ، وقد يكون العطف في الآية للتفسير فيؤخذ منه قاله رضي الله عنه من أنْ الإيمان هو الشكر ، ولو عرف الإنسان حقيقة الشكر لمليء قلبه وطار عقله محبةً في الله وسرورا وفرحًا وحبورًا ، جُبِلَت القلوب على حُبّ مَن أحسن إليها وما أحسن إليك في الحقيقة إلاّ ربّك وهو الذي سخّر لك قلوب عباده ، فلو شاء لعكَس فلم ينفعوك بشيء ، يدلّ بذلك كلّه على شهود النعمة من الله ويرقى من شهود الواسطة إلى المنعم سبحانه وأنّه لا مُنعم إلاّ هو ولا مُحسن ولا نافع سواه ، وأنّ غيره لا يملك لنفسه فضلا عن غيره ضرّا ولا نفعا ولا جلبا ولا دفعا ، يعاملك ويأخذ بيدك فإنّما ذلك لعلّة وغرض ، حتّى العارف إذا أخذ بيدك ورحمك إنّما فَعَلَ معك ذلك لأجل مولاك ، فإنّما راعاك لوجهه فذلك لعلّةٍ ، إلاّ الله سبحانه وتعالى إنّما يعاملك ويرحمك فضلا وإحسانا وكرما وامتنانا لا لأمر سابق ولا لشيء لاحق إنّما هو محض جود من واجب الوجود ، فلا ينبغي للعبد أنْ يعرف إلاّ مولاه وأن لا يرى إلاّ إحسانه ورحماه ، فهو الذي أحسن إليه وأجرى مننه عليه يحبّب بذلك كلّه العبد في مولاه ويرشده أنْ لا يطلب سواه ولا يلتفت بقلبه لما عداه ، وأن يجمع المطالب كلّها في مولاه ولا تتعلّق له همّة بسواه . ويدلّ على الله وحده وعلى توحيده خالصا وعلى محبّته صرفا ويقول : " ينبغي للعبد أنْ لا يطلب إلاّ مولاه مخلصا لا لِحَظٍّ عاجل أو آجل ، فإذا طلبه كذلك حصل له في ضمنه الدنيا والآخرة ، وفَرْقٌ بين من يطلبك ومن يطلب لك فليس مَنْ أتاك زائرا ثمّ قال : أردتُ منك كذا وكذا كَمَنْ أتاك محبّةً فيك ورغبة في رؤيتك لا لشيء آخر ، شتّان بينهما " . فيصرف رضي الله عنه من الملحوظ والحظوظ وكلّ ما يُشْعِرُ بالشعور بالنفس ويتلو قوله تعالى :
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ
(13)
ويُسَمِّي العمل على الحظّ شركًا ، ويتلو على طريق الإشارة :
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
(14)
، وكثيرًا ما يتكلّم فيه فيرشد إلى المحبّة ويقول : " أصل كلّ شيء وأساسه المحبّة وهو قوله تعالى في الحديث القدسيّ :
«
كنتُ سمعه
»
" وأصل سبب المحبّة هو شهود الحُسن والإحسان وبها يرتقي درجة الإيمان ، وما تكلّم رضي الله عنه في فنّ من فنون الطريق إلاّ أشار في كلامه إليها ودلّ بحاله ومقاله عليها ، وحضّ على التقرّب للمحبوب والتودّد والتملّق والتواضع له ، والتذلّل والانقياد له ، وكثيرًا ما ينشد قول القائل :
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
(15)
،
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ
(16)
وقوله:
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
(17)
وقوله:
مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
(18)
ويقول : " إنّما يدبّر من يعلم عواقب الأمور ومن لا يعلمها كيف يدبّر وأيّ شيء يدبّر ؟ " كما في بعض الآثار القدسيّة :
«
ابن آدم تريد وأريد ولا يكون إلاّ ما أريد فإنْ سلّمت لي فيما أريد أعطيتك ما تريد وإن نازعتني فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثمّ لا يكون إلاّ ما أريد
»
. ويعدّ التدبير مع الله من الشرك لأنّه تعالى منفرد بالإيجاد والتدبير ألاَ له الخلق والأمر ، فمَنْ دبّر في ملكه شيئا فقد تعدّى ونازع أحكام الربوبيّة ، فمن دبّر لنفسه عاد تدبيره عليه وبالا ، ويدلّ على الرضا بفِعْل الله والتسليم لأحكام الله لأنّه سبحانه الحكيم وبأنّه الرحيم ، فإذا ذكرت له حادثة ألمّتْ ومصيبة نزلتْ قال : " مِنْ أسمائه سبحانه الحكيم ، والحكيم هو الذي لا يفعل الشيء إلاّ لحكمة ولا تخلو أفعاله عنها أبداً ، ولو كشف للعبد عن أسرار القدر لرأى تلك الأفعال التي هي في الظاهر نقمة على غاية ما يكون من الإحكام و الإتقان ، وأنّها لا ينبغي أنْ تكون إلاّ كذلك ولا يختار لنفسه غيرها ، وتنزل النازلة بالعبد هي في ظاهرها مصيبة وفي باطنها رحمة ينقذه الله بها ممّا هو أشدّ مثلا أو يدفع عنه بها فتنة في دينه ، والله ما قضى الله لعبده المؤمن قضاء إلاّ كان خيرا له " . ويدلّ على الله بأسمائه وشهود صفاته ويقرّر ذلك بما يبهر العقول وتعجز عنه النقول ممّا لا يصل فَهْمُ مثلي إليه ويقول : " أن بوصف واحد منها موجب للتحقق بجميعها ومستلزم له " ، ويأتي على تبيينه حتّى يصحّ بنوره للأفهام ثمّ يتجاوز ذلك إلى مرتبة أعلى منها وهي شهود الذات العليا والغيبة فيها ، ويقول : " شهود الصفات حجاب عن شهود الذات " ، وكثيرا ما يتكلّم في هذا المعنى وفي البقاء بعد الفناء ومحو أوصاف العبد بظهور أوصاف ربّه فيه ، ويستشهد بالحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :
«
من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها
»
، وفي روايةٍ
«
كُنْتُهُ
»
، وهذه الرواية أصرح في وجه الشاهد ، والله أعلم ، ويقول : " إنّ الوقوف عند كلّ مقام من المقامات يوجب القطع عن المقصود " ثمّ يتلو قوله تعالى :
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى
(19)
، ويرحم الله القائل حيث قال :
إنتقل إلى فهرس الباب الرابع >>
