في الأحاديث النبويّة وعلومه الاختصاصيّة المصطفويّة - الصفحة الرابعة .
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث :
«
ينزل ربّنا كلّ ليلة إلى سماء الدنيا...
»
الخ الحديث .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ
للحقّ سبحانه وتعالى في مرتبة ذاته نسبتين : نسبة الكُنْهِ ، وهذه المرتبة بعيدة عن التغيّر بالزمان والمكان والنسب والإضافات والجهات والتوجّهات ، لا تقبل شيئا من هذه النسب لا ظاهرا ولا باطنا ولا حقيقة ولا مجازا ، والنسبة الثانية : نسبة التنزّل ، إمّا بالنيابة وإمّا بالرحمة والفضل ، وإمّا بالغضب والبطش ، وإمّا بالاشتراك .
فأمّا نسبة النيابة فهو مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم:
«
السلطان ظلّ الله في الأرض
»
ومعناه ينوب عن الله سبحانه وتعالى بإيقاع الخير والشرّ لإصلاح الأرض ، كلّ بما يختصّ به من أهله ، و كقوله سبحانه وتعالى :
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً

فهذا تنزّل النيابة .
وأمّا تنزّل الرحمة والفضل ، مثل ما قيل في الحجر من أنّها يمين الله في الأرض ، يريد مَن قبّلها كأنّما قبّل يد الحقّ سبحانه ، بمعنى أنّه ينغمس في بحر الرحمة والفضل ، وكقوله :
«
ينزل ربّنا كلّ ليلة إلى سماء الدنيا
»
، فهو من هذا القبيل تنزّل الرحمة والفضل ، كما يقول في آخِر الحديث :
«
هل من داع يدعوني فأستجيب له هل من مستغفر يستغفرني فأغفر له هل من تائب يتوب فأتوب عليه هل من سائل يسألني فأعطيه
»
وكما في البيت الحرام ، حيث جعلها خاصّة به ، معناه أنّه تنزّل فيها برحمته وفضله، لتكون له حِمَى ، مَن لاذ بحماه استوجب رضاه وعفوه من الطائفين به ، فإنّه كساها كسوةَ عظمته وجلاله ، فإنّ مَن رآها ذلّ لها وخضع لِمَا كُسِيَت به من العظمة والجلال ، وكساها كسوةَ رحمته وفضله بما ثبت في الخبر أنّه ينزل عليها في كلّ يوم مائة وعشرون رحمة ، منها ستّون للطائفيين ، وأربعون للمصلّين ، وعشرون للناظرين ، وكساها كسوة البطش والغضب لمن أرادها بسوء ، فإمّا أن يعجّل هلاكه في هذه الدار ، وإمّا أن يدّخر له من شدّة العذاب وأليم النكال في الآخرة ممّا لا حدّ له ولا غاية . وهذه تنزّلاته فيها ، وأوّل ما وقع عليه نظر الله تعالى من الأرض هي بقعة الكعبة وموضع قبره صلّى الله عليه وسلّم قبل بساط الأرض ، والنظر ههنا عين الإضافة لا عين الصفة ، فإنّ عين الصفة لا أوّليّة لها على شيء ، فإنّه ينظرها في الأزل قبل وجودها كصورة نظره إليها بعد وجودها لا يختلف عليه الحال ، وهذا خلاف ما عليه الجمهور من المتكلّمين ،
فإنّ مذهب الجمهور أنّ السمع والبصر لا يتعلّقان إلاّ بالموجودات دون المعدومات . وأمّا نظر الله تعالى إلى العالم بعين الإضافة فهو نظره إليه بعين الرحمة والتعظيم والإجلال والمحبّة ، وكانت الأشياء في هذا النظر مختلفة والقِسَمُ فيها متباينة . وقد روي عن محمّد بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّه قال : إنّ لله في خلقه في كلّ يوم ثلاثمائة وستين نظرة . فهذه النظرات كلّها بعين الإضافة ، والمراد بها المنح التي يمنحها والفيوض التي يفيضها من خزائن فضله ، وأطلق عليه اسم النظر مجازا ، وكان محلّ نظر الله تعالى من الأرض روضته التي ضمّت جسده الشريف صلّى الله
عليه وسلّم والكعبة الشريفة ، هذا محلّ نظره من الأرض ، كما أنّ الإنسان الكامل هو محلّ نظر الله تعالى من العالم في وقته ، كما أنّه صلّى الله عليه وسلم محلّ نظر الله تعالى من جميع الوجود ، من الأزل إلى الأبد .
وأمّا تنزّله بالغضب والبطش ، والعياذ بالله ، مثل قوله تعالى :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ

الآية . ومعلوم أنّه ما سلّط عليهم إلاّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه .
وأمّا تنزّل الاشتراك ، مثل قوله سبحانه وتعالى :
وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا

،
فإنّه في ذلك المقام يظهر فضله ورحمته على طائفة ، ويظهر بطشه وغضبه على طائفة في مقام واحد وآن واحد ، فإنّه مِن تنزّل الاشتراك ، وكقوله في التوراة : [[
جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساغين واستعان من باران ]] طور سيناء هو محلّ نزول التوراة بما فيها من الأحكام الإلهيّة والشرائع ،
و ساغين هو محلّ نزول الإنجيل بما أظهر الله فيه من الأحكام الإلهيّة والشرائع ، وباران هي جبال مكّة وهي محلّ نزول القرآن بما أظهر الله فيه من الأحكام الإلهيّة والشرائع . وعبّرعن ذلك بمجيء الحقّ سبحانه وتعالى وظهوره فإنّه مِن تنزّل الاشتراك، لأنّ كلّ شرع من هذه الشرائع الثلاث مشتمل على تنزّل الرحمة الفضل على طوائف ، وعلى تنزّل الغضب والبطش على طوائف . ومِن تنزّل الاشتراك قوله في الحديث القدسيّ :
«
ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن
»
، فإنّه تنزّل فيه بالتجلّي بجميع صفاته وأسمائه ، جلالا وجمالا واشتراكا ، فضلا منه ورحمة وجودا في عبده ، وهذا خاصّ بالآدميّ ، وهو العارف بالله فقط ، ولم يتجلّ الله في كلّ ذرّة من ذرّات العالم إلاّ بإسم واحد ، ولم يتجلّ بإسميْن في ذرّة واحدة ، وبعبارة : لم يتجلّ ربّنا بإسم واحد في حقيقتين ولا بإسميْن في حقيقة واحدة ما عدا الإنسان ، وهذا معنى قوله في الحديث .
وأمّا تنزّل الحقّ سبحانه وتعالى فله تنزّلان . التنزّل الأوّل تنزّل الوجود ، والثاني تنزّل الإمداد .
فأمّا التنزّل الأوّل فهو تنزّله من مظهر الأحديّة إلى مظهر صورة الألوهيّة ، فإنّه يقال في الخبر القدسيّ عنه :
«
كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فتعرّفت إليهم فبي عرفوني
» .
فوجوده الأوّل سبحانه وتعالى ، الذي هو الذات الساذج ، لا مظهر فيه للغير والغيريّة لشدّة الغيرة منه سبحانه وتعالى ، وسطوة العزّة ، وصولة الجلال . فإنّه في ذلك المظهر له العلوّ الكامل وله الكبرياء والعظمة التامّان ، وله العزّ الشامل الذي لا يدرَك أمره ولا تعرف حقيقته ، ومن سعى من خلقه في أن يعرف ربّه في هذه المرتبة ضاع سعيه وخسر عمره وليس له منها إلاّ الخيبة والحرمان ، فإنّ هذه المرتبة هي مرتبة كُنْهِ الحقّ الذي لا يعلمها غيره ، وهذه المرتبة ،
التي هي كنه الحقّ ، تسمّى حضرة الطمس ، والعما الذاتيّ ، والبطون الأكبر ، الذي لا مطمع لأحد في درك حقيقته .
وكلّ ما فيها من الصفات العظام ، من العلوّ والكبرياء والعظمة والجلال والكرم والمجد وأشباهها من الصفة الجامعة ، فإنّ هذه الصفات كلّها صفة الذات الساذج الذي حرّم على العقول والأفكار شمّ أقلّ قليل منها فضلا عن ذوقها . وفي هذه المرتبة يقال : " لا يعلم كيف هو إلاّ هو " ، وكلّ صفة من الصفات المذكورة للذات الساذج من فوق ما يعقل ويدرك ويفهم ، ولو برز للوجود منها أقلّ من مثقال هبأة لاحترق الوجود كلّه وصار محض العدم ، فلا يطيق مخلوق العلم به في هذه المرتبة . ثمّ تنزّل سبحانه وتعالى من حضرة علوّه إلى حضرة تعاليه ، ومن حضرة كبريائه إلى حضرة تكبّره ، حيث يدرك الخلق العلم به لأنّ التكبّر والتعالي وصفان قديمان قائمان يُدرَك العلم بهما بوجود الخلق وإنْ كانا وصفين للذات ، لكنّه أظهر ما يتكبّر عليه من خلقه ، ويتعالى عنه من أوصاف خلقه ، وهذه المرتبة هي التي اقتضت منه وجود الخلق . ولا يقال إنّ هذا التنزّل حادث ، بل كان قديما وصفا من أوصاف الذات ، إلاّ أنّ وجود الخلق في هذه المرتبة التي تنزّل الحقّ إليها هو أمر اقتضاه كمال الذات العليّة ، فإنّ وصف التكبّر والتعالي وصفان من كمالات الذات العليّة .
فكما اقتضت الذات في مرتبة الكنه ، التي فرغنا منها ، عدم وجود الغير والغيريّة لعظم العزّ وعظمة العلوّ ، كذلك الذات في هذه المرتبة اقتضت وجود الخلق لأنّ وجود الخلق في هذه المرتبة هو كمالات الذات ، إذ لولا وجود الخلق ما عرف تكبّره ولا تعاليه لعدم وجود من يتعالى عنه ولا من يتكبّر عليه ، فالمرتبة الأولى هي مرتبة البطون الأكبر للحقّ ، والمرتبة الثانية ، التي هي حضرة التعالي والتكبّر ، هي حضرة ظهور الحقّ لغيره ، وهي المقتضيات لوجود الخلق . فهذه مرتبة تنزّل وجود الخلق ،واليها يشير قوله :
«
فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فتعرّفت إليهم فبي عرفوني
»
فهذه مرتبة التنزّل إلى وجود الخلق ، والمرتبة الأولى التي لا وجود للغير والغيريّة فيها هي قوله :
«
كنت كنزا لم أعرف
»
، يعني لا يعرفني غيري إذ لا غيريّة هنالك . وهذا التنزّل اقتضى وجود الخلق عموما وخصوصا ، وجملة وتفصيلا ، من أوّل وجود العالم إلى الأبد ، وهي مرتبة وجود الذوات ، أيّ ذوات الموجودات ، شقيّها وسعيدها ومرحومها ومعذّبها .
والتنزّل الثاني هو تنزّله بفيض الرحمة الإلهيّة المسمّاة بـ"النفس الرحمانيّ " ، وهي التي اقتضت ملائمة أغراض الخلق عن كلّ ما يطابق أغراضهم من الشهوات والملذوذات والمسرّات مطلقا ، هذا هو التنزّل بالرحمة التي عمّت كلّ شيء في الوجود إلا مرحوم كافره ومؤمنه .
وهذا التنزّل الثاني والتنزّل الأوّل كلاهما مجموعان في الحقيقة المحمّديّة ، فإنّها أوّل موجود أنشأه الله من حضرة العما الربانيّ ، وأوجدها سبحانه وتعالى مشتملة على جميع ذوات الوجود من الأزل إلى الأبد ، والوجود كلّه متنسّل منها ، كما أنّ آدم عليه الصلاة والسلام وجوده مشتمل على وجود ذرّيته إلى قيام الساعة ، فما في الوجود آدميّ خارج عنه ، كذلك ما في الوجود ذرّة موجودة من الأزل إلى الأبد خارجه عن الحقيقة المحمّديّة ، إذ هو الأب الأوّل للوجود كلّه ، فهذا هو التنزّل الأوّل ، وهو تنزّل وجود الذوات .
وكان التنزّل الثاني ، الذي هو فيض الرحمة الإلهيّة ، الذي اقتضاه النفس الرحمانيّ مجموع أيضا كلّه في الحقيقة المحمّديّة ، فما في الوجود رحمة تصعد أو تنزل ممّا عمّ أو خصّ إلاّ وهي نقطة من فيض بحر الحقيقة المحمّديّة ، فكما أنّه صلّى الله عليه وسلّم هو السبب في إيجاد الخلق ، كذلك هو السبب في إمداهم بالرحمة الإلهيّة . فيشار للتنزّل الأوّل ، الذي هو وجود الذوات ، بقوله سبحانه وتعالى :
قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ

،
فهو أوّل موجود عَبَدَ الله لكونه لم يتقدّمه أحد في الوجود . ويشار للتنزّل الثاني ، الذي هو النفس الرحماني ، بقوله سبحانه وتعالى :
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

، إنتهى .
وأمّا مرتبة الأحديّة فهي مرتبة كنه الحقّ ، وهي الذات الساذج الذي لا مطمع لأحد في نيل الوصول إليها ، وتسمّى حضرة الطمس والعما الذاتيّ المرموزة في قوله صلّى الله عليه وسلّم حيث سأله السائل بقوله :
«
أين كان ربّنا قبل أن يخلق السموات والأرض فقال صلّى الله عليه وسلّم كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء
» ،
وهذا العماء هو غاية بطون الحقّ حيث لا عثور لأحد على حقيقته ، وإليها يشار بقوله سبحانه وتعالى :
وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا

،
وهي مرتبة بطون الحقّ ، وهو البطون الأكبر .
وأمّا حضرة التعالي وحضرة التكبّر فهو مرتبة ظهور الحقّ لغيره . وإذا سألت عن حقيقة الأحديّة فهي مرتبة ظهور الحقّ بمرتبة تفريده في الوجود حيث لا وجود لشيء معه . والفرق بين الأحديّة والذات الساذج ، أنّ الذات الساذج لا امتياز فيها لأحديّة ولا كثرة ، إذ طمست النسب كلّها فيها ، فليس فيها اختصاص نسبة على نسبة ، وهي غاية البطون ، وهي العماء كما قدّمناه . والأحديّة تماثلها في الذات الساذج ، إلاّ أنّ فيها ظهور الحقّ سبحانه وتعالى . وأمّا الوحدة فهو تجلّيه بكمال ذاته في الحقيقة المحمّديّة ، وهي ذات ساذج أيضا تجلّى فيها
في الحقيقة المحمّديّة ، فهي تجلّيه بذاته عن ذاته لغيره في غيره ، فهذه هي مرتبة الوحدة .
وأمّا الواحديّة ، فهو تجلّيه بكمال صفاته وأسمائه في مظهريّة ذاته ، وهـو المعبّر عنه بحضرة اللاّهوت ، وهذه هي الحقيقة الآدميّة ، والفرق بين المراتب الأربع ، أنّ الذات الساذج هو تجلّيه بذاته في ذاته لذاته مع عروّ النسب ، فلا أحديّة ولا كثرة ولا وصف ، وله اسم عريّة عن النسب والإضافات ، وأمّا الأحديّة فهو تجلّيه بذاته في ذاته لذاته عن ذاته مع ظهور نسبة الأحديّة ، ومحو جميع النسب من الأسماء والصفات والكثرة والغيريّة ،
فالأولى مرتبة بطون الحقّ ، وهذه مرتبة ظهور الحقّ . وأمّا الوحدة ، فهو تجلّيه بذاته عن ذاته في الحقيقة المحمّديّة ، والحقيقة المحمّديّة هي الرائية له في ذاتها ، فهو تجلّيه لغيره في غيره . وأمّا الواحديّة فهو تجلّيه بأسمائه وصفاته في غيره لغيره ، وهي الحقيقة الآدميّة . فهذا هو الفرق بين المراتب الأربعة . والله الموفّق .
وحقيقة الذات الساذج معناها الصرف والمحض والخالص ، مثالها في الشاهد ، ولله المثل الأعلى ، مثال الشمس ، إذا غابت الشمس في الليل ظهرت النجوم ، وإذا طلعت الشمس انطمست النجوم كلّها مع وجودها ، لكنّها انطمست في نسبة الشمس ، كذلك الأسماء والصفات الإلهيّة موجودة لا يراها الرائي ويعتقلها المتعقّل إلاّ في احتجاب الذات عنه ، فاذا طلعت الذات العليّة انطمست عن الرائي لها نسب الأسماء والصفات مع وجودها ، فلا إسم ولا وصف ، وهذا هو الوجود المطلق ، والبطون الذاتي ، والعما الذاتي ، وبالله التوفيق .
وفي هذا المعنى يقول الجيلي رضي الله عنه :
فلله خلف الاسم والوصف مظهر
وعنه عيـون العالمين هواجـع
وليس يرى الرحمن إلا بعينـه
وذلـك حكـم في الحقيقة واقـع
وإيـاك لا تستبعـد الأمر إنـه
قريب على من فيه للحق تابـع
،
إنتهى ما أملاه رضي الله عنه من حفظه ولفظه .
ثمّ قال رضي الله عنه : ومجموع المراتب كلّها هو الحضرات الخمس ، الحضرة الأولى هي حضرة عالم الناسوت ، وهي مرتبة وجود الأجسام الكثيفة ، والحضرة الثانية هي مرتبة عالم الملكوت ، وهي مرتبة
فيض الأنوار القدسيّة ، وهي من السماء الأولى إلى السماء السابعة ، وهو عالم المثل ، وهو عالم الروحانيّة والأفلاك ، والحضرة الثالثة هي حضرة عالم الجبروت ، وهي من السماء السابعة إلى الكرسيّ ، وهي حضرة فيض الأسرار الإلهيّة ، وهو عالم الأرواح المجرّدة ، وهو عالم الملائكة ، والحضرة الرابعة حضرة عالم اللاّهوت ، وهي حضرة ظهور أسماء الله تعالى وصفاته بأسرارها وأنوارها وفيوضها وتجلّياتها ، والحضرة الخامسة هي حضرة الهاهوت ، وهي حضرة البطون الذاتيّ والعما الذاتيّ ، وهذه المرتبة لا مطمع في نيلها إلاّ التعلّق بها فقط ، والسلام .
وتسمية المراتب في التنزّل ، الأوّل ، وهذه مرتبة الذات الساذج ، الثاني مرتبة الأحديّة ، الثالث مرتبة الوحدة ، الرابع مرتبة الواحديّة ، الخامس مرتبة الأرواح ، السادس مرتبة المثال ، السابع مرتبة الحسّ ، ولكلّ مرتبة من هذه المراتب أسام .
أمّا تسمية الأوّل ، منها الذات الساذج ، وكنه الحقّ ، وحضرة الطمس والعما الذاتيّ ، والبطون الأكبر . الثاني ، مرتبة الأحديّة ، أقدم قدم ، أحديّة مطلقة ، أحديّة وحديّة ، مكوّن مكنون ، أحديّة صرف ، حقّ الحقّ ، ذات بحت ، وجود بحت ، عدم العدم ، ذات صرف ، ذات بلا تعدّد ، بطون البطون ، ذات ساذج ، وجود مطلق مجهول النعت ، ذات الهديّة ، ذات مطلق عين الكافور ، ذات أحديّة مجرّد الشؤون ، أزل الأزل ، لا تعين أبد للآباد أول لا نهاية ، لاهوت آخر بلا نهاية ، غيب الغيب ، غيب مصون ، مشكاة الغيب . الثالث ، مرتبة الوحدة ، الإسم الأعظم ، الحقيقة المحمّديّة ، أمّ الفيض ، القلم الأعلى ، البرزخ الكبرى ، أمّ الكتاب ، كنز الكنوز ، عالم الجبروت ، كنز الصفات ، عالم مطلق موجود ، إجماليّ موجود ، أوّل الوحدة الصرفة ، أحديّة الجمع ، الدرّة البيضاء ، حقيقة الحقائق ، برزخ البرازخ ، الخلق الأوّل ، الظلّ الأوّل ، العقل الأوّل ، المبدأ الأوّل ، الظهور الأوّل ، عالم الرموز ، عالم الوحدة ، علم الصفات . الرابع ، مرتبة الواحديّة ، حضرة الألوهيّة ، حضرة الجمع ، حضرة الربوبيّة ، منبعث الوجود الموجود ، الفياض ظاهر الوجود ، ظلّ الوحدة ، أحديّة الكثرة ، الظلّ الممدود ، عالم الأسماء ، صور الأسماء الإلهيّة ، الأعيان الثابتة ، أسماء الصفات ، منشأ الكثرات ، التعيّن الأوّل ، البدء الثاني ، النشاط الثاني ، منزل القدس ، الآن الدائم ، قابليّة الظهور ، نفس الرحمن ، أسماء المبدأ الثاني ، منتهى المعرفة ، منتهى العارفين ، منتهى العابدين ، حقّ اليقين ، علم اليقين ، عين اليقين . الخامس ، مرتبة الأرواح ، التعيّن الأوّل ، عالم الأمر ، النفوس المجرّدة ، علم الباطن ، حقيقة الإنسان ، قاب قوسين ، معدن الأرواح ، كنز الأرواح ، مجمع الأرواح ، عالم المعاني ، عالم الملكوت ، عالم العقول ، معاد الأرواح ، مقام الأرواح ، رتبة الأرواح . السادس ، مرتبة المثال ، التعيّن الرابع ، الكون الجامع ، منشأ النور ، رتبة الخيال المنفصل ، المركبات الطبيعيّ ، مالك الجنان ، باطن الملك ، حضرة الأسماء ، العقلي الكلّيّ ، النفس الكلّيّ ، الطبيعة الكلّيّة ، الشكل الكلّيّ ، الهيول الكلّيّ ، الجسم
الكلّيّ . السابع ، مرتبة الحسّ ، عالم الحسّ ، عالم الأجسام ، المركّبات الكثيفة ، عالم الشهادة ، عالم الملك ، عالم الخلق ، التعيّن ، مرتبة الإنسان ، المرتبة الجامعة . إنتهى من الشناوي على الجواهر الخمس .
ثم قال رضي الله عنه : ومعنى النفس والعين والذات والحقيقة والماهيّة والمائيّة كلّها ألفاظ مترادفة ، أسماء لمسمّى واحد ، والكلّ يطلق على الذات ، بشاهد قول سيّدنا عيسى عليه السلام :
تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ

،
يعني الذات .
وسألته رضي الله عنه عن قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
تنام عيني ولا ينام قلبي
» .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : معناه ، إعلم أنّ حاسّة البشريّة تركض في النوم كعادة البشر ، وقلبه صلّى الله عليه وسلّم لا يزال مستغرقا في مطالعة الحضرة القدسيّة، بمراقبة ما يبرز منها من الفيوض والتجلّيات والأحوال والمعارف وتجلّيات الأسماء والصفات بملازمته لما يلزمه في مقابلتها من الأدب والتعظيم والإجلال ووظائف ما تستحقّه من الخدمة والعبوديّة ، فهو على هذا المنوال دائب في يقظته لا يفتر عنه لحظة ولا يشغله عنه شاغل حتّى أقلّ من لحظة ، وكما كان دائبا على هذا في يقظته لا يفتر عنه ، كان دائبا عليه في حالة نومه لا فرق في ملازمة ذلك في يقظته ونومه . وأمّا نومه صلّى الله عليه وسلّم فإنّما حدّه وغايته وقوعه على حواسه البشريّة ، ولا يتعدّى نومه إلى قلبه حتّى يغفل عن مطالعة الحضرة الإلهيّة كما هو حال البشر ، ولا خصوصيّة له في هذا ، بل جميع النبيّين هكذا عليهم الصلاة والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وممّا أملاه علينا رضي الله عنه ، قال : عدد الحجب التي فوق العرش سبعون حجابا ، بين كلّ حجاب وحجاب سبعون ألف عام ، وغلظ كلّ حجاب سبعون ألف عام ، ومن فوق ذلك عالم الرقا ، عالم مملوء بالخلق ، يعني الملائكة ، وكلّ هذه الحجب مملوءة بالملائكة الكرام عليهم السلام ، وكلّ حجاب هو عالم ، ومن وراء هذه الحجب كلّها الطوق الأخضر ، وهو انتهاء عوالم المخلوقات ، ومن ورائه لا خلاء ولا ملاء ، كان الله ولا شيء معه . و هذا معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم ليلة الإسراء :
«
ولم أر عند رؤية ربّي أحدا من خلقة حتّى ظننت أنّ كلّ من في السموات ومن في الأرض كلّهم قد ماتوا
» ،
إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله عنه عن قوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه
».
فأجاب رضي الله عنه بقوله : معنى هذا أنّ الموجودات لو نظرت إلى الله عزّ وجلّ بلا حجاب وأدركته أبصارها لأحرقت سبحات وجهه سبحانه وتعالى جميع الموجودات التي أدركته
أبصارها بلا حجاب ، ولرجعت في أسرع من طرفة عين إلى عدميّتها الأولى . وقوله: " ما " صادقةٌ على جميع الموجودات ، والضمير الأخير في أدركه يعود على الله تعالى ، وفاعل أدرك هو بصره ، والضمير في بصره هو المفسر بقوله " من خلقه " . إنتهى قوله .
وحجابه النور ، فَهُمَا نوران حاجبان للخلق عن النظر للحقّ ، الحجاب الأوّل هو الحقيقة المحمّديّة ، فإنّها هي البرزخ الأكبر بين الله وبين خلقه ، والحجاب الثاني رداء الكبرياء على وجهه سبحانه وتعالى ، فلا سبيل إلى انحراقه . وقول الشيخ مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه : " وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك " ، أراد به الحقيقة المحمّديّة ، فإنّ حجابيّته صلّى الله عليه وسلّم وضعت لتمام الإفادة لا للمنع من الإفادة ، فإنّه لولا الحجاب لم يقدر الخلق أن يباشروا ربّهم بالإفادة منه ، بنفس وقوع أبصارهم على سبحات وجهه تحترق الموجود ، فلا وجود أصلا فضلا عن الإفادة ، فإنّ الإفادة من وراء الوجود ، فنصب حجابا بين يدي الله عزّ وجلّ ليستفيد الخلق بسبب وجود مادّة وجودهم وإبقاء وجودهم ومادة الإفادة من الله تعالى ، إذ جميع الإفادة من الله مطلقا يتلقّاها الحجاب الأعظم من الله لكونه قوّاه بقوّته ، ثمّ يفيضها هو على جميع الوجود ، ولولا هو ما استفاد أحد من الله شيئا ،
فهذا معنى " الحجابيّة نصبت للإفادة " . يقول صلى الله عليه وسلم:
«
إنّما أنا قاسم والله معطٍ
» ،
يشير صلّى الله عليه وسلّم إلى أنّ الاقطاعات الإلهيّة للقوابل الأصليّة كانت مقسومة بحكم المشيئة الربّانيّة ، ليس لغير الله فيها مدخل ، ثمّ جعله سبحانه وتعالى ، أعني نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ، قائما له في توصيل تلك القسم المفصّلة بحكم المشيئة التي قلنا ، هي الاقطاعات الإلهيّة إلى أربابها ، وهي القوابل الأصليّة ، فليس يعطي صلّى الله عليه وسلّم لشيء من الوجود أمرا من الأمور إلاّ ما أعطاه الاقطاع الالهيّ . فبان لك أنّ بروز العطاء من الحقّ جملة وتفصيلا لمن أريد له ذلك ، وتفصيله على أربابه في مرتبة حقيقته المحمّديّة صلّى الله عليه وسلّم يعطيه لأربابه بحسب النسب . فهذا معنى الحديث
«
إنّما أنا قاسم والله مُعْطٍ
»
، الحجابيّة الأولى للحقّ : حجاب الكبرياء ، ولا سبيل إلى انحراقه ، والحجاب الثاني للحقّ : حجاب الحقيقة المحمّديّة بين الله وبين الوجود ، والحقيقة المحمّديّة دونها حجب الأنوار ، فلا مطمع لأحد أن يصل إلى الحقيقة المحمّديّة بتخطّي حجب الأنوار التي دونها ، وإنّما تجلّيات الحقّ كلّها من وراء حجاب الكبرياء ومن وراء حجاب الحقيقة المحمّديّة ومن وراء الحجب التي دونها .
وأمّا الوصول إلى الله تعالى من باب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بكونه بابا في الوصل إلى الله تعالى ، ولا مطمع لأحد في الوصول إلى الله بدونه ، فإنّما معنى ذلك بمتابعة شرعه واقتفاء سبيله والتخلّق بأخلاقه والتأدّب بآدابه ، مع إخلاص الوجهة في ذلك كلّه إلى الله تعالى ، فبهذا المقدار يصل العبد إلى الله
وتعالى ، وبغير هذا
المقدار لا سبيل للوصول إلى الله تعالى ، فالواصل إلى الله تعالى إذا كان يريد أن ينزاح عنه الحجاب مطلقا ويصل إلى الله محضا بلا حجاب ، أو يتخطّي الحجاب إلى ما رواءه ، فهذا أمر لا سبيل إليه ولا مطمع لأحد في دركه . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه.