نفحات7 ـ جواهر المعاني2 - الباب الخامس - الفصل الثالث - الصفحة العاشرة :
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الثاني > الباب الخامس > الفصل الثالـث > الصفحة العاشـرة


في إشاراته العلويّة وحلّ مشكلاتها بعبارات وهبيّة ـ الصفحة العاشرة .
وسئل سيّدنا رضي الله عنه عن معنى هذه الأبيات :
حقيقـة ظهـرت في الكـون قدرتهـا     فأظهـرت هذه الأكوان  والحجبـا
تنكّـرت بعيـون العـالميـن كـمـا     تعرّفـت  بقلـوب العـرف الأدبـا
الخلق كلّهم أستار طلعتها وجملة الأمر     وجملـة الأمر قد صاروا لها نقبـا
ما في التستّر في الأكوان من  عجـب     بل كونهـا عينها ممّا ترى عجبـا
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّ الحقيقة ههنا هو الوجود المطلق الذي يُسمّى عيْن الطمس والعما ، فلا نسبة فيه ولا توهّم ولا تعقّل ولا أيْن ولا كيف ولا رسم ولا وَهْم ، قد انعدمت النِّسَب كلّها . والقدرة التي أظهرتها الحقيقة فإنّها كانت أوّلا في حجاب الطمس والعما ، لا تعقّل للصفات والأسماء هناك مِن حيث الظهور لا مِن حيث الوجود ، أظهرت قدرتها بما أظهرت من الأكوان ، فإنّها كانت أوّلا في حجاب الكنزيّة حيث قال : « كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف » ، يريد أنّه أحَبَّ الظهور لغيره ، « فخلقت خلقا فتعرّفتُ إليهم فَبِي عرفوني » ، وهذه القدرة في التي بسطها في الأكوان ، حيث أظهر الأكوان بهذه المقدرة . قوله: تنكّرت الخ ، التنكّر ههنا هو الاحتجاب عن الغير ، فإنّها في ماهيّة وجودها في غاية الظهور والوضوح لأنّها متى ظهرت انطمس الغير والغيريّة فلا يلمّ بساحة رائيها شكّ ولا وَهْمٌ ، فهي في هذا التجلّي في غاية الظهور حيث انطمس الغير والغيريّة . ثمّ احتجبت بظهور الموجودات ، وهو معنى قوله تنكّرت بعد أن كانت في غاية المعرفة ، عند تجلّيها انطمس الغير والغيريّة ، ولمّا ظهر الوجود تنكّرت به ، يعني احتجبت به ، يعني بصُوَر الموجودات ، والذي احتجب هنا هو الوجود المطلق بصور الموجودات . قوله : بعيون العالمين ، عين الشيء هنا هي ذاته ، وسميّت عينا لتعيّنها من العما الربّاني ، فإنّها كانت في العلم الأزليّ أعيانا ثابتة ، فهي هنا سميّت عيونا ، وهي ذوات الموجودات . قوله : كما تعرّفت للعارفين الأدبا ، معناه ، العرف جمع عارف ، والمراد بهم هنا العارفون بآداب الحضرة الالهيّة ، تعرّفت لقلوبهم ، فإنّ العارفين رفع عن قلوبهم حجاب الكون فعاينوا الحضرة القدسيّة معاينة لا عن خبر ، كغريق البحر لا يحتاج أن يخبره أحد عنه . قوله : الخلق كلّهم أستار طلعتها ، يعني ، استترت ، يعني الوجود المطلق بصور الأكوان ، والخلق كلّهم أستار طلعتها . قوله : وجملة الأمر قد صاروا لها نقبا ، معناه ، أنّ النقيب في اللغة هو المتحمّل للشيء ، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم حين بايعته الأنصار بمكّة ، وبايعوه بأن يقوموا بجميع مؤنته وتحمّلوا له على أنّ من أبى من قومهم بقي تحت الذلّ والهوان ، فلمّا بايعوه على هذا لم يقنع بذلك حتّى أخذ منهم نقباء ، كلّ نقيب تحمّل من قبيلته على أنّ من أبى منهم بقي تحت الذلّ والهوان لا يقدر على أن يظهر له خلافا ولا قتالا ولا أن يساعد عليه الأعداء . فهذا الثقل أخذ النقباء منهم ، وهُمْ المتحمّلون لِما شرط عليهم من الأمر ، هذا هو النقيب . وقال سبحانه وتعالى لبني إسرائيل ، بعد أن ذكر أخْذ ميثاقهم : وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ، والنقيب هنا هو المتحمّل من قبيلته أن يقهرهم عمّا لا يراد ، وجملة الأمر ههنا قد صاروا لها نقباء ، جملة الأمر هنا هي صور الموجودات بأسرها قد صاروا لها نقباء ، والمراد بهم كلّهم تحمّلوا ثقل معرفتها فإنّها أصعب الأمور ، وتحمّلوا ثقل تسبيحها وعبادتها والسجود لها ، أيّ للذات المطلقة ، والأكوان كلّها في هذا الميدان كلّهم نقباء فردا فردا ، وتحمّلوا ثقل معرفته وثقل عبادته وثقل السجود له وثقل التسبيح ، كلّها تسبّح . فالحقّ ذاتٌ ومرتبةٌ ، فالذات غيب لا تُعْقَل ولا تُدرَك ، وما ظهر في وجوده إلاّ بالمرتبة ، وهي الألوهيّة ، والألوهيّة معناها: توجّه الوجود كلّه إليه بالعبادة والخضوع والتذلّل والمعرفة والتسبيح والسجود ، فما فيها ذرّة خارجة عن هذا الميدان . قوله ما في التستّر في الأكوان من عجب بل كونها عينها ممّا نرى عجبا ، معناه ، ما في التستّر في الأكوان من عجب . قوله بل كونها عينها ، بل الكون كلّه عينها ، أيّ الوجود المطلق ، ومعنى كونه عينها ، قد صار الكون لها مرآة تتراءى فيه ، إلاّ أنّ بعض الناس قَوِيَ نورُه فشاهد المرآة وشاهد المتجلِّي فيها ، ومَن ضعف نوره ، أيّ المتجلّي في المرآة ، ووجود المتجلّي غطّى عليه المرآة فلا يرى غيره ، أيّ غير الحقّ سبحانه وتعالى ، فصاحب هذا يقول الكون كلّه هو الله تعالى فما فيه غيره لِضعف نوره ، يقول الشاعر في هذا :
فلم يبق إلاّ الله لا شيء غيره     فما ثَمَّ موصول وما ثَمَّ بائن
وأمّا مَن قوي نوره فيشهد المرآة والمتجلّي فيها ، ويعطي كلّ مرتبة حقّها من الحقيقة والخليقة ، فلا يحجبه واحد عن الآخر . قوله ممّا ترى عجبا ، « مَا » هنا موصولة ، بمعنى « الذي » . قال ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه ، حين لقي سيّدنا هارون عليه الصلاة والسلام ، قلت له : يا نبيّ الله ، قولك فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاء ، أين العدوّ الذي تشير إليه ؟ وهل ثَمَّ شيء خارج عن الله تعالى ؟ أو كما قال له ، وإنَّا معشر العارفين نرى كلّ شيء هو الله ، فكيف يتصوّر أن يكون عدوّا ؟ قال له سيّدنا هارون عليه الصلاة والسلام : ما ترونه كذلك هو في نفس الأمر ؟ قال له : لا ، قال له هارون عليه السلام : فَاتَكَ من الله بِقَدْر ما فاتك من معرفة ذلك . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وحقيقة التجلّي هو الظهور ، وتجلّي الحقّ بذاته في ذاته لذاته عن ذاته ، وهذا التجلّي هو مرتبة كنه الحقّ ، ولا اطّلاع لأحد عليه . والتجلّي الثاني ، تجلّيه لغيره في غيره بنفسه عن نفسه عن نفسه ، فهذا التجلّي هو الذي يدركه الخلق ، وكان تجلّي المقادير الإلهيّة في صور الأكوان مطلقا إنّما كان عن سبب ، وهو تعلّق المشيئة وسبْق الحكم منه سبحانه وتعالى وتعلّق كلمة «كن » ، فهذا السبب هو الذي برزت به المقادير في صور الأكوان ، فإنّ تلك المقادير برزت لا عن ذاتها بذاتها وإنّما برزت عن غيرها بغيرها ، فذلك السبب هو الذي تقدّم عليها وبه وُجِدتْ . وأمّا تجلّي الذات فلم يتقدّمها شيء لأنّها أجلّ مِن أنْ تكون منفعلة للمشيئة أو غيرها ، إنّما تجلّت بذاتها في الخلق . إنتهى من إملائه رضي الله عنه .
وهذه الأبيات ، التي نذكرها بعدُ ، علّمَهَا سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم في المنام للوليّ الصالح ، والسعي الرابح ، صاحب المشهد الكريم الواضح ، أبي عبد الله سيّدي محمّد بن العربي التازيّ دارا ، الدمراويّ أصلا ، المتوفى بعين ماضي سنة 1214 . فلمّا استيقظ وجدها في فيه يذكرها فحفظها . فبعد ذلك لقي مولانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقظة ، وكان يلاقيه في اليقظة كثيرا ، فسأله عن معنى الأبيات وطلب منه شرح الأبيات ، فأجابه لذلك مولانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمحبّته في شيخنا وأستأذنا مولانا أحمد بن محمّد التجاني رضي الله عنه ، وهو تلميذ له ، وصرّح له سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم بأنْ قال له : لولا محبّتك في التجاني ما رأيتني قطّ ، أو كما قال له ممّا هذا معناه . وقال له : أعط شرح هذه الأبيات للتجاني . وهذا نصّ الأبيات :
فبالمجـد والتحميـد به تتجلّـى ذاتـه     وبالقـصـد كـان المـنـع لـي  وحـدي
وبحـقّ الحقّ بالحـقّ تـرى حقيقتـه     وبالحـقّ لا بالحقّ أحتجـب عنّي  زنـدي
وفـي تدبيـر أمـره أحاطـت قدرتـه     وبالقصـد لا بالقصد احتجب عنهم  أخـذي
فاغـرق في بحر الوحدة ترى وحدتـه     ترتفع عنك الحجب حتى ترى الأسود بالضد
إنتهت الأبيات .
ونصّ شرح سّيد الوجود ولفظه صلّى الله عليه وسلّم :
إسمعْ ما أقول لك واحتفظ على كلّ ما تسمعه منّي في هذه الأبيات التي أمَرْتُك بحفظها في المنام ، فاكتب معناها بالتحقيق وأعطه للتجانيّ وقل له : باب هذه الأبيات هو أعظم البيان ، وقل له : لا يدخل على هذا الباب إلاّ أهل التوحيد المحقّقين وأهل التجريد الصابرين وأهل الوفاء المخلصين وأهل التحقيق الموقنين وأهل الصبر الكاتمين ، وأهل التخليص هُمْ أهل التجلّي ، وأهل التجلّي هُمُ الذين يرثون مقامي . قل لأحمد التجاني : معنى هذه الأبيات هو الباب الذي يوصل إلى المعرفة ، وقل له : كلّ باب فيه بابان ، أحدهما مفتوح والآخر مسدود ، وقل له : لهذين البابين طريقان ، وكلّ طريق توصل إلى بابها ، فمن أخذ طريق الباب المفتوح وصل ودخل وتجلّى . وصل ، أيّ أعامله وردتْ على ربّه من غير معارض يعرضها ، فاذا أبعدتها المعارضات ارتفعت لها الحجب ودخلتْ ، فإذا دخلت أنزلت الملائكة إلى صاحبها وأحبّته وكانت حياتها له دفع المعارضة عنه . ثمّ قال صلّى الله عليه وسلّم : للكاتب نقط . وقل له : الدخول ، فإذا حالت الروح بينك وبين الإعراض دخلت على باب المعرفة الكاملة ، وباب المعرفة الكاملة هو تجلّي الأسماء والصفات . قل له : إشارتي لك هنا هي مشاهدة جميع العلوم الظاهر والباطنة ومشاهدة جميع الصفات التي تَرِدُ منها هذه العلوم المتقدّمة ، فإذا وصل هذا المعنى دخل على باب التجلّي الذات وارتفع عنه حجابها نزل الحقّ بالحقّ فيكون صاحب هذا التجلّي محجوبا عن جميع الموجدات وجميع الموجودات محجوبة عنه . قال له : مشاهدة الحقّ فناء ، ولا يكون ينطق في حالة التجلّي إلاّ بالحقّ ، فانظر ما أوسع هذا الباب . ثمّ قال له صلّى الله عليه وسلّم ، أيّ للكاتب رضي الله عنه : أكتبْ البيت الأوّل .
فبالمجـد والتحميـد به تتجلّـى ذاتـه     وبالقـصـد كـان المـنـع لـي  وحـدي
ثمّ قال للكتاب صلّى الله عليه وسلّم : قل له : هنا تجرّد العبادة ينقسم إلى أربعة أقسام ، كما كانت الكعبة مربّعة ، وكما كانت الأرض على أربعة أركان ، وكما كانت الكتب أربعة ، وكما كانت مذاهب التحقيق أربعة . ثمّ قال له صلّى الله عليه وسلّم ، نقط ، قل له : عبادة موجبة وممنوعة ، وعبادة مستقيمة ومعوجّة ، وعبادة محيطة ومتوسّطة ، وعبادة كاملة ومتّصلة . العبادة الأولى هنا هو التجريد والانقطاع إلى الله بالأعمال الكاملة والإخلاص التامّ , ويكون هذا الانقطاع من غير قصد ، ويكون مراده بهذا الانقطاع إنّما يمجّد الله ويعظّمه ويسبّحه ويقدّسه ويحمده على الحالة التي هو عليها ولا يقصد في عبادته شيئا ، لا ينظر فيها إلى شيء ، فتصعد أفعاله إلى الله وتدخل على الباب المفتوح وتشتغل, تجول على ما ذكرناه أوّلا ، ولا يكون له وقوف إلاّ التجلّي ، لقوله تعالى : وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ الآية . وأهل العمل الصالح هُمُ الذين لم يقصدوا في أعمالهم شيئا من مصلحة ولا منفعة ، ولا يسأل في عبادته إلاّ الإعانة والعافية الكاملة ، يسألها إلى آخرته . قل له : خيار السؤال إذا سأل أحدكم فليسأله في العفو والعافية ، وإذا كان قصده في تجريده وانقطاعه وصولا إلى مقام طلب علْم أو سرّ تطلع أعماله حتّى تَرِد على الباب المغلوق فتجلس تعاينه ينفتح ساعة ترجى صاحبها يرجع ويقول : عبادتي لله لا أطلب حاجة ، فإذا ألْهِمَ وقال هذا رجعت ودخلت على الباب المفتوح ، وإن لم يقل ما ذكر رجعت تلك الأعمال منقطعة كانقطاع الريح في الهواء ، فتجول حتى تسكن ، بمعنى تنقلب عليه خسرانا . هذا معنى البيت .
ثمّ قال له صلّى الله عليه وسلّم : أكتبْ البيت الثاني :
وبحـقّ الحقّ بالحـقّ تـرى حقيقتـه     وبالحـقّ لا بالحقّ أحتجـب عنّي  زنـدي
قل له : أشرت في هذا البيت إلى صاحب التجريد ، وهو الإنسان الكامل الورع لحامل العلم على العمل لأنّ القوّة هي تحمل الضعيف لأنّ هذا الرجل إذا تجرّد إلى الله بالعمل والعلم ، لأنّ العمل والعلم حقّ ، وكان هذا الرجل لم يخرج عن الشريعة ، تابعا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في جميع ما أمر به لأنّه صلّى الله عليه وسلّم هو الحقّ حيث اتّخذه الله حبيبا محمودا ، وأرسله لأمّته مبشّرا ونذيرا ، وأنزل عليه الآيات البيّنات ، وهي الحقّ ، وهو قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ الآية فإذا تجرّد الإنسان على هذه الحالة فصار هو خليفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ميراث تجلّي الذات ، فإذا اجتمعت الحقوق قدّامها لا تكون إلاّ هي حقّ ، وكونه بالحقّ لا بالحقّ ...البيت ، قل له : المراد به الإنسان إذا انقطع إلى الله بالعلم والعمل الذي هو الحقّ ، وقصد بعبادته مقاما يوصله أو حاجة نفعيّة احتجبت عنه جميع الحقائق كالشمس إذا طلعت إلى سمائها احتجبت منها جميع الدرارى والظلام الذي سابقها لأنّ الأنبياء التي هي قبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كانت ظاهرة شريعتها وطالعة أنوارها كالكواكب ، ولمّا أرسل الله هذه الآية الشريفة وهو محمّد صلّى الله عليه وسلّم انتشر نوره كالشمس في سمائها فأردكت جميع الأنبياء المشار إليها بالكواكب ، ويكون ذلك الرجل في أعماله كالإنسان إذا يقرع النار من غير شعل ، يكون نورها يظهر بعيدا ، ويكون يطفح بين يديه ولا ينتفع منه إلاّ كالبرق إذا تلألأ بين يدي الإنسان ، يراه ولا يدركه أحد سوى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي أسري عليه ، وليلة الإسراء كانت معه أحبّته وأسرى من وسطهم ولم يروه . وما هنا مشار كلّ معانيه في القرآن العظيم . ثمّ قال له صلّى الله عليه وسلّم : أكتبْ البيت الثالث .
وفـي تدبيـر أمـره أحاطـت قدرتـه     وبالقصـد لا بالقصد احتجب عنهم  أخـذي
قل له : معنى هذا البيت هو حم عسق ، لمّا دبّر أمره قبل وجود العالم أحاطت به قدرته ، وهو سرّ في القاف ، وتقدّرت من القاف الأرواح والأنفس وجميع الموجودات المقدّرات في العالم . والحاء لها سرّ ، وهي حكمة، أحاطت بجميع الموجودات المقدّرات كالحركات والسكنات . وسرّ في الميم أحاط بجميع المكنون في العالم ، وهو المقدّر كالأنوار في الأبصار وكالنبات والحياة والممات . والسين سرّه مودع في النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم أحاط بجميع الأنبياء ، وجميع العالم خلق من نوره . وبالقصد... إلى آخره ، لأنّ أهل هذا العالم عندهم هذه الحروف من الكتاب ، وهي سرّ السرّ المستولي على جميع الأسرار ، ولم يعرف معناها إلاّ بعض الأولياء لأنّ سرّها محجوب مكتوم . ثمّ قال له صلّى الله عليه وسلّم : أكتبْ البيت الرابع .
فاغـرق في بحر الوحدة ترى وحدتـه     ترتفع عنك الحجب حتى ترى الأسود بالضد
قل له : هذا المعنى : الرجال الذين يريدون المعرفة والوصول إلى تجلّي الذات ، فإذا وقف الواقف بين يديه لا ينتظر غيره ولا يجعل في قِبَله شيئا معه يحول بينه وبينه ، بل يقصد به الوصول إليه ويسأله الحرص والإعانة في محبّته ، ويسأله العفو والعافية في نومه ويقظته وفي أكله وشربه ، ويعبد الله بالإخلاص ، وينتظر أحكام الله الجارية عليه ، ويسأله السلامة في معاني ألفاظي التي يسبّح بها مولاه ، ولا يقصد في عبادته شيئا إلاّ التعظيم لوجهه الكريم ، ويدوم على ذلك حتّى يرى أنوارا انتشرت عليه من قِبَله ، ولا يشاهد غيرها أصلا . فإذا تفكّر أمور الشريعة الظاهرة الذي كان يشاهد قبل إفاضة النور عليه بنسبة الليل مع النهار . وقُلْ لحبيبي التجاني : كلّ هذه المعاني في القرآن العظيم ، وقل له : هذا الكتاب يدلّك على ما أمرتك به ، قلت لك : لا تقصد شيئا ولا تجتهد في حرص شيء . إجتهد في العبادة ومخالفة النفس ، والحرص والاجتهاد لا يكون إلاّ في العبادة لله ومخالفة النفس . والحرص في ما يقصده الإنسان في العبادة هو تأخير الفتح . قل له : هو تأخير الفتح . قل له : هو تأخير الفتح . قل له : هو تعويق الفتح . إلى ثلاث مرّات . قل له : إنتهى ، واشتغل بتعبّد مولاك بما أمرتك به مجرّدا من جميع المقاصد تعظيما لله وإجلالا وتحميدا له وتقديسا حتّى تبلغ المقدار وتصل مرادك وجميع مقاصدك . وقل له ثلاث مرّات : أنت مكتوب من الأولياء . وقل له : إذا بنيت الدار ، إجعلْ فيه بيتا وسَمِّهِ بيت السرّ ، واجعل أورادك وأذكارك وجميع ما أمرتك به ، أجعله فيه ، ولا يدخل أحد غيرك فيه ، تعرض عليك الخيرات والبركات ، وتنال جميع المقاصد . اهـ . وأملاه سيّد الوجود وعلم الشهود صلّى الله عليه وسلّم على الذي ذكر أوّلا في أوّل هذه الأبيات ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما .
وسألته رضي الله عنه عن تفضيل الصحابيّ الذي لم يفتح عليه وعن القطب من غير الصحابة .
فأجاب رضي الله عنه : إختلف الناس في تفضيل الصحابيّ الذي لم يفتح عليه وعن القطب من غير الصحابة ، فذهبت طائفة إلى تفضيل الصحابيّ وذهبت طائفة إلى تفضيل القطب ، والراجح تفضيل الصحابيّ على القطب بشاهد قوله صلّى الله عليه وسلّم : « إنّ الله اصطفى أصحابي على سائر العالمين سوى النبيّين والمرسلين » ، وبقوله صلّى الله عليه وسلّم : « لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه » ، وبقوله صلّى الله عليه وسلّم : « خيركم قرني ثمّ الذين يلونه ثمّ الذين يلونه » الحديث ، وبقوله سبحانه وتعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ الآية ، وهذا من شدّة اعتناء الله بنبيّه صلّى الله عليه وسلّم و خصوصيّة له ، وبالله التوفيق . اهـ . من إملائه علينا رضي الله عنه .
ولنذكر هنا قصيدة تائية لسيّدنا رضي الله عنه نظمها في ابتداء أمره طلب فيها من الله تعالى ما يتمنّاه فتفضّل عليه مولاه . ونصّها :
ألا ليـت شعري هل أفـوز بِسَكْـرَة     من الحـبّ تُحْيي مِنِّي كلّ رميمـة
وهل لِذُرَى الإحسان ترقى  عوالمـي     وهـل تتجلّـي الذات فيها  لفكـرة
وهـل  لي بغيب الغيب بالله  غيبـة     تُغَيِّـب كلّي عـن جميع  الخليقـة
وهل نفحـات القرب فضلا  تعمّنـي     وقد هدمـت منّي رسـوم الطبيعـة
وهـل جذبـاتٌ بالتجلّـي تـؤمّنـي     فتسلبنـي عن كلّ كلِّي  وجملتـي
وهل واردات الوصـل منّا تزفّ لـي     لكي  أرتقي العلياء من كلّ  رتبـة
وهـل أَرِدَنَّ بحـر الشهود فيشتفـي     غليلي بغوصي فيه في كلّ لمحـة
وهل  تطلعنّ شمس المعارف جهـرة     بباطـن قلبي والهـدى لي زفّـت
وهل  أرتقي عرش الحقائق واصـلا     إلى اللـه محفـوظا بكلّ  كريمـة
وهل صلـة التوحيـد ألبسها  وقـد     تمكّـن سـرّي من بساط الحقيقـة
وهل لـي بجمع الجمع بالله وصلـة     وقد طلعـت شمس الوصول بقِبلـة
وهـل وابـل العلم اللدنـيّ هاطـل     إلـيّ ويبقـى دائمـا كـلّ لحظـة
وهل أملـي من هـذه بالـغ المـدى     فَيَـا حبّـذا أم لا بلـوغ لمنيتـي
وهـل تجمع الأيّـام شملي ببغيتـي     ونَيْـل مرادي أم أموت بحسرتـي
إنتهتْ مِن إملائه علينا رضي الله عنه .
وله أبيات في التشمير والحزم ، خلّل بيتيْن لبعض الفضلاء ، وهي :
تريـد المجـد ثمّ تنـام ليـلا     لقـد أطمعـتَ نفسك بالمحـال
يغوص البحر من طلب اللآلئ     ومن طلـب العلا سهر الليالـي
قال سيدنا رضي الله عنه :
تريـد المجـد ثمّ تنـام  ليـلا     لقد أطمعـت نفسك بالمحـال
لقد رمت الحصاد بغير حـرث     يغوص البحر من طلب  اللآلي
فـدع عنك التعلّـل بالأمانـي     وجِـد تنل مقامـات الرجـال
فليس ينـالها سعي الهوينـا     ولا بالهـون ترقـى للجبـال
ألا خـلّ التكاسـل والتوانـي     ونفسك  جَرّعَنَّ مُـرَّ النكـال
وخذ في الكدّ واحتزمن  وشمّر     بعزم  إن سـوم الدُّرِّ غالـي
فمن ركنـت شجيتـه  لعجـز     تقاعس عن محاولة المعالـي
فإن قصـد المفاخر لم ينلهـا     ومن طلب العلا سهر الليالـي
إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ولبعض الفضلاء رضي الله تعالى عنهم ، ونصّه :
كـلّ مَـن قـلّـل أنجـالـه     كـان من الطاعـات أنجى لـه
كـلّ مَـن قـلّـل أقـوالـه     كـان مـن الزلاّت أقـوى لـه
كـلّ مَـن أهمـل أفعـالـه     أوشـك أن ترجـع أفعـى لـه
فأجابه سيّدنا رضي الله عنه ، ونصّه :
كـلّ مَـن راقـب أحـوالـه     كان لدى الخيـرات أحوى لـه
كـلّ مَن لم يـرْعَ أعمـالـه     كان عن الإرشـاد أعمـى لـه
كـلّ  مَن بـايَـن أعـلالـه     كـان عن الخسران أعلى  لـه
كـلّ مَن بـاعـد  أغـلالـه     كـان لرفـع القدر أغلـى لـه
كـلّ مَـن فـارق أوحـالـه     وَارِدٌ بـالخـيـر أوحـى لـه
إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
ومِن إملائه علينا رضي الله عنه ، ونصّه :
أراك تراني بحيث لا تراني     ومن العجائب أن تراني فلا تراني
قال رضي الله عنه : معناه ، الكون كلّه وجود من حيث أنّ حقيقته وجود الحقّ صفة وإسما لا ذاتا . والكون كلّه عدم مِن حيث صورة الغيريّة فيه ، فإنّه لا وجود له مِن هذه الحيثيّة ، يشهد لذلك قوله تعالى : وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ، فإنّ عين الأحديّة فاضتْ بالقهر الماحق لجميع صور الأغيار فلم يبق إلاّ كونه واحدا لا مشاركة فيه للوجود . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .


<< الصفحة التاسعة

<< عودة إلى فهرس الباب الخامس