في إشاراته العلويّة وحلّ مشكلاتها بعبارات وهبيّة ـ الصفحة الأولى .
إعلم أنّه وردت أسئلة على سيّدنا رضي الله عنه وأرضاه ومتّعنا برضاه ، فأجاب عنها . منها قوله :
تطهّر بماء الغيب إن كنت ذا سرّ
وإلاّ تيمّـم بالصعيـد وبالصخـر
وقـدّم إمامـا كنتَ أنت إمامـه
وصلِّ صلاة الفجر في أوّل العصر
فهذي صـلاة العارفين بربّهـم
فإنْ كنت منهم فانضح البرّ بالبحر
قال رضي الله عنه : إعلم أنّ ماء الغيب ، الذي أشار إلى التطهير به ، هو الفيض الأكبر الفائض من حضرة القدس الذي هي حضرة اللّاهوت ، ويعبّر عنه عند العارفين بالفتح ، فإنّ تسميته بالفتح فيه تسامح ، فإنّ الفتح هو زوال الحجب الحائلة بين العبد وبين حضرة القدس ، وهي مائة ألف حجاب وخمس وستون ألف حجاب ، وزوال هذه الحجب بأسرها هو الفتح لأنّه فتحٌ عن انغلاق . فإنّ العبد قبله كان بمنزلة من انحصر في بيت غليظة الحيطان والسقف ، ليس فيها منفذ للضوء من الطيقان ، لا قليل ولا كثير ، ومن ورائها بيوت مضروبة فوقها وحولها ، كلّ بيت منغلقة ما فيها من الطيقان ، ومثل البيوت المترادفة على البيت الذي فيه العبد مائة ألف بيت وخمس وستون ألف بيت ، كلّ بيت لا منفذ فيه للضوء والعبد منحصر في هذا البيت لم ير إلاّ ظلاما . فإذا انهدمت البيوت كلّها دفعة واحدة فذلك مثال الفتح ، والفيض الذي يَرِدُ عليه بعد الفتح بمنزلة ضوء الشمس إذا انهدمت البيوت المضروبة عليه بالنهار ورأى الشمس طالعة صاحية ، فلا شكّ أنّه لا يبقي معه شيء من الظلام لإشراق ضوء الشمس عليه ، بالفيض الوارد عليه بعد الفتح من حضرة القدس عند دخوله في ذات العبد ، يتطهّر بسببه من جميع الأخلاق و الأوصاف والنعوت البهيميّة والطبيعيّة والشيطانيّة مثل الكبر والعجب أو التصنّع والميل لغير والرياء لله تعالى ، وحبّ الدنيا ونسيان الآخرة ، والكذب والبهتان والخدع والمكر ، وحبّ المحمدة وبغض المذمّة ، إلى غير ذلك من الأوصاف و الأخلاق المذمومة المذكورة في كتب أهل الشرائع الظاهرة .
فعند ورود ذلك الفيض على العبد يتطهّر من جميع الأوصاف المذكورة ، لا يبقى فيه من الأوصاف لا قليل ولا كثير ، يهدمها عينا وأثرا ، وبسبب ذلك الفيض يتّصف بأضداد الصفات الممحوّة من صفات الملائكة والروحانيّين والنبيّين ، ويصير بسبب ذلك كأنّه من جنس الملائكة بما فيه من حبّ الله وحبّ رسوله لذاته ، والقيام بالآداب مع الله ، ومحو التعلّق بغير الله ، والزهد في كلّ ما سوى الله ، ونسيان الدنيا وأحوالها ، ونسيان الآخرة ونعيمها ، والحبّ في الله والبغض في الله ، إلى غير ذلك ، وهي كثيرة . ولمّا كان هذا الفيض ، متى ورد على العبد ، لا يبقي من أوصافه المذمومة لا عينا ولا أثرا ، ولا يتأتّى أن يرد على العبد وتبقى فيه بقيّة من تلك البقايا ، فلذلك حضّ الطالب على التطهير بماء الغيب ، الذي هو الفيض الأقدس ، لأنّه لا يبقي من المذمومات لا قليلا ولا كثيرا . فهذا ماء الغيب الذي حثّ الطالب عليه وأمره بالتطهير به لأنّ ذلك التطهير لا يماثل التطهير الذي يكون بتعمّل للعبد ، فإنّ التطهير الذي يكون بتعمّل العبد يداخله الخلل والنقص من حيث ملاحظة العبد لعينه ورؤيته لعلمه ، ولأجل هذا لا يكون ذلك التطهير موفيا بالمقصود .
وأمّا التطهير بالفيض الأقدس فإنّه يأتي قهرا عن تجلٍّ إلهيٍّ لا مدخل فيه للعبد يهدم قواعد الرسوم البشريّة ، ويخرج العبد عن ملاحظته ورؤيته وإدراكاته ، ويلقيه في بحر فناء الفناء ، ويقذفه في البحر الأعظم والسرّ الأكبر المشار إليه بقوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
إنّ الله خلق آدم على صورته
» ،
ويقذفه في بحر قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسيّ :
«
لم تسعني أرضي ولا سمائي ويسعني قلب عبدي المؤمن
» .
ومعاني هذين الحديثين لا تدرك باللفظ ، ولا تكشف العبارة عن معانيهما شيئا ، وإنّما هي أسرار عاليات وفيوض أقدسيات يهبها الله لمن أحبّه واصطفاه من عباده فيدرك أسرار هذين: الحديثين ذوقا حقيقيّا وإدراكا يقينيّا لا يحتاج فيه إلى العبارة ، ولا يفتقر فيه إلى الرموز بالإشارة ، وبسبب ذلك يكون عارفا بالله كاملا وعبدا محضا خالصا ، وأدرك بسبب ذلك التجلّي الأكبر الذي لا حدّ له ولا غاية ، وأحاط العبد بعينه ، وعرف بسبب ذلك وجود الدنيا والآخرة ، ولماذا وجدت وماذا يراد بهما ، وهذا الفيض هو التطهير الكامل الذي من عثر عليه قيل فيه : " عبدٌ واصلٌ " .
وقوله : إن كنت ذا سرّ ، معناه ، تطهّر بهذا التطهير الأقدس ، المعبّر عنه بماء الغيب ، إن كنت ذا سرّ ، فإنّ هذا الفيض الأقدس والفتح المتّصل به لا يَرِدُ إلاّ على أهل الأسرار لا لمن عداهم ، والسرّ ههنا هو فيض من الأنوار الإلهيّة يَرِدُ على العبد قبل الفتح ، إذا سرى في ذاته وقلبه حمل الذات على طلب الحقّ ومتابعته ، ومنعها من الباطل ومتابعته ، عملا وحالا .
فالمراد بقوله : إن كنت ذا سرّ ، يعني ، أنّه لا يرد على العبد ما ذكر من الفتح والفيض الأقدس إلاّ إذا ورد عليه السرّ المذكور قبله ، وإنْ لم يكن ذا سرّ فلا مطمع له فيما ذكر من الفتح والفيض الأقدس ، ولذا قال الناظم :
وإلاّ تيمّم بالصعيد وبالصخر ، أشار بالصعيد والصخر إلى ظواهر الشرع التي يكون التطهير بها بتعمّل العبد وتكلّفه ، على حدّ من فَقَدَ الماء للوضوء صرفه الشارع إلى التيمم نيابة عن الماء ،
ومعلوم أنّ طهارة التيمّم ليست كطهارة الماء ، وإنّما تجوز به للضرورة ولفقد الماء الذي هو غاية المراد ، كذلك قال الناظم للطالب : إنْ كنتَ من أرباب الأسرار فتطهّر بماء الغيب لأنّه التطهير الكلّيّ الموفي بغاية المقصود ، إذ بسبب هذا التطهير يكون العبد ملكيّا ربّانيّا ، عبدا محضا إلهيّا ، وحصل على التجلّي الإلهيّ إذا تجلّى له الجبّار من أستار غيبه ، فقد قال بعض الأكابر : إذا تجلّى الله لعبد ملّكه جميع الأسرار وألْحَقَهُ بدرجة الأحرار وكان له تصرّف ذاتيّ .
وهذا العبد هو الذي عبّر عنه أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه بقوله ، لمّا سئل عن المحبّ ، قال : " هو عبد ذاهب عن نفسه ، متّصل بذكر ربّه ، قائم بأداء حقّه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرقت قلبه أنوار هويّته ، وصفا شرابه من كأس ودّه ، وتجلّى له الجبّار من أستار غيبه " . وهذا العبد هو الذي يكون قلبه معبّرا بالبيت المحرّم ، يحرم على غير الحقّ دخوله ، وكلّ هذا أوصله إليه التطهير المذكور ، وإن لم تكن أيّها الطالب من أرباب الأسرار فتطهّر بالصعيد وبالصخر كالذي فقد الماء ونزل للتيمّم ، وهذا التطهير بالصعيد وبالصخر هو المعبّر عنه بقوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
تخلّقوا بأخلاق الله
» ،
وبقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث القدسيّ مخبرا على الله تعالى :
«
هذا دين ارتضيته لنفسي ولمن أحبّ ولن يصلحه إلاّ السخاء والتكرّم فأصلحوه بالسخاء والتكرّم ما صحبتموه
» ،
وقوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
إنّ الله يحبّ معالي الأمور ويكره سفسافها
» ،
وقوله صلّى الله عليه وسلّم :
«
استحيوا من الله حقّ الحياء قالوا إنّا نستحي والحمد لله قال ليس كذلك ولكن الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى وتذكر الموت والبلى فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حقّ الحياء
» ،
إلى غير ذلك من الأحكام المتفرّقة في الأحاديث النبويّة والآيات القرآنيّة ، فعلى العبد ملازمتها والدؤوب على ما يقدر عليه منها بدوام معانقة الذكر معها .
ونعني بالذكر الذي يكون بتلقين شيخ واصل لا الذي يأخذه العبد باختياره ، مع داوم استناد بالقلب إلى شيخ كامل ، فإنّ بدوامه على هذه الأمور يصل العبد إلى أن ينازله السرّ الربّانيّ، الذي بسببه يصل إلى التطهير الأكبر المذكور أوّلا ، الذي هو غاية
الغايات ومنتهى الرغبات المعبّر عنه في الإشارة عن الله ، يقال عنه : " من كشفت له عن صفاتي ألزمته الأدب ، ومن كشفت له عن ذاتي ألزمته العطب " ، وهذا العطب هو غاية منتهى الأرب ومنتهى مطلب العبد ، فإنّ هذا العطب هو محلّ الاستهلاك والمحق حيث يسلب العبد من أوصافه البشريّة ويلبس خلعة الاتّصاف بالأوصاف الربّانيّة ويكون عين العين حيث ينمحق الفرق والبين ، وهذا هو المعبّر عنه بـ" جمْع الجمْع " . فهذا معنى قوله : وإلاّ تيمّم بالصعيد وبالصخر .
وقوله : وقدّم إماما كنت أنت إمامه ،
معناه ، إعلم أنّ الإمام الذي يلزم تقديمه ههنا ، يصحّ أن يقال فيه هو الشارع صلّى الله عليه وسلّم ، ويصحّ أن يقال فيه هو العقل .
فأمّا إن قلنا هو الشارع صلّى الله عليه وسلّم ، فمعناه حيث وصلتَ أيّها العبد إلى التطهير بماء الغيب المذكور ، وحصلتَ وعلى غايته ، وأردتَ الصلاة لربّك ، فقدِّم الإمام الأكبر والقدوة العظمى الأشهر ، واقتدِ به في حضرة ربّك ، لكونك شاهدت حقيقته صلّى الله عليه وسلّم هي الواسطة بينك وبين ربّك ، ولم يصل إليك خيرا إلاّ منها ، ولا مطمع لك في وصول خير من ربّك خارجا عن دائرتها .
ومعنى : قدِّمْهُ ، تأدّب بآدابه والتزم بمتابعته واجعله قبلة وجهك وتوجيهاتك ليحصل بذلك الرضا من ربّك .
وقوله : كنتَ أنت إمامه ، فإنّك قبل هذا التطهير كنت متقدّما على الشارع صلّى الله عليه وسلّم ظلما وعدوانا ، تحكم لنسفك بهواك ولا تسعى إلاّ في متابعة مرادك ، ولا يكون لك ولوع إلاّ بإرضاء نفسك بعيدا عن الحضرة الإلهيّة ، ومتنائيا عن الاتّصاف بالأوصاف الروحانيّة ، وغريقا في بحر الظلمة بما بعدت عنه من الأنوار الرحمانيّة ، لا تلمّ بأحكام الشارع ، ولا تلتفت إليها لغلبة الهوى عليك بسريان سمّه في كُـلِّـيَتِكَ ، فأنت في الحقيقة عبد مشرك بالله لكونك نصّبت نفسك إلها تعبدها من دونه .
فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا المعنى :
«
ما تحت قبّة السماء إله يعبد من دون الله أعظم من هوى متّبع
» ،
فلذا عبّر الناظم بقوله : كنتَ إمامه ، إذ لو كنت خلفه متّبعا له ، لم تخالفه بمتابعة هواك ورضاك من نفسك وسعيك في مرضاتها و محاباتها ، وهربك من مكارهها ومضارّها وإن كان في ذلك سخط ربّك ، وهذا هو التقديم بين يدي الشارع صلّى الله عليه وسلّم المصرّح بالنهي عنه في قوله سبحانه وتعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

،
وبقوله سبحانه وتعالى :
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

،
فهذا معنى قوله : كنتَ أنت إمامه .
وإن قلنا الإمام الذي تقدّمه هو العقل ، والعقل ههنا هو العقل الربّاني المستتر في حضرة الغيب ، الذي كان صفةً للروح أوّلا قبل التركيب في الجسم ، فإنّه كان للروح بمنزلة البصر للعين ، كما أنّ البصر تنكشف به حقائق الأشياء الظاهرة في العين ، كذلك العقل الربّاني الذي كان وصفا للروح قبل التركيب في الجسم تنكشف به حقائق الأشياء الباطنة ، وتعرف به حقيقة الحقّ حقّا والباطل باطلا حقيقيّا وكشفا يقينيّا ، لا تلتبس عليه الأمور ، ولا تدهشه معضلات الفتن ، فهو القسطاس المستقيم بين كفّتي الحقّ والباطل ، يعرف به كيفيّة الموازنة للأشياء ، ووضع كلّ شيء في كفّة الحقّ أو في كفّة الباطل ، ويعرف به صورة الترجيح بين الأشياء والمعادلة .
وهذا العقل الربّانيّ يأخذ العلم عن الله بلا واسطة ، لا يحتاج إلى تعليم معلّم ولا إخبار مخبر ، بل كلّ ما أراده من العلم أخذه عن الحقّ بلا واسطة ، وهذا هو العقل الذي يجب تقديمه .
ثمّ إنّ مراتب العقل ثلاثة :
الأوّل هو العقل الربّانيّ الذي هو محض النور الربّانيّ المنصّب في باطن حقيقة الروح ، فهو الهادي والمبلّغ إلى الغاية ، ولا يصل إلى هذا العقل إلاّ العارف بالله الكامل .
والمرتبة الثانية في العقل ، وهو العقل الكلّيّ الذي استتر بقشور من الظلمة الخفيّة فانكشفت له حقيقة الأشياء الكونيّة ظاهرا وباطنا . والفرق بينه وبين العقل الأوّل ، أمّا العقل الأوّل: فتنكشف له الأشياء ظاهرا وباطنا ، ويعاين أسرار الحضرة القدسيّة ، ويجلس على كرسيّ السلطنة العظمى ، ويحكم في جميع الأشياء بما يريد فتنفعل له ، ولا يستعصي عليه شيء .
وأمّا العقل الثاني ، الذي هو العقل الكلّيّ ، فإنّه احتجبت عنه الحضرة الإلهيّة يحجب كثيرة ، ولم يُحِطْ بشيء من أسرار الحضرة القدسيّة . إلاّ أنّه انكشفت له حقائق الكون الظاهرة والباطنة ، لكن بنور إلهيّ قذف فيه فتحكّم في الأشياء بما يريد ، تارة ينفذ مراده وتارة يستعصي عليه مراده ، وعرف موارد الأمور ومصادرها من ظاهر الكون لا من باطن الحضرة القدسيّة ، فإنّ المعرفة التي تأتي عن باطن الحضرة القدسيّة بحقائق الكون ، ظاهرا وباطنا ، والمعرفة التي تأتي من ظاهر الأكوان الغيبيّة بينهما بون بعيد . والعقل الكلّيّ في هذه المرتبة يزن الأشياء بالقسطاس المستقيم فيعرف الأشياء وعواقبها وما تؤل إليه ، فهو من أكبر المطالب وأعلاها ، وإن كان قصر به الأمر عن بلوغ رتبة العقل الربّانيّ فإنّه يفيده إفادة عظيمة ، وله علوم ومعارف جسيمة ، إلاّ أنّها في صور الأكوان فقط . وهذا العقل يشترك فيه المؤمن والكافر . فقد يؤتى هذا العقل الثاني بعض الكفرة بدوام مخالفتهم لهوى نفوسهم وارتقابهم للحضرة الإلهيّة ، ولا يغني عنهم شيئا لعدم الإيمان ، لكن يظفرون بخواصّه ، أيّ العقل الكلّيّ ، في الدنيا ، من كشف بعض الغيوب ، والتصرّف في بعض الخواصّ والأسرار ، ونفوذ الكلمة في كثير من الأمور ، ولكنّه استدراج لهم إلى ما يريد بهم من إهلاكه لهم في الآخرة ، عافانا الله من ذلك بمنّه وكرمه .
المرتبة الثالثة في العقل ، وهي أحطّ المراتب و أسفلها ، هو العقل المعاشي الذي يدبّر أمر الدنيا وظواهرها من الشهوات والعكوف عليها ، وحبّ الراحات والانهماك في متابعة الهوى ، والفرار من كلّ ما يناقض هذه الأمور . وهذا العقل يشترك فيه الآدميّ والبهائم .
والعقل الذي يجب تقديمه هو العقل الأكبر الربّاني ، الذي هو من وراء العقل الكلّي . وقوله : قدّمه ، لأنّ هذا العقل يدعو إلى كمال التعلّق بالله تعالى ، وكمال الطهارة من كلّ ما سوى الله تعالى عينا وأثرا ، تعلّقا ومساكنة ، وملاحظة واستئناسا وإرادة . و لذا يجب تقديمه لأنّه يجذب متّبعه إلى حضرة الله تعالى محضا بكمال الطهارة من كلّ ما سواها ، فلذا يجب تقديمه ومتابعته .
وقوله : كنت أنت إمامه ، يشير إلى حالة الشخص ، حيث كانت البشريّة مستولية عليه ، لا يسعى إلاّ في متابعة هواه نصب عينيه وإماما يقتدي به ، ونبذ العقل الربّاني وحكمه وراء ظهره ، فلذا كنت إمامه .
وقوله : وصَلِّ صلاة الفجر في أوّل العصر ، معناه ، صلّ كصلاة الفجر في أوّل العصر . الفجر ههنا هو فجر إيجاد الأرواح حيث بزغت شمسها من حضرة العدم إلى حضرة الوجود ، واشتقّ له اسم الفجر لأنّ ضياء الأرواح ، الذي هو عين الوجود ، بزغ من ظلمة العدم كبزوغ الفجر من ظلمة الليل .
وقوله : في أوّل العصر ، عُمُرُ الأرواح من أوّل نشأتها ، يشير إلى حالة الروح وما كانت عليه من كمال الطهارة والصفاء ، وكمال معرفتها بالله تعالى ، وكمال حبّها لذاته ، ونسيانها لكلّ ما سوى الله تعالى ، و عكوفها على خدمته والأدب بين يديه ، ودؤوبها طبيعة جبلّية على تعظيمه وإجلاله غير مبالية بغيره .
فهذه كانت حالة الروح في أوّل نشأتها الذي هو أوّل عصر عمرها ، وهو انشقاق فجر إيجادها .
يقول الناظم : أيّها الطالب ، إذا صلّيْتَ لله تعالى فصَلِّ صلاةً كصلاة الأرواح في أوّل عصر عمرها عند انشقاق فجرها حيث كانت تامّة المعرفة بالله تعالى على الحالة المذكورة آنفا فإنّ ذلك هو اللائق بالحضرة الالهيّة لا غير ، فإنّك متى مرّ بقلبك في الصلاة غير الله تعالى فما أنت بِمُصَلٍّ ولا هي صلاة العارفين ، بل صلِّ صلاة العارفين على حالة الروح في أوّل نشأتها المذكورة أوّلا . فلذا قال الناظم : فهذه صلاة العارفين بربّهم ، ويوجد في بعض نسخ هذه الأبيات : وصلّ صلاة الظهر في أوّل العصر ، أشار بالظهر إلى أوّل ظهور الأرواح من ظلمة العدم إلى ضياء الوجود في أوّل عصر عمرها ، وهو المعبّر عنه بالفجر ، فلذا قال: فهذي صلاة العارفين بربّهم ، لأنّ العارف إذا قام إلى الصلاة نبذ الوجود كُلاًّ من وراء ظهره ، وأقبل على الحقّ بكلّيته ظاهرا وباطنا ، فلا محبّة عنده و لا تعظيم ولا إجلال ولا اعتبار ولا وجود ولا وَهْم ولا حسن إلاّ الله سبحانه ، مثل حالة الروح كما ذكرت أوّلا .
وقوله: فإن كنت منهم ، أيّ من العارفين ، فانضح البرّ بالبحر ، معناه ، البرّ : ظواهر الشرع من المأمورات التكليفيّة التي القيام فيها لله تعالى عبادة وعبوديّة وعبودة . وقوله بالبحر : وهو بحر الحقيقة ، يشير إلى أنّك لا تفعل فعلا من المأمورات التكليفيّة شرعا إلاّ وأنت تشاهد الحقّ أمامك ومحيطا بك وناظرا إليك ، وأنّك في قبضته وفي حضرته ، وقدرته هي المحرّكة لك والمسكّنة ، وهذا الشهود ليس اعتقادا بل عينيّا حقيقيّا وإدراكا يقينيّا يثمره صفاء الأحوال ، ويعطيه كمال التحقّق في مقامات الإنزال ، ولا إدراك فيه للمقال . فهذا الأمر هو المعبّر عنه بنضح الشريعة ببحر الحقيقة ، والسلام .
والفرق بين العبادة والعبوديّة والعبودة ، أمّا العبادة فهي القيام بأمر الله في مقام الإسلام ، صاحبها لا حضور له مع الله إلاّ نزر قليل بكدّ شديد ، والعبوديّة هي القيام بأمر الله في مقام الإيمان ، وصاحبها يكون حاضرا مع الله ، أوّلها من وراء ستر كثيف ، وآخرها من وراء ستر دقيق ، والعبودة هي القيام بأمر الله في مقام الإحسان ، فإنّ صاحبها لم يكن في عينه وجود إلاّ الحقّ سبحانه وتعالى ، وهو يرى الحقّ عيانا بعين بصيرته ونور يقينه .
قال ابن عطاء الله : " شعاع البصيرة يشهدك قربه منك ، وعين البصيرة يشهدك فناءك لوجوده ، وحقّ البصيرة يشهدك وجوده لا فناءك ولا وجودك " . فشعاع البصيرة هو نور العقل ، وعبادة صاحبها هي المعبّر عنها بالعبادة ، وعين البصيرة هو نور العلم ، وعبادة صاحبها هي المعبّر عنها بالعبوديّة ، وحقّ البصيرة هو نور الحقّ ، وعبادة صاحبها هي المعبّر عنها بالعبودة ، والسلام .
وقوله ، فيما تقدّم ، وألحقه بدرجة الأحرار : معناه ، الحُرّ الذي تحرّر من رقية الأغيار ، حبّا وإرادة وميلا وتعظيما واستئناسا ومساكنة وملاحظة ، وغرق في حضرة الجبّار فلا علم له بغيره ، ليس له مع غير الله سكون ولا قرار ولا عن غير الله إخبار ، ويصير الخلق في عينه كالأباعر على وجه الماء . قال بعض الكبار :
أتمنّى على الزمان محالا
أن ترى مقلتاي طلعة حـرّ
إنتهى ما أملاه علينا شيخنا أبو العباس التجاني رضي الله عنه في شرح هذه الأبيات ، من حفظه ولفظه ، أواخر شعبان سنة ستّ ومائتين وألف والسلام ، وصلّى الله على سيّدنا ومولانا محمّد ، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما .
وسألته رضي الله عنه : عن النفس والروح والقلب والسرّ ، هل هم أسماء لمسمّى واحد ، أو كلّ واحد من ذلك على حدته ؟ فإن قلنا أسماء لمسمّى واحد فما فائدة التعدّد ؟ وإن قلنا كلّ واحد من ذلك على حدته ، فالخطاب إنّما هو للروح وهي التي تتنعم وتذوق ألم العذاب ؟ يبن لنا بيانا شافيا ، والسلام على سيّدنا وأستاذنا ورحمة الله وبركاته .
فأجاب رضي الله عنه بما نصّه ، قال: إعلم أنّ هذه الأسماء المتعدّدة إنّما هي لمسمّى واحد لا تعدّد فيها ، وإنّما تعدّد أسمائها ، أيّ الروح ، لتعدّد مراتبها .
وبيان ذلك أنّ الله تبارك وتعالى خلق الروح الإنسانيّ من صفاء صفوة النور الإلهيّ ، وانتشأها من فيض العما الربّانيّ ، وأسكنها محلّ الروح لم تزل فيه كاملة المعرفة بالله تعالى ، مستقرّة في محبّته ووحدانيّته ، عارفة بأسمائه وصفاته ، لا تلفت لغيره ولا تبالي بسواه ، فلم تزل على هذا في غاية الصفاء وفي غاية البعد عن فهوم العقول . ثمّ أسكنها قارورة الجسم الإنسانيّ ، واكتسب الجسم ، بحسب استقرارها فيه ، حياة وإدراكا .
وتكون في الجسد ، بحسب الروح ، نفسا ، وهي البخار اللطيف الحامل لقوّة الحياة والحسّ والحركة والإدراك .
فالنفس شيء يوجد حكمه ولا توجد عينه ، إذ هو يتكوّن من اجتماع الروح والجسد ، فإن افترقا انعدم وجوده ، أيّ النفس ، وهو البخار اللطيف . وهذا الشيء المعبّر عنه بالنفس هو منبع الأخلاق الذميمة والأوصاف الفاسدة السقيمة ما دام حكمه مستوليا على العبد . فالروح أسير في يده لا يسعى إلاّ في مرضاته وهو في غاية الهلاك والبعد عن الحضرة الإلهيّة ، على قوّة نورانيّة الروح يسبب استقراره في الجسم ، لما لطخ بأدرانه وأوساخه ، واستولى عليه حكم النفس الخبيثة ، وصار فاسقا عن أمر ربّه ، لأنّ ذلك آثار حكم الجسم ، لأنّ الجسم متكوّن في محلّ الظلمة ، وهو الماء والتراب ، وكان في غاية الكثافة .
والروح من صفاء صفوة النور الإلهيّ في غاية الصفاء والتجوهر ، فهو أصفى الجواهر وأعلاها ، واكتسبت الروح الظلمة في عالم الجسم ، فما دامت الروح ميّالة إلى المعاصي والمخالفات ومتابعة الهوى ، تسمّى في هذا المقام النفس الأمّارة بالسوء .
فإذا طرأ عليها من الأنوار الإلهيّة ما يخرجها عن بعض ما كانت متّصفة به من المعاصي والمخالفات بوجود التوبة ، أخذت في توبيخ نفسها ولومها لذاتها عمّا فرّطت فيه من الحقوق الإلهيّة ، وتأخذ نفسها بالزجر والتوبيخ الشديد للرجوع إلى باب الجواد الكريم .
فهي في هذا المقام تسمّى النفس اللوّامة لأنّها تلوم نفسها على ما فرّطت فيه من حقوق الله تعالى . ثمّ إذا طرأ عليها من الأنوار الإلهيّة ما يقضي بإخراجها عن كثائف المعاصي والمخالفات المعبّر عنها بالكبائر ، ويقي عليها لطائف المخالفات ودقائقها ، تسمّى في هذا المقام قلبا لأنّها شمّت رائحة الحضرة القدسيّة . وتارة يهزّها شمّ تلك الروائح القدسيّة فتحنّ شوقا إلى ما كانت عليه من وجودها الأوّل ، وتارة تغلب عليها كثافة ظلمات طبيعتها الجبلّيّة، المكتسبة من استقرارها في الجسم فتحنّ إلى مقتضيات شهواتها ومتابعة هواها .
فلتقلّبها بين هذين الأمرين سمّيت قلبا لأنّها تتقلب في حنين إلى الحضرة القدسيّة والنهوض إليها ومن حنين إلى ظلمة طبعها من الشهوات والمخلفات فتركن إلى التثبّط بها ، فلذا سمّيت في هذا المقام قلبا لكثرة تقلّبها . ثمّ إذا فاض عليها من الأنوار الالهيّة من حضرة القدس ما يقضي بكمال طهارتها من جميع المخالفات ، كثيفها ولطيفها ، ودقيقها وجليلها ، ورسخت قدمها في العمل لطاعة الله والتوجّه إليه ، وسكن اضطرابها من ذلك ، تسمّى في ذلك المقام النفس المطمئنّة . لكنّها بقيت عليها من الميل لغير الله وإنْ حلالا ، وبقي فيها أثر الاعوجاج عن الاستقامة ، وبقي فيها ضروب من التدبير والاختيار في مصالحها . ثمّ إذا فاض عليها من الأنوار الإلهيّة ما يقضي بهدم أبنية جميع اختياراتها ومألوفتها بالرجوع إلى الله تعالى عارية عن كلّ ما سواه ، فهي في هذا المقام تسمّى النفس الراضية . لكنّها بقيت فيها آثار من الأبنية التي تهدّمت قبلها ، وتلك الآثار كآثار الجروح إذا برئت ، فهي بتلك النسبة فيها كزازة عن حضرة الحقّ . ثمّ إذا فاض عليها من أنوار حضرة القدس ما يقضي بكمال طهارتها من آثار الأوهام وبخورات المحسوسات ، وقطع ذاك عينا وأثرا ، وانمحق وجوده وانعدم شهوده ،
وهذا الفيض هو النور الأكبر المعبّر عنه في اصطلاح العارفين بالفتح الأعظم ، فهي تسمّى في هذا المقام بالنفس المَرْضيّة ، إلاّ أنّها انعدم منها الحسّ والادراك ، فلا علم ولا رسم ولا إسم إلاّ مشاهدة الحقّ بالحقّ في الحقّ للحقّ عن الحقّ ، فهذا هو المعبّر عنه بفناء الفناء . ههنا قد كمل رضا خالقها عنها ، ولذا تسمّى النفس المرضيّة . فإذا فاض عليها من أنوار حضرة القدس ما يقضي لها بتميّز المراتب وتفصيلها ، ومعرفة خواصّها واستحقاقها ، وإحاطتها بمقتضيات المراتب ولوازمها جملة وتفصيلا ، تسمّى في هذا المقام النفس الكاملة . ثمّ إذا فاض عليها من أنوار حضرة القدس ما يقضي بهدم بناء الاشارات ، ودكّ محسوسات العبارات ، واتّصفت بذلك ظاهرا وباطنا ، ثمّ إذا فاض عليها من أنوار حضرة القدس ، بعد ذلك ، ما يقضي لها بما نسبته في الصفاء الأوّل في مرتبة الخفاء كنسبة ضوء الشمس إلى الليل ، سمّيت في هذا المقام إخفاء لأنّها بعدت عن ادراك العقول وأفكار الفهوم . ثمّ بعد هذا هي دائمة في الترقّي في المقامات بلا نهاية في طول عمر الدنيا ، وفي مدّة البرزخ ، وفي الخلود الأبديّ في الجنّة ، لا ينقضي ترقّيها ولا يتناهى .
فهي في كلّ مقام ينكشف لها من صفات الله وأسمائه وأسراره أنواره وفتوحاته وفيوضاته ، ما يكون بالنسبة للمقام الذي ارتقت عنه كالبحر للنقطة في الاتّساع ، وهكذا دائما .
وكلّما ارتقت مقاما اكتسبت ، بسبب فيوضه وتجلّياته ومعارفه وعلومه وأسراره وفتوحاته ، ما يكون نسبته لها في المقام الذي ارتقت عنه كنسبة ضياء الشمس إلى سواد الليل في الصفاء . ففي المقام الذي ترتقيه فوق مقام الإخفاء تسمّى سرّا ، لشدّة بعدها عن مقام الاخفاء ، وفي المقام الذي فوق مقامها التي تسمّى فيه سرّا تسمّى سرّ السرّ ،
وفي المقام الثالث بعده سرّ سرّ السرّ ، وفي المقام الرابع تسمّى سّر سرّ سرّ السرّ ، أربعة مراتب ، وفي المقام الخامس تسمّى فيه سرّ سرّ سر سرّ السرّ ، خمسة مراتب ، وهكذا دائما ، كلّما ارتقت مقاما تأخذ فيه اسما من أسماء السرّ إلى عشر مراتب في السرّ ، إلى مائة ، إلى ألف ، إلى ما لا نهاية له ، وهكذا .
فتبيّن لك من هذا أنّ هذه الأسماء المتعدّدة إنّما هي لمسمّى واحد ، وهي الروح ، لا تغاير في المسمّى ، وهو الروح ، وإنّما تغايرت أسماؤه لتغاير مراتبه كما ذكرنا ، وبالله التوفيق .
وأما قول السائل : من المخاطب ؟ هل الروح أو النفس أو الجسد الخ ؟
فالجواب : أنّ المخاطب بالخطاب الإلهيّ التكليفيّ إنّما هي الروح ، لأنّها هي القلب وهي النفس كما قدّمنا في مراتبها ، وليس الجسد هو المخاطب ، وإنّما خلق مقرّا للروح ومطيّة لها، تركب عليه لتؤدّي به الحقوق التي كلّفها بها خالقها ، فهي المكلّفة ، أيّ الروح ، وهي المأخوذ عليها الميثاق ، وهي المثابة والمعذّبة ، وهي المنعّمة والمنغّصة . فلا ينالها عذاب ولا نعيم إلاّ بواسطة جسمٍ ، بالاختيار الإلهيّ فقط ، فهي
مركّبة في هذا الجسم ، تعذّب بعذابه وتنعم بنعيمه ، وبعد الموت ، تركّب في البرزخ في جسد آخر تدرك بسببه النعيم والعذاب ،
يشهد لذلك قوله صلّى الله تعالى عليه وسلّم :
«
أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر
» ،
وقوله صلّى الله تعالى عليه وسلّم :
«
إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنّة
» الحديث ،
والمراد بهذا التنصيف نصف النعيم في الجنّة لأنّ كمال النعيم في الجنّة باجتماع الروح والجسد ، فلها نصف النعيم وله نصف النعيم ، ولعدم تركبها في جسدها في البرزخ تتنعّم بدونه في الجنّة ، فلها نصف النعيم ، وهو المعبّر عنه في الحديث بنصف الجنّة ، وهذا للعارف فقط وللشهيد ، والباقي من المؤمنين محجورون عن السباحة في الجنّة ، ليس لهم إلاّ أن تعرض عليهم مقاعدهم في الجنّة بالغداة والعشيّ .