فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ
،
والعجب في قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
عجب ربّك من قوم يُقادون إلى الجنّة بالسلاسل
» ،
وبقوله في الحديث :
«
يعجب ربّك من شاب ليست له صبوة
» ،
وكذلك النظر الوارد في بعض الأحاديث ، حيث يقول صلّى الله عليه وسلّم :
«
إذا قال العبد لا اله إلاّ الله فتق اللهالسموات حتّى ينظر إلى قائلها
»
الحديث ، ويقول محمّد بن الحنفيّة رضي الله عنه : إنّ لله في خلقه في كلّ يوم ثلاثمائة وستين نظرة ، ولم يقلها إلاّ من الحديث لا من تلقاء نفسه ، فإنّه لا يقدر على ذلك ، وبقوله في الحديث
«
إنّ إسرافيل جاءه يوما قال له قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله ملء ما علم وعدد ما علم وزنة ما علم قال له صلّى الله عليه وسلّم ما ثواب من قال هذه الكلمات قال له إسرافيل من قالها مرّة واحدة كتب له ستّ خصال أوّلها كتب من الذاكرين الله كثيرا وكانت له غرسا في الجنّة وتحاتت عنه ذنوبه كالورق اليابس عن الشجرة ونظر الله إليه ومن نظر الله إليه لم يعذّبه وكانت أفضل من ذكره بالليل والنهار
» ،
قلنا ، وجه الشاهد في هذا أنّ نظر الله إليه ومن نظر إليه لم يعذّبه ، ونظر الله دائما
إلى الموجودات في كلّ فرد فرد ، وهذا النظر هو نظر خاصّ غير النظر المتقدّم ، يقول أهل الحقائق : النظر الأصلي هو عين الصفة ، يقولون : إنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، وهذا النظر المذكور في الحديث هو بعين الإضافة لا بعين الصفة ، وكقوله سبحانه وتعالى في الآية :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا
إلى قوله :
وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فإنّ هذا النظر ليس هو عين الصفة ، وإنّما هو عين الإضافة ، وكذا الضحك وارد في حقّه سبحانه وتعالى في قوله في الحديث الطويل للأعرابيّ الذي كان يسأله فأخبره عن شدّة القحط والجدب ، قال صلّى الله عليه وسلّم :
«
يشرف عليهم أزلين يظلّ يضحك
» ،
يعني من قنوطهم ،
«
يعلم أنّ خيره قريب
» ،
وكقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الآخر ، في الرجل الذي هو آخر من يخرج من النار جهينة أو هنا .
ويقول في الحديث :
«
يستغيث الرجل من النار في آخر أمره يقول ربّ قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فأخرجني من النار برحمتك فيقول الربّ تعالى أرأيت إن أخرجتك منها أتسأل غيرها فيقول لا فيطلبه ربّه بالعهود والمواثيق أن لا يسأل غير الخروج من النار فإذا أخرجه منها وأجلسه قريبا منها يشتكى إلى الله ضررها و حرّها فيقول ربّ أبعدني عنها فيقول الربّ سبحانه وتعالى ألست أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الخروج منها فيعتذر بضررها بقربها فيقول الربّ سبحانه وتعالى أرأيت إن أبعدتك عنها أتسأل غير ذلك فيقول لا أسأل فيطلبه ربّه بإعطاء العهود والمواثيق أن لا يسأل غير البعد عنها فيبعده الله عنها بحيث أن لا يراها ولا يسمعها ولا يشمّ ريحها ، فتكون الجنّة بادية له من بعد فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثمّ يقول ربّ قرّبني من الجنّة فيقول الربّ جلّ جلاله ألم تعط عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير البعد عن النار ، فيقول أي ربّ لا أكون أشقى خلقك فيقول الربّ ويحك يا ابن آدم ما أغدرك ثمّ يقول الربّ أرأيت إن قرّبتك
من الجنّة أتسأل غيرها فيقول لا فيأخذ عليه العهود والمواثيق فيقرّبه الله إلى الجنّة فإذا نظر إليها واتّضح إليه أمرها وشمّ روائحها سكت ما شاء الله أن يسكت ثمّ قال ربّ قرّبني إلى باب الجنّة فيقول الربّ جلّ جلاله ويحك ألم تعط عهودك أن لا تسأل غير القرب منها فيقول أي ربّي لا أكون أشقى خلقك فيقرّبه الله إلى باب الجنّة فيرى أهل الجنّة وما هم فيه يرى ذلك تحقيقا فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثمّ يقول ربّي أدخلني الجنّة فيقول الربّ سبحانه وتعالى ويحك ألم تعط عهودك أن لا تسأل غير القرب من بابها فيقول ربّ لا أكون أشقى خلقك فيقول الربّ ويحك يا ابن آدم ما أغدرك ثمّ يدخله الجنّة فإذا رأى الخلق يتنعمون في أملاكهم ولا نصيب له فيها أخذه ما يأخذ أمثاله من التضرّر برؤية ذلك حيث يقول يا ربّ أرزقني منها شيئا فيقول ألم تعط عهودك أن لا تسأل غير الدخول إليها فيقول ربّ لا أكون أشقى خلقك فيقول الربّ سبحانه وتعالى ويحك يا ابن آدم ما أغدرك ثمّ يقول له الربّ سبحانه وتعالى ما تريد منها فيذكر له ما يريد من تمتّع أمثاله فيقول له سبحانه وتعالى تمنّ فيها ما تريد فلا يزال يتمنّى حتّى تنقطع به الأماني ثمّ يقول هذا غاية ما أتمنّى فيقول له سبحانه وتعالى لك هذا وعشرة أمثاله فلا يطمئنّ قلبه لذلك فيقول أتهزأ بي وأنت الملك فيضحك الله منه ثمّ يظهر ذلك كلّه ويقول له هذا الذي تمنّيت وعشرة أمثاله
»
.
ووجه الشاهد في هذا هو الضحك منه سبحانه وتعالى ، وبقوله في الخبر : في الجنّة التجلّي حيث يتجلّى فيها ربّنا ضاحكا ، وظواهر هذه كلّها مستحيلة على الله تعالى وإنّما هي من الكناية الالهيّة ، وكذلك الغضب والسخط ، وكذلك المحبّة منه سبحانه وتعالى ، الذي يستحيل ظاهرها على الله تعالى ، وإنّما هي عبارات تنبئ عن أمور مكتومة في جانب الحقّ سبحانه وتعالى لا تعرف ، ليس فيها إلاّ التسليم لما يسمع .
وافترق الناس فيها على فِرَقٍ ، فطائفة خاضوها بالتأويل بعد صرف ظواهرها عن الله تعالى ، وطائفة من أهل العلم أحالوا ظواهرها وفوّضوا أمرها إلى الله تعالى وسلّموا الأمر إلى الله تعالى في حقائقها فلم يخوضوا فيها بشيء ، وبعض أهل العلم تكلّموا في حقائقها ، ولكن بإشارة دون تصريح . قال العارفون بالله : من دخل منهم أرض السمسمة انكشفت لهم حقائق تلك الصفات المشكلة ، ونظروها عيانا ، فلم يبق لهم إشكال بعدها ، لكن لم يتكلّموا بها ، لأنّ تلك الأرض من جبلها ارتفع التلبيس عن جميع الإشكالات في أيّ علم كان .
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
،
وصاحب البلايا والمحن يريد الجنّة بغير تشويش ولا تعويق ، ومقتضى الأمر في هذا أن يكون العبد هو الذي يطلب البلايا والمحن لما ذكرنا فيها ، فكيف يفرّ منها إذا وردت عليه ؟ فهذا غاية العجب .
لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ
،
المراد بالنظر ههنا هو النظر الخاصّ بحكم العناية والمحبّة .
قال محمّد بن عليّ بن الحنفيّة رضي الله عنه : إنّ لله في خلقه في كلّ يوم ثلاثمائة وستّين نظرة ، والمراد بهذه النظرات هي فيوض الرحمة الإلهيّة التي يفيضها على خلقه من سوابغ فضله فيصيب بها من يشاء ويمنعها عمّن يشاء ، فهذا هو النظر ، والمراد به نظر العناية والمحبّة لمن شاء من عبيده ، فمن أصابته نظرة من هذه النظرات فقد سعد ، فهذا هو النظر . وكقوله في الحديث الآخر :
«
ما قال عبد لا إله إلاّ الله إلاّ فتق الله السموات حتّى ينظر إلى قائلها
» ،
فهذا هو الحديث ، وتعالى الله أن تحجبه السموات عن النظر إلى العبد ، وإنّما هذا النظر هو فيض الرحمة الإلهيّة على العبد ، وهو رحمة خاصّة من عنده لخواصّ عباده تخرق السموات وتنزل إلى صاحبها ثمّ يدّخر له ثوابها . والنظر ههنا قلنا هو نظر الرحمة والعناية لا نظر الصفة ، فإنّ بصر الحقّ سبحانه وتعالى كلّ الخلائق منكشفة لبصره لا يخفى عليه شيء ، وهذا النظر الذي قلنا وفسّرنا به الحديث هو المنفيّ في الآية بقوله سبحانه وتعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ
إلى قوله :
وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
الآيـة .
والنظر ههنا نعني به هنا نظر رحمة منه سبحانه رفعه عن هذه الطائفة المذكورة في الآية ، فلا ينظر إليهم نظر الرحمة ، كنّى بذلك عن شدّة غضبه وشدّة عقابه بقوله :
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
.
لكن نفيَنا نظر الرحمة يعارضنا قوله سبحانه :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
فتلك الرحمة العامّة هي للمعذّب وغيره حتّى لأهل النار ، وهذه الرحمة الخاصّة التي ينظر بها لخلقه فهي المقيّدة بقوله :
فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
الآية ، فإنّ صاحب هذه النظرة لا يناله عذاب من النار ، ولا تفضح مساويه في موقف القيامة ، بل يكون من الطائفة الذين إذا عرض أعمالهم عليهم استحيا العبد من ذلك يقول له سبحانه وتعالى : أنا سترتها عليك في الدنيا فلا أؤاخذك بها اليوم ، إذهب فقد غفرت لك . أو كما يقول ممّا هذا معناه . فهؤلاء هم الذين نظر الله إليهم في الدنيا بنظر الرحمة والمحبّة والعناية ، جعلنا الله منهم جميعا بمحض فضله وكرمه . فهذا هو النظر المذكور في الحديث .
وقد قال في حديث التسبيح :
«
ومن نظر الله اليه لم يعذّبه
» . اهـ .
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
،
ولهذا الأمر وقع الاستواء بهذا الاسم على العرش ، لقوله تعالى :
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى
،
كما أنّه سبحانه وتعالى استوى على حقيقة الإنسان باسمه الله ،
فكان الإنسان هو عرش الله لاستوائه باسمه الله ، وليس في الوجود موجود يستوي عليه سبحانه وتعالى بهذا الاسم الشريف إلاّ هذا الانسان ، وهو الذي أطاق حمله ، وليس في الوجود من يطيق حمل التجلّي بهذا الاسم إلاّ الإنسان . كما أنّه سبحانه وتعالى استوى على الحقيقة المحمّديّة بالاسم الأعظم الكبير الذي لا تعرف له كيفيّة ولا يطيق حمله في ذلك إلاّ هو صلّى الله عليه وسلّم ، فهو محلّ استوائه صلّى الله عليه وسلّم .
قلنا ، الرحمن هو محيط بكليّات الوجود ، و به استوى على العرش لأنّ في العرش نسب جميع الموجودات ، فلذا استوى عليه باسمه الرحمن ، ونسبة العرش بين الموجودات ، لشرفه ، كنسبة القطب بين العالم . وقد ورد أنّ العرش سأل الله تعالى ، قال : يا ربّ لماذا خلقتني ؟ قال الله سبحانه وتعالى : لتقي عبادي من نور الحجب . اهـ .
أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. و لا يصعب عليك احتجاب الصفات ، فإنّ الربّ سبحانه وتعالى جعل الحجب دون صفاته كلّها ، فاذا رفع الحجاب عن صفة من صفاته حجب غيرها من الصفات ، فإنّه إذا تجلّى بصفة الرحمة الإلهيّة على العبد ، غطّى عليه صفة الانتقام والقهر ، وضرب الحجب دونها لما فيها من الانزعاج والخوف ، وهكذا عكسه ، وهكذا جميع الصفات كلّما تجلّى بصفة من صفاته ضرب الحجب دون الصفات الأخرى ، فلا يتجلّى بجميع صفاته التي اتّصفت بها ذاته في الآن الواحد ، فلا يتأتّى ، متى تجلّى بصفة من صفاته غطّى غيرها من الصفات ، وكذلك من طلع الترقّي من الرجال في كلّ مقدار طرفة عين يكشف له عن صفاته وأسمائه ما لا حدّ له ولا غاية ، والباقي في حجاب ، وهكذا في عمر الآخرة الأبدي يرفع له الحجب عن صفاته وأسمائه والباقية محجوبة ، وهكذا فما في الوجود كلّه مخلوق يطيق حمل تجلّيه بجميع صفاته وأسمائه في الآن الواحد ، فلا يطيقها مخلوق أصلا ، فإذا عرفت هذا عرفت أنّ صفتيّ الضحك والفرح من الله كانتا محتجبتين بالحجب ، فإذا أراد التجلّي بهما رفع الحجب عنهما وتجلّى بهما الفرح أو الضحك ، والمراد بهما أن يبذل عند التجلّي ، بواحدة منهما ، ما لا حدّ له ولا غاية من الخيرات ، ويمنع من الشرور والمضارّ ما لا حدّ له ولا غاية ، فهذا غاية التجلّي بهما . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . اهـ . من إملائه علينا من حفظه ولفظه والسلام ، وبالله التوفيق .
الصفحة الرابعة >>