نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب الخامس - الفصل الثالث - الصفحة الثانية :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب الخامس > الفصل الثالـث > الصفحة الثانيـة


في إشاراته العلويّة وحلّ مشكلاتها بعبارات وهبيّة ـ الصفحة الثانية .
وأمّا السؤال عن المكالمة للعارفين في هذا المقام ، ليس يسمعون كلام الذات المقدّسة الذي هو المعنى القائم بها ، فإنّ ذلك مستحيل بصريح الآية لقوله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ ، ما عدا سيّدنا موسى وسّيدنا محمّدا عليهما الصلاة والسلام سمعا المعنى القائم بذات الله تعالى ، وأمّا المكالمة المعلومة للعارفين فإنّه يخلق فيهم كلامه في الروح إذا صارت خفاء أو أخفى أو سرّا أو غير ذلك من المراتب ، يخلق في ذلك المعنى كلاما يعني في الروح ، لا يشكّ أنّه من الله تعالى . فنسبة ذلك الكلام إلى الله تعالى نسبة الحادث إلى المحدث ، ونسبة المخلوق إلى الخالق ، لا نسبة الكلام إلى المتكلّم . وينسب الكلام إلى الله تعالى في هذا المحلّ لكون ذلك المحلّ في ذلك الوقت لا يتطرّق إليه غلط ولا تخمين ولا فساد ولا غيره من وجود الخطأ لأنّ الروح في هذا المحلّ يسمّى البيت المحرّم لكونه حرّم على غير الحقّ دخوله . ثمّ إنّ ذلك الكلام عند وروده على العبد مختطف عن دائرة حسّه وشهوده وعلمه وسمعه وبصره ، فلا يُعقَل إلاّ بالحقّ ، ولا يُحَسّ إلاّ بوجود الحقّ ممحوّا وممحوقا عن غيره . يتدلّى له في هذا التجلّي من نور القدس والسرّ السرمديّ من الكلام ما يكون واسطة بينه وبين المعنى القائم بالذات ، ويدرك له من اللذات ما يدركه عند سماع المعنى القائم بالذات العليّة ، فيطلق عليه أنّه سمع كلام الله . مثاله في الشاهد مثال النائم ، بأن يخبر النائم بالغيوب ويوحيها إليه لا بعين التصريح ولكن بواسطة مثال يلقيه إليه في النوم ، فيقول له المعبّر في الرؤيا العالم بها : إنّ رؤياك تدلّ على كذا وكذا من الغيب أو الخبر . فالعلم بذلك الغيب في النوم لم يكن للنائم بالتصريح وإنّما جاء بواسطة مثال ألقاه الحقّ إليه ، وألقى إليه من العلم بالغيب بواسطة ذلك المثال ما ألقى ، فهكذا تلك المكالمة ، إنّما هي واسطة بين المكلَّم وبين المعنى القائم بذات الله تعالى ، وهذا المعبّر عنه عند العلماء بالالهام . فقد اتّضح الجواب أتمّ الإيضاح وانكشف الغطاء ، وليس في طاقة البشرأن يكلّمه الله بلا واسطة إذ لو كلّمه بغير واسطة لصار محض العدم ، فجعل الحقّ له واسطة بينه وبين المعنى القائم بالذات العليّة يدرك منه معاني الكلام الأزليّ ، ومن هذا الباب أطلق عليه كلام الله تعالى .
وأمّا السؤال عن كون الروح عالمة لما يؤول إليه أمرها في العاقبة من سعادة أو شقاوة حين كانت في البرزخ قبل التركيب في الجسم ، فالجواب : أنّها غير عالمة لما يؤول إليه أمرها، لأنّها حين خلقها في البرزخ لا تدري لماذا خلقت ولا ماذا يراد بها إلى أن ظهر أخْذ الميثاق وحمْل الأمانة ، فعرفتْ حينئذ ما أراد بها تكليفا ، ولم تدر عاقبتها من سعادة أو شقاوة ، وبالله التوفيق .
وأمّا السؤال عن كون العارف ، بعد بلوغه المعرفة ، هل يرجع إلى مقامه الذي كان عليه قبل التركيب في الجسم أو إلى أعلى منه أو أدنى ؟ الخ ، فالجواب عنه : أنّه ليس بلازم أن يصل إلى مقامه الأوّل أو أعلى ، وإنّما المراتب لله تعالى في المعرفة يوليها عباده بحكم مشيئته واختياره ، فالأذواق في ذلك مختلفة والمراتب متباينة وكذلك الإدراكات ، وليس للعبد في ذلك إلاّ ما ينزله بحكم مشيئة الله واختياره لا نسبة للعبد في ذلك ، وبالله التوفيق.
وأمّا السؤال عن السلب للعارفين ، هل يقع لهم السلب من مقامهم أم لا ؟ الجواب : لا أمْن لأحد من السلب لجميع العارفين إلاّ قطب الأقطاب وحده أو لمن كان عنده الاسم الأعظم فقط ، أو لمن ضمنه شيخ كامل ، والسلام .
أمّا السؤال عن حقيقة الإنسان وممّا وُجِد الخ ، وما يراد به الخ ، الجواب عن حقيقة الإنسان فهو مجموع الروح والجسد ، لا استبداد لحقيقة أحدهما دون الآخر ، والله سبحانه وتعالى ما ذكر من حقيقة الإنسان إلاّ الجسد ، مثل قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ، و مثل قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الآية ، إلى غير ذلك من آيات القرآن ، فإنّه كلّما ذكر خلق الإنسان ما ذكر إلاّ صورة جسده ، وأمّا روحه فقد كتم الله أمرها واستبدّ بعلمها عن خلقه ، حيث قال ، حين وقع السؤال عنها : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ولم يزد في بيانها لاستبداده سبحانه وتعالى بعلمها ، فهذه حقيقة الإنسان الظاهرة . وأمّا حقيقته الباطنة فهي مرموزة في قوله صلّى الله عليه وسلّم : « إن الله خلق آدم على صورته » ، وقد أشار إلى هذا بإشارة لطيفة بقوله : الإنسان حضرة كمال قوبل بها حضرة الجمال حَوَتْ سرّ الإله بأسره . وقد قال في الفتوحات : ما صفة آدم ؟ قال : إنْ شئت قلت صورة الحضرة الإلهيّة ، وإن شئت قلت مجموع الأسماء الإلهيّة .
وأمّا السؤال عمّا يراد من الإنسان : المراد منه مظهر صفات الحقّ ، فإنّه وقع فيما سبق ، على ما أخبر به بعض أهل الكشف ، إنّ الله خلق الروح طوله تسعمائة سنة وثمانون ألف سنة وعرضه كذلك ، وتركه في تربيته يلاطفه بعواطف برّه وامتنانه ، وإظهار آثار محبّته له ، فقام في هذه التربية . فلمّا ذاق ألم الفراق اشتكى وقال : إلهي وسيّدي ومولاي ، لا أطيق هذا الفراق . فقال له ربّه سبحانه وتعالى : ما خلقناك لتكون مريدا لنفسك وإنّما خلقناك لنُظهِر فيك سرّ وحدانيتنا . هذا الذي يراد من الإنسان ولهذا خلق له باطنا . والذي خُلِق له ظاهرا ، قوله سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، فهذا خطاب في عالم الحكمة ، والخطاب في عالم المشيئة باطنا هو ما سبق في العبارة . والمراد من الإنسان في كلّ وقت هو ما أجاب به الجنيد رضي الله عنه ، حين سئل ما مراد الله من العالم ؟ قال : " ما هُمْ فيه " ، أراد أنّه لذلك خلَقَهم ، وليس المراد بالجواب أنّه ليس إلاّ صورة التقلّبات والحركات ، بل المراد من كلام الجنيد أنّ جميع تحرّكات العالم وتقلّباته وقصوده وخواطره كلّها مظاهر الألوهيّة لأنّها آثار الأسماء والصفات . ومن هذا المعنى يقول من قال من العارفين : " ما في الكون كلّه إلاّ الكمال " ، ما فيه من صور نقص أصلا لأنّ تلك كمالات ألوهيّة ، إنّما النقص فيها أمرٌ نسبيٌّ ، و في الحقيقة ما ثَمَّ إلاّ الكمال لأنّها كمالات ألوهيّة . ثمّ قال رضي الله عنه : فكلّ من بلغ المعرفة عثر على هذه الحقيقة لا محالة ، وبالله التوفيق . إنتهى ما أملاه علينا شيخنا وأستاذنا رضي الله عنه من حفظه ولفظه . وسمّيْتُ هذا التقييد ، بإشارة من سيّدنا رضي عنه ، بـ"الدرّ النفيس في الفرق بين الروح والنفس من غير تلبيس " ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلم .
وسئل سيّدنا رضي الله عنه عن مسائل منها ، قوله عليه السلام : " علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل " ، ومنها قول أبي العباس المرسي : " لو حجب عنّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين " ، ومنها " خُضْنَا بحرا وقفت الأنبياء بساحله " .
الجواب ، والله الموفّق بمنّه وكرمه للصواب :
أمّا ما ذكرت من الحديث ، وهو علماء أمّتي الخ ، فليس بحديث ، نصَّ عليه السيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة . وسأل صاحب الابريز شيخَه رضي الله تعالى عنه ، فقال له : ليس بحديث . وذكَرَه من جهة الكشف لأنّه لا دراية له بعلم الحديث ، وقوله حجّة على غيره لأنّه قطب رضي الله عنه كما صرّح به صاحب الابريز المذكور .
وأمّا المسألة الثانية ، فليس فيها نصّ قول المرسي كما ذكر السائل ، وتحقيق قول المرسي : " منذ أربعين سنة ما حجبت فيها عن الله طرفة ، ولو حجب عنّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين " . والجواب عن هذا : أنّ هذه الخصوصيّة ليست للمرسي وحده ، وإنّما هي لقطب الأقطاب في كلّ وقت ، منذ جلوسه على كرسيّ القطبانيّة لا تقع بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حجابيّة أصلا ، وحيثما جال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حضرة الغيب ومن حضرة الشهادة إلاّ وعين قطب الأقطاب متمكّنة من النظر إليه لا يحتجب عنه في كلّ لحظة من اللحظات .
أمّا المسألة الثالثة ، وهي " خضنا بحرا وقفت الأنبياء بساحله " ، فهي من كلام أبي يزيد البسطامي رضي الله عنه ، ليست من كلام المرسي كما ذكرت . والجواب عنها : إعلم أنّ الأصل الأصيل الذي لا محيد عنه ، ولا بدّ لكلّ مؤمن من اعتقاده ، ومن خرج عنه خرج عن قاعدة الإيمان ، هو أنّ الحقّ سبحانه وتعالى تجلّى بعلوّ كبريائه وعظمته وجلاله ، وعموم صفاته العليّة ، وأسمائه وخصوصها ، وإنّ ذلك التجلّي ليس هو في كلّ شخص كما عند الآخر ، ولا على قانون واحد ، ولا على كيفيّة مطّردة ، بل البصائر فيه متفاوتة ، وأسرار الخلق في ذلك متباينة من كثير وقليل ، فهو يتجلّى لكلّ شخص على قدر طاقته ، وعلى قدر ما تسعه حوصلته من تجلّي الجمال القدسيّ الذي لا تدرك له غاية ولا يوقف له على حدّ ولا نهاية . وإذا عرفت هذا ، فاعلم أنّ الذي في مرتبته صلّى الله عليه وسلّم من تجلّيات الصفات والأسماء والحقائق لا مطمع في دركه لأحد من أكابر أولِي العزم من الرسل فضلا عمّن دونهم من النبيّين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ، وإنّ الذي في مرتبة أولى العزم من الرسل لا مطمع لأحد في دركه من عموم المرسلين ، وإنّ الذي في مرتبة الرسالة لا مطمع له في دركه لأحد من عموم النبيّين ، والذي في مرتبة النبوّة لا مطمع في دركه لأحد من عموم الاقطاب ، وأنّ الذي في مرتبة القطبانيّة لا مطمع لأحد في دركه من عموم الصدّيقين . وإذا كان الأمر كذلك ، وعرفت هذا التفصيل ، فاعلم أنّ في الشطحات التي صدرت من أكابر العارفين ما يُوهِمُ أو يقتضي أنّ لهم شفوفا وعلوّا على مراتب النبيّين والمرسلين ، مثل قول أبي يزيد البسطامي : " خضنا بحرا وفقت الأنبياء بساحله " ، ومثل قول الشيخ عبد القادر الجيلي : " معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوه " ، ومثل ابن الفارض رضي الله عنه :
ودونـك بحـر خضته وقف الأُلـى      بساحلـه صونا لموضـع حرمتـي
وكقوله :
وإنّي  وإن كنـت ابن آدم صـورة      فلـي فيـه معنـى شاهـد بأبوّتـي
إلى أن قال فيه :
وفي المهد حزبي الأنبياء وفي  عنا      صر لوحي المحفوظ والفتح صورتي
وكقوله أيضا :
فحـيّ على جمعي القديم الذي  بـه      وجـدت كهـول الحيّ أطفال  صبوتي
ومن فضل ما أسأرت شرب معاصري      ومن كـان قبـلي فالفضائل فضلتـي
وكقوله في الكافية :
كـلّ  من في حمـاك يهواك  لكـن      أنـا وحـدي بكـلّ من في  حمـاك
وكقول بعض العارفين : " نهاية أقدام النبيّين بداية أقدام الأولياء " . والجواب عن هذه الشطحات : أنّ للعارف وقتا يطرأ عليه الفناء والاستغراق حتى يخرج بذاك عن دائرة حسّه وشهوده ، ويخرج عن جميع مداركه ووجوده . لكن تارة يكون ذلك في ذات الحقّ سبحانه وتعالى ، فيتدلّى له من قدس اللاهوت من بعض أسراره فيضا يقتضي منه أنّه يشهد ذاته عين ذات الحقّ لمحقه فيها واستهلاكه فيها ، ويصرّح في هذا الميدان بقوله : " سبحاني لا اله إلاّ أنا وحدي " الخ من التسبيحات كقوله: " جلّتْ عظمتي وتقدّس كبريائي " ، وهو في ذلك معذور لأنّ العقل الذي يميّز به الشواهد والعوائد ، ويعطيه تفصيل المراتب بمعرفة كلّ بما يستحقّه من الصفات ، غاب عنه وانحمق وتلاشى واضمحلّ . وعند فَقْدِ هذا العقل وذهابه ، وفيض ذلك السرّ القدسيّ عليه ، تكلّم بما تكلّم به . فالكلام الذي وقع فيه خلقه الخلق فيه نيابة عنه ، فهو يتكلّم بلسان الحقّ لا بلسانه ومعربا عن ذات الحقّ لا عن ذاته ، ومن هذا الميدان قول أبي يزيد البسطامي : " سبحاني ما أعظم شأني " ، وقول الحلاّج : " أنا الحقّ ، وما في الجبّة إلاّ الله " ، وكقول بعضهم : " فالأرض أرضي والسماء سمائي " ، وكقول التستريّ رضي الله تعالى عنه :
أنظر أنا شيء عجيب لمن يراني      أنا المحبّ والحبيب ما ثَمّ ثاني
، وكقوله أيضا : " أنا من أهوى ومن أهوى أنا ..." البيت . وأقوال ابن الفارض مثل هذه كثيرة . وهذا ممّا يعطيه الفناء والاستغراق في ذات الحقّ ، وهذا أمر خارج عن المقال ، يُدرَك بالذوق وصفاء الأحوال ، فلا يعلم حقيقته إلاّ من ذاقه .
وتارة يكون الاستغراق للعارف والفناء في ذات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لغيبته عن ذاته في ذات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فيتدلّى له صلّى الله عليه وسلّم ببعض أسراره ، فإذا كسيت ذاته ذلك السرّ فلا يشهد ذاته إلاّ ذات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، ويعلمه الله ببعض ما أختصّ به نبيّه صلّى الله عليه وسلّم من الخصوصيّات التي لا مطمع فيها لغيره صلّى الله عليه وسلّم ، فيتكلّم بلسان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نيابة عنه ببعض ما اختصّ الله به نبيّه صلّى الله عليه وسلّم من الخصوصيّات العظام ما له به علوّ وشرف و شفوف على مراتب جميع النبيّين والمرسلين ، فهو يخبر عمّا أعطى الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم مخبرا عن نفسه ، فمن يسمعه يظنّ أنّه ينسبه لنفسه ، وإنّما نسبه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لغيبته في ذاته ، فإذا انفصل عن هذا الفناء والاستغراق ، ورجع لحسّه وشاهده ، تبرّأ من ذلك لعلمه بمرتبته . وَسُقْ هذا المساق في كلّ ما تسمع من الشيوخ ممّا يقتضي أنّ لهم شفوفا على مراتب النبيّين والمرسلين ، مثل قول الدسوقي رضي الله عنه :
أنا  كنت مع نوح لما شاهد الورى      بحورا وطوفانا على كف قدرتي
أنا  كنت في رؤيا الذبيح  فـداؤه      وما أنـزل بالكبش إلا بفتوتـي
أنا  كنت مع أيوب في زمن البـلا      ومـا شفيت بلواه إلا بدعوتـي
وأكثر من هذا رضي الله عنه ، فكلّ ذلك لفنائه في ذات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مترجما عن مقامه صلّى الله عليه وسلّم ، وهذا يغني في الجواب . ومن وراء ذلك ما لا يلحقه العقل، ولا يأتي عليه القول ، ولا يحلّ ذكره لبعده عن الأفهام ، والسلام .
وهذا الذي ذكرناه من فناء العارف في ذات الله وفي ذات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وليس هو لكلّ العارفين ، ولا في كلّ وقت من أوقات من يقع له ، بل هو خاصّ ببعض الأوقات لبعض العارفين فقط ، والسلام .
إستدراك : البحر الذي خاضه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ووقفت الأنبياء بساحله هي بحار الحقائق التي تجلّى الله بها عليه دون غيره من أكابر النبيّين والمرسلين فمن دونهم إلى هلمّ جرّا ، فإنّ تلك الحقائق لو تجلّى الله بها للنبيّين والمرسلين ، ولو بأقلّ قليل منها ، لصاروا محض العدم في أسرع من طرفة البصر ، وإنّما وقفوا بساحل تلك التجلّيات ، وهي التجلّيات التي اختصّهم الله بها من طلوع الجلال والجمال والعظمة والكبرياء ، فتلك الحقائق التي هي لهم بالنسبة إلى حقائقه صلّى الله عليه وسلّم ، المنكشفة له خصوصا ، كالساحل للبحر ، فإنّهم تكلّموا بلسانه صلّى الله عليه وسلّم لغيبتهم فيه وفنائهم فيه ، والسلام .
ثمّ قال رضي الله تعالى عنه : وأمّا ما وراء هذا من العبارة على حقيقة البحر فلا يحلّ ذكره فضلا عن كتبه في الأوراق ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا شيخنا رضي الله عنه من حفظه ولفظه في مجلس واحد بتاريخ 19 من ربيع الثاني سنة 1216 ، وسمّيتُ هذا التقيد المفيد ، بموافقة شيخنا ، غوص البحر لجمع درره ومسائله في مسألة خضنا بحرا وقفت الأنبياء بساحله ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وسلم .
وسئل رضي الله عنه عن قول الإمام الأكبر ، والقطب الأشهر ، أبي حامد الغزالي رضي الله عنه " ليس في الإمكان أبدع ممّا كان ".
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّه ليس في الإمكان أشرف وأعلى وأجمل وأكمل من صورة الكون كلّه ، ولا صورة الكون كلّه إلاّ سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم . كلّ ما تراه في الكون فالصور والأشكال المختلفة المباني والمعاني المتّحدة الواقعة في جسم واحد ما ثَمّ إلاّ هو صلّى الله عليه وسلّم ، لأنّه صلّى الله عليه وسلّم خُلِق من السرّ المكتوم صلّى الله عليه وسلّم . والدليل على شرفه صلّى الله عليه وسلّم من النقل قوله عليه السلام : « أنا سيّد ولد آدم ولا فخر » ، وقال عليه السلام : « إنّ الله خلق الخلق حتّى إذا فرغ من خلقه اختار منهم قسم بني آدم » . هذا من النقل . وفي بساط الحقائق أنّه لمّا تعلّقت مشيئة الحقّ بإيجاد خلقه ، وكان ذلك من ثوران الميل الحُبِّي حيث يقول : « كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فتعرّفت إليهم فبي عرفوني » ، وهذه المحبّة من الحقّ في إيجاد الخلق كان أوّل موجودُ هذه المحبّة روح سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم إذ هو الذي وقعت فيه المحبّة الكلّيّة من الحقّ ، وعنه وعن تلك المحبّة تفرّع وجود الكون ، فهو الأصل صلّى الله عليه وسلم والكون كلّه فرْعٌ عنه ، فلا يشكّ في شرف الأصل على فرعه لأنّه لمّا كان أوّل موجود اتّصف فيه بحكم محبّة الحقّ جميع ما أراد إبرازه للوجود من الجواهر والأعراض والمنح والمواهب ، وجميع آثار الكرم والمجد ، وجميع آثار السطوة والقهر ، فجمع سبحانه وتعالى في تلك الحقيقة المحمّديّة جميع ما ذكر إجمالا وتفصيلا ثمّ جعله منبعا وعنصرا من جميع ما يصل إلى الأكوان من جميع ما ذكر جملة وتفصيلا أزلا وأبدا ، ومحال ، بحكم المشيئة الإلهيّة ، أن يبرز شيئا في الوجود ، جوهرا أو عرضا ممّا دقّ أو جلّ ، خارجا عن الحقيقة المحمّديّة . وإذا عرفت هذا ، إتّضح لك شرف هذه المرتبة مع ما فيها من تجلّي السرّ المكتوم ، وما اختصّت به من المنح والمواهب والعطايا والتحف الظاهرة الباطنة التي لا مطمع لغيرها في نيل أقلّ القليل منها بوجه أوضح من وضوح الشمس ، وحيث عرفت هذا ، عرفت أنّه ليس في الإمكان أشرف وأكمل وأعلى وأجمل من هذه الصورة المعلومة الكونيّة وهي الحقيقة المحمّديّة عليها من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام ، إنتهى .
وسئل رضي الله عنه عن معنى قولهم : معرفة الوليّ أصعب من معرفة الله .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : أمّا قول السائل معرفة الوليّ أصعب من معرفة الله فيبيّنه قول المرسي رضي الله عنه : " لو كشف عن حقيقة الوليّ لَعُبِدَ " . وحقيقة الوليّ أنّه يسلب من جميع الصفات البشريّة ويتحلّى بالأخلاق الإلهيّة ظاهرا وباطنا . وقول السائل معرفة الوليّ أصعب من معرفة الله ، معناه أيضا ، أنّ الله تعالى معروف بصفات كماله ، مخالف لجميع خلْقه في جميع أوصافه ، وهي بيّنة ، وأمّا معرفة الوليّ ، بالصفات التي يكون بها وليّا ، فإنّها باطنة لا تعرف لأنّ ظاهره مُسْتَوٍ مع ظاهر غير الأولياء أكْلاً وشرْباً ونكاحاً وسعْياً في أمور الدنيا كحالة الغافلين من غير الأولياء . فلذا صعُبَتْ علينا معرفته بكونه وليّا ، فإنّ الله تميّزت صفاته عن خلقه ، والوليّ لم يتميّز عن غير الأولياء من جنسه ، شاركهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وجميع أحوالهم ، ولم يظهر من أصناف ولايته للظاهر شيء . فلذا صعبت معرفته الذي تميّزه من أبناء جنسه .
ومعنى قوله : لو كشف عن حقيقة الوليّ لعُبِدَ ، لأنّ أوصافه من أوصاف إلهه ونعوته من نعوته لأنّه ينسلخ من جميع الأوصاف البشريّة كما تنسلخ الشاة من جلدها ، ويلبس خلعة الأخلاق الإلهيّة ، فلو كُشِفَ لِلْعَبْدِ لَعَبَدَ الوليَّ . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وأمّا قول السائل : ما معنى قول الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه " وأمري بأمر الله إن قلتُ كن يكن " ، وقول الشيخ زرّوق رضي الله عنه " في طيّ قبضتي " ، وكقول بعضهم " يا ريح اسكني عليهم بإذني " ، إلى غير ذلك من أقاويل السادات رضي الله عنهم مثل هذا ، قال رضي الله عنه : معنى ذلك أنّ الله مَلَّكَهم الخلافة العظمى واستخلفهم على مملكته ، تفويضا عامّا أن يفعلوا في المملكة كلّ ما يريدون ، ويملّكهم الله تعالى كلمة التكوين متى قالوا للشيء كن كان من حينه ، وهذا من حيث بروزه بالصورة الإلهيّة، المعبّر عنها بالخلافة العظمى فلا يستعصي عليهم شيء عن الوجود . قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : أنا مبرق البروق ومرعد الرعود ومحرّك الأفلاك ومديرها ، يريد بذلك أنّه خليفة الله في أرضه في جميع مملكته .
وأمّا قول السائل : ما معنى قول ابن عطاء الله " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه، إلاّ من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلاّ من أراد أن يوصله إليه " ، معناه ، هو ما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين سئل من أولياء الله ، قال لهم : « هُمُ الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله » ، لكن هذا الحديث لا يصدق إلاّ في طائفة خاصّة وهُمْ مفاتيح الكنوز لا من عداهم حتّى القطب . ومعنى الحكمة هو أنّه إذا أوصل الله عبدا إلى وليّ ، وأقرّ سبحانه في قلب ذلك العبد أنّ هذا من الأولياء قطعا ، لا يتردّد ولا يشكّ ، ثمّ خدمه بالصدق والأدب ، وأشرقت محبّة ذلك الوليّ في قلبه ، ولتكن المحبّة فيه من حيث أنّه من أهل حضرة الله وممّن اصطفاه الله تعالى لنفسه ، فيحبّه لأجل هذا الغرض من غير هذه المحبّة ، فلا شكّ أنّ هذا يصل إلى الله ولو بعد حين . أمّا إذا وصل إلى الوليّ وأقبل على أغراضه وشهواته ولم ينل من الوليّ إلاّ ما طابق أغراضه ، فليس هذا من أهل الوصول إلى الله تعالى ، ولا من أهل الوصول إلى الوليّ . غاية الوليّ في هذا أنّه يُديم معاشرته من باب الإحسان للخَلْق الذي أمره الله به ومعاشرتهم بالمعروف ، ويقبض عنه أسراره ، فهذا لو بقي مع الوليّ ألف عام لم ينل منه شيئا لأنّ لسان حال الوليّ يقول له : " ما وصلتنا لله ولا وصلتنا لأجلنا ، وإنّما وصلتنا لغرضك الذي كنت تناله ، لا نسبة بيننا وبينك " ، والسلام . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .


<< الصفحة الأولى     الصفحة الثالثة >>

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس