في إشاراته العلويّة وحلّ مشكلاتها بعبارات وهبيّة ـ الصفحة التاسعة .
وسمعته رضي الله عنه يقول : كلّ ما خلق الله في الدنيا من الدواب كلّها مخلوقة في الجنّة إلاّ أربعة : الكلب والقرد و الخنزير والقنفذ . وجميع دوابّ الأرض لا تدخل الجنّة إلاّ أشياء مستثنيات : ناقة صالح عليه الصلاة والسلام وفصيلها ، وطير سليمان وهو الهدهد والله أعلم ، والسرند ، وحمار عزير ، وكبش إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، وحماره صلّى الله عليه وسلّم وناقته أو بغلته ، والله أعلم ، وكلب أهل الكهف ، والسلام أهـ . من إملائه علينا رضي الله عنه .
ومن إملائه رضي الله عنه ، قال : خلقت الجنّة على رأس اثنين وخمسين ألف سنة من منشأ العالم ، وخلق آدم عليه الصلاة والسلام على رأس اثنين وسبعين ألف سنة من منشأ العالم . قال الرفاعي : إنّ لله ثمان مائة ألف عالم ، العرش بجميع ما في جوفه من العوالم منها عالم واحد . الكامل مِن الرجال مَن أطلعه الله على جميعها ، وليس ذلك إلاّ الفرد الجامع . أهـ .
وأمّا السَّنَةُ فكانت في أوّل الأمر أيّامها أيّام الربّ ، ويوم الربّ هو ما قال سبحانه وتعالى :
وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ

،
وهذا اليوم المذكور إنّما هو مِن منشأ العالم إلى خلق الجنّة ، وأمّا مِن خلْق الجنّة إلى آدم فهو أقصر منها . أهـ .
وسئل سيّدنا رضي الله عنه عن عَيْنِيَّةِ الذات والصفات التي هي معتقد المحقّقين من أهل الله .
فأجاب رضي الله عنه بقوله : وأمّا الذات من حيث ما هي هي فهي عين قائمة ، وهي متّصفة بجميع صفات الألوهيّة وأسمائها ، لكنّها في غاية البعد ونهاية الصعوبة في الإدراك لها والعلم بها ، وليس لأحد من المحقّقين ، بل ولا جميع النبيّين
والمرسلين ، ما عدا القدوة العظمى صلّى الله عليه وسلّم ، أنْ يحيط بها علما أو يدرك لها حقيقة تمتاز بها عن غيرها كتمايز الأشياء بعضها من بعض . وإنّما معرفتهم بها وإدراكهم لها هو قطعهم بالعجز عنها مع احتراق ذواتهم من هيبة عظمتها وجلالها .
ومثل ذلك في الشاهد لو فرضنا رجلا أكمه لا يبصر شيئا ، ووضعناه حول النار قريبا منها ، فلا شكّ أنّه يحسّ بإحراق النار وشدّة حرارتها ولا يدرك لها حقيقة لِفَوَاتِ بصره ، وليس له من النار إلاّ الإحساس بِحَرّها مع جهله بحقيقتها والقطع بِصِحَّة وجودها وامتيازها عن غيرها ، فهذا غاية ما تمتاز به الذات عن الأشياء في هذا المثال . وإنّما الإدراك للنار رؤية عينها بعين البصر وقذفه فيها حتّى يحترق بها ، فهذا هو المدرك لحقيقتها ، ولكن الكمه غلبه على هذا .
قلنا فغاية إدراك المحقّقين من الذات وجود حبّها في ذواتهم ، وذلك أمْرٌ صعب الملتقى لا يدرك بالمقال ، وإدراك ماهيتها حسّيّة في ذواتهم ، فهي وإن كانت حجبت الخلق عن النظر إليها فللواصل احتراق ورعب شديد ووجل من هيبة عظمتها وجلالها ، فهذا غاية ما لهم من الذات لا زائد . ولذا يقول العجز عن درك الإدراك إدراك . ففي ذا يقول المسبّح : " سبحان من لا وصول لمعرفته إلاّ بالجهل بمعرفته " . وأمّا الصفات الإلهيّة فللعارفين فيها إدراك حسّيّ لا تكشف العبارة منه شيئا ، إنّما يكشفه الذوق والحال .
مثال ذالك في الشاهد حلاوة العسل والسكّر مثلا ، مع مرارة الحنظل والصبر مثلا ، مع ملوحة الملح ، مع حرافة الحريفات ، مع حموضة الحامض الشديد الحموضة . إذا فرضنا شخصا لم يذق منها شيئا ولم يعرف لها حقائق يقول لنا مثلا : أخبروني عن حقيقة الملح في المالح والمرارة في المرّ ، وحقيقة الحريف في الحريفات ، وحقيقة الحامض في الحوامض ، وحقيقة الحلاوة في الحلو . فلا شكّ أن نقول له : العبارة لا تكشف لك عن
هذا شيئا .
فكذلك حقائق الصفات الإلهيّة لا تكشف العبارة عنها شيئا ، إنّما تعرف حقائقها بالذوق والحال .
وأمّا رجوع الصفات كلّها إلى شيء واحد وصفة واحدة ، فالجواب عن هذا : أنّ الصفة الواحدة التي ترجع إليها جميع الصفات فتصير بها صفة واحدة ، قلنا هي مرتبة الألوهيّة ، وهي مرتبة الحقّ سبحانه وتعالى . فالألوهيّة صفة واحدة ، وحقيقتها توجّه جميع غيره إليه بالعبادة والخضوع والتذلّل والتصاغر لعظمته وجلاله ، وهذه الصفة مع وحدتها استغرقت جميع الموجودات فلا يشذّ عنها شيء . في هذه الصفة الواحدة ، وهي الألوهيّة ، لا يصحّ اتّصاف الحقّ بها سبحانه وتعالى إلاّ إذا اتّصف بجميع الصفات الكماليّة والأسماء الكماليّة أيضا ، فلو انعدم منها صفة أو اسم فيه سبحانه وتعالى لم يصحّ اتّصافه بالإلوهيّة . قلنا هذا هو مرجع الصفات إلى صفة واحدة . وأمّا المغفرة الواقعة في الفتح فإنّما هو فتح الحُديبيّة لا فتْح مكّة ، فإنّ هذه السورة ، يعني سورة الفتح ، نزلت في قضيّة الحديبيّة قبل الفتح بسنتين ، فيها أعطى هذه الأربع وهي :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا

،
ثمّ استمرّ سبحانه وتعالى بِذِكْر ما وقع في قضيّة الحديبيّة إلى قوله :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ

إلى قوله :
فَتْحًا قَرِيبًا

،
يريد أنّهم كانوا في خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام الحديبيّة لا يرون فيها غير فتْح مكّة .
وقد كان أخبرهم صلّى الله عليه وسلّم أنّه رأى في النوم أنّه دخل مكّة آمنا ، فلمّا صُدَّ عن البيت صلّى الله عليه وسلّم ، وصالحهم على الرجوع في ذلك العام بلا عمرة ، ساء ظنّ الناس واضطراب إيمانهم ، وركبتهم الشياطين بضرْبٍ مِنَ القدْح في الإيمان ، وأنزل الله سبحانه وتعالى
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ

إلى قوله :
فَتْحًا قَرِيبًا

،
وهو فتح الحديبيّة لأنّ فتْح الحديبيّة تقوّى الإسلام فيه وكثر الناس ، حتّى كان في الحديبيّة غزا في ألف وأربعمائة وبعد عامين غزا مكّة في عشرة آلاف ففتَحَها صلّى الله عليه وسلّم ، فعلم ما لم تعلموا . قلنا : فالفتح الذي وقع بسببه مغفرة الذنوب ما تقدّم منها وما تأخّر ، وإتمام النعمة عليه صلّى الله عليه وسلّم ، وهدايته إلى الصراط المستقيم ، ونصْر الله له نصرا عزيزا ، قلنا هو فتح الحديبيّة لا فتح مكّة . ومعنى المغفرة له صلّى الله عليه وسلّم هو أنّ الحقّ سبحانه وتعالى تجلّى عليه تجلّيا أعطاه فيه هذه الصفات الأربعة المذكورة في الآية . ومعنى الذنوب في حقّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقد ذكرنا سيّدنا رضي الله عنه في معنى قوله تبارك وتعالى :
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ

الآية ، فليطالعها في فصل الآيات . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
ومن كلامه رضي الله عنه ، قال :
أوّل موجود أوجده الله تعالى من حضرة الغيب هو روح سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، ثمّ نَسَلَ الله أرواح العالم من روحه صلّى الله عليه وسلّم ، والروح ههنا هي الكيفيّة التي بها مادة الحياة في الأجسام ، وخلق من روحه صلّى الله عليه وسلّم الأجسام النورانيّة كالملائكة ومن ضاهاهم ، وأمّا الأجسام الكثيفة الظلمانيةّ فإنّما خلقت من النسبة الثانية من روحه صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّ لروحه صلّى الله عليه وسلّم نسبتين أفاضهما على الوجود كلّه ، فالنسبة الأولى نسبة النور المحض ، ومنه خلقت الأرواح كلّها والأجسام النورانيّة التي لا ظلمة فيها ، والنسبة الثانية من نسبة روحه صلّى الله عليه وسلّم نسبة الظلام ، ومن هذه النسبة خلق الأجسام الظلمانيّة كالشياطين وسائر الأجسام الكثيفة والجحيم ودركاتها ، كما أنّ الجنّة وجميع درجاتها خلقت من النسبة النورانيّة ، فهذه نسبة العالم كلّه إلى روحه صلّى الله عليه وسلّم .
أمّا حقيقته المحمّديّة صلّى الله عليه وسلّم فهو أوّل موجود أوجده الله تعالى من حضرة الغيب ، وليس عند الله من خلقه موجود قبلها ، لكن هذه الحقيقة لا تعرف بشيء . وقد تعسّف بعض العلماء بالبحث في هذه الحقيقة ، قال : إنّ هذه الحقيقة مفردة ليس معها شيء ، فلا تخلو إمّا أنْ تكون جوهرا أو عرضا . فإنّها إنْ كانت جوهرا افتقرتْ إلى المكان الذي تحلّ
فيه فلا تستقلّ بالوجود دونه ، فإن وجدت مع مكانها دفعة واحدة فلا أوّليّة لها لأنّهما اثنان ، وإنْ كانت عرضا ليست بجوهر فالعرض لا كلام عليه ، إذ لا وجود للعرض إلاّ قدْر لمحة العين ثمّ يزول . أين الأوّليّة التي قلتم ؟
والجواب عن هذا المحطّ : أنّها جوهر حقيقة له نسبتان ، نورانية وظلمانية . وكونه مفتقرا إلى المحلّ لا يصحّ هذا التحديد لأنّ هذا التحديد يعتدّ به من تثبّط عقله في مقام الأجسام ، والتحقيق أنّ الله تعالى قادر على أن يخلق هذه المخلوقات في غير محلّ تحلّ فيه ، وكون العقل يقدّر استحالة هذا الأمر بعدم الإمكان بوجود الأجسام بلا محلّ فإنّ تلك عادة أجراها الله تثبّطَ بها العقلُ ولم يطلق سراحه في فضاء الحقائق ، ولو أطلق سراحه في فضاء الحقائق لَعَلِمَ أنّ الله قادر على خلق العالم في غير المحلّ .
وحيث كان الأمر كذالك ، فالله تعالى خلق الحقيقة المحمّديّة جوهرا غير مفتقر إلى المحلّ ، فلا شكّ أنّ من كشف له عن الحقيقة الإلهيّة علم يقينا قطعيّا أنّ إيجاد العالم في غير محلّ ممكن إمكانا صحيحا . أمّا الحقيقة المحمّديّة فهي في هذه المرتبة لا تعرف ولا تدرك ولا مطمع لأحد في نيلها في هذا الميدان . ثمّ استّترتْ بألباس من الأنوار الإلهيّة واحتجبت بها عن الوجود ، فهي في هذا الميدان تسمّى روحا بعد احتجابها بالألباس ، وهذا غاية إدراك النبيّين والمرسلين والأقطاب ، يَصِلُونَ هذا المحلّ ويقفون . ثمّ استترت بألباس من الأنوار أخرى وبها سُمِّيَتْ عقلا . ثمّ استترت بألباس من الأنوار الإلهيّة أخرى فسمّيت بسببها قلبا . ثمّ استترت بألباس من الأنوار الإلهيّة أخرى فسمّيت بسببها نفسا . ومن بعد هذا ظهر جسده الشريف صلّى الله عليه وسلّم .
فالأولياء مختلفون في الإدراك لهذه المراتب . فطائفة غاية إدراكهم نفسه صلّى الله عليه وسلّم ، ولهم في ذلك علوم وأسرار ومعارف . وطائفة فوقهم غاية إدراكهم قلبه صلّى الله عليه وسلّم ، ولهم في ذلك علوم وأسرار ومعارف أخرى . وطائفة فوقهم غاية إدراكهم عقله صلّى الله عليه وسلّم ، ولهم بحسب ذلك علوم وأسرار ومعارف أخرى . وطائفة ، وَهُمْ الأعلون ، بلغوا الغاية القصوى في الإدراك فأدركوا مقام روحه صلّى الله عليه وسلّم ، وهو غاية ما يُدرَك ، ولا مطمع لأحد في درك الحقيقة في ماهيّتها التي خلقت فيها .
وفي هذا يقول أبو يزيد : " غصت لجّة المعارف طلبا للوقوف على عين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فإذا بيني وبينها ألف حجاب من نور ، لو دنوتُ من الحجاب الأوّل لاحترقتُ به كما تحترق الشعرة إذا ألقيتْ في النار " . وكذا قال الشيخ مولانا عبد السلام في صلاته : " وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه مِنَّا سابق ولا لاحق " . وفي هذا يقول أويس القرني لسيّدنا عليّ وسيّدنا عمر رضي الله عنهما : لم تريا من رسول الله صلّى عليه وسلّم إلاّ ظِلَّه ، قالا : ولا ابن أبي قحافة ؟ قال : ولا ابن أبي قحافة . فلعلّه غاص لجّة
المعارف طلبا للوقف على عين الحقيقة المحمّديّة فقيل له : هذا أمر عجز عنه أكابر الرسل والنبيّين فلا مطمع لغيرهم فيه . إنتهى .
ومعنى قول الشيخ في صلاته " اللهمّ ألحقني بنسبه " ، معناه هو كونه خليفة عن الله في جميع المملكة الإلهيّة بلا شذوذ ، متّصفا بجميع صفات الله وأسمائه حتّى كأنّه عينه ، فهذا نسبه من الحضرة الإلهيّة . وبعبارة قال رضي الله عنه ، يعني شيخنا ، طلب من الله أن يحقّقه بنسبته صلّى الله عليه وسلّم من الحضرة الإلهيّة وتحقّقه بحسب ذلك النسب ، وهي العلوم المحمّديّة ، والأولياء فيها كلّ على قدر نصيبه ومحتده . فغاية ما يدرك منها اثنان وسبعين .
وقال أيضا رضي الله عنه : فمن وصل إلى ستة وستين من العلوم المحمّدية أو أزيد فلا يضرّه مجالسة الخلق للحقّ ولا مكالمتهم ، فلا يسمع إلاّ من الله ، واسْتَوَتْ خلوته وجلوته . قال رضي الله عنه : من أدرك العلم الأوّل من العلوم المحمّديّة وقسّمه على اثنين وسبعين جزء ، وعلم جزء واحدا من اثنين وسبعين جزء ، فله ، إنْ أراد ، أنْ يفسّر كلّ آية من كتاب الله باثنين وسبعين وجها من التفسير ، وأحاط بجميع العلوم الظاهرة و الباطنة . هذا لمن علِمَ جزء واحدا من اثنين وسبعين جزء من العلم الأوّل ، فضلا عن العلم الواحد كلّه ، فضلا عن اثنين أو ثلاثة إلى آخر اثنين وسبعين علما . فاعرف النسبة . إنتهى قوله .
" وحقّقني بحسبه " : يعني إذا ألحقتني بذلك النسب حقّقني بحسبه ، والحسب هنا هو الشرف ، يعني شرّفني بشرفه ، والمراد بهذا الشرف ما تهبه له في هذه الحضرة من الأخلاق الإلهيّة والأحوال العليّة والنسمات الزكيّة التي مَنْ تحقّق بها صار سيّد العالم بأسره ، فهذا هو الحسب الذي طلبه رضي الله عنه .
قوله " وعرّفني إيّاه " : طلبا للوصول إلى معرفة حقيقة روحه صلّى الله عليه وسلّم ، فهذا غاية ما يدرك . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
ثمّ قال رضي الله عنه :
الروح طوله مسيرة تسعمائة ألف عام وكذلك عرضه . ثمّ قال : هذا في أرواح العارفين ، وأمّا غيرهم فكالحمامة أو أقلّ . وأمّا مسكن أرواح عامّة المؤمنين أصحاب الحجاب فمن السماء الأولى إلى الرابعة . وأمّا مِن الرابعة فمسكن أرواح العارفين على تفاوتهم . أهـ من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسمعته رضي الله عنه يقول : قال الشاذلي رضي الله عنه في مخاطبته للحقّ جلّ جلاله : إن الكافر وإن لم يجب داعي إيمانك فقد أجاب داعي سلطانك ، فالكلّ ممتثلون لأمرك ،
مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

. فكلّ ما في الكون دابّ ، متحرّكه وجماده ، فإنّ الجمادات ألبسها سبحانه وتعالى أرواحا لا ندركها ، وتلك الأرواح هي تامّة المعرفة بالله تعالى ، وبتلك المعرفة تسبّح الله وتقدّسه وتسجد له وتعبده . قال صلّى الله عليه وسلّم للضبّ حين كلّمه ، قال له :
«
يا ضبّ قال له لبّيك وسعديك يا زين من وافى القيامة قاله من تعبد قال له الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي الهواء روحه وفي الجنّة ثوابه وفي البحر سبيله قال له من أنا قال له أنت يا رسول الله قد أفلح من صدّقك وخاب من كذّبك
» ،
فأسلم الأعرابيّ ، إذ كان شرط إسلامه على كلام الضبّ له ، فلمّا كلّمه أسلم ، ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :
«
كلّ شيء يعلم إنّي رسول الله إلاّ عصاة بني آدم والجنّ
» ،
إنتهى . وجه الشاهد في عبادة الضبّ أنّ الكون كلّه يعبد الله . وكذا قضيّة الفيل حين كلّمه نفيل بن حبيب ، وكان أسيرا في يد أبرهة ، إلى آخر القصّة وهي معلومة في كتب السير فلا نطيل بها . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسئل سيّدنا رضي الله عنه بما نصّه ، قال :
ويجب أن لا يواصل مَن لم تُرْجَ مودّته وائتلافه وإنْ طلبك من المواصلة لأنّ فائدة المواصلة إنّما هي تطييب القلوب ، وأمّا مَن يُظهِر الودّ ويكتم البغض فيجب هجرانه الخ .
فأجاب سّيدنا رضي الله عنه بقوله : وأمّا قطْع مودّته وائتلافه بإظهار العداوة وتبدّي الشكوى فلا يحلّ لا شرعا و لا طبعا ، ولا يتأتّي لِذِي عقل وافر التوجّه لذلك ، لأنّ الله سبحانه وتعالى نصب هذا الخلق في معرض بروز الشرّ منهم لكلّ أحد وإنْ كانوا أهل خير ، لأنّ الله له تجلّ في كلّ وقت بأمر معلوم ، ولا يخلو كلّ وقت من تجلّيه بالشرّ من بعض خلْقِه
بالتوجّه لمقاومة ذلك ، ومقابلته بالشرّ فيه ضرر كبير على العاقل ، لكن العاقل يلزمه التسليم لأمر الله فيما أراد من خلقه والتواضع لأمر الله وإظهار اللين والإعراض ، وبذلك ينجو من عوارض شرّه . وأمّا مَن قابله بالمقابلة بما برز له من الخلق من الشرّ فلا يزيد عليه إلاّ شدّة وثقلا عقوبة له لما لم يتعرّف بالعبوديّة التي يحطّها التواضع والانكسار ، فإنّ المقابلة بالشرّ خروج عند حدّ العبوديّة ، ويكون صاحبه في ذلك بمنزلة من يزيد الحطب للنار ولا تزداد إلاّ اشتعالا . وأمّا مَن قاومها بالتواضع و الإنسكار واللين طفئت النار عن قرب .
فاللازم على العبد إذا علم من شخص شدّة العداوة أنْ يعرض عنه أو يظهر له اللين أو الإعراض فقط ينجو من شرّه ، وليكن خائفا من خلْقِه ، فإنّ الخلق مسلّطون بتسليط الله تعالى ، فلا ينفع فيهم إلاّ الإعراض عمّا هُمْ فيه من الشرّ . قال الشافعيّ رضي الله عنه :
لمّا عفوت ولم أحقد على أحـد
أرحت نفسي من حمل المشقّات
إنّي أحيّي عدوّي عند رؤيتـه
كي أذهب الشرّ عنّي بالتحيّات
ولست أسلم من خِلٍّ يصادقني
فكيف أسلم من أهل العـداوات
يقول صلّى الله عليه وسلّم :
«
رأس العقل بعد الإيمان بالله التودّد إلى النّاس
»
قلنا : فالواجب أوّلا إطفاء شرّهم بالإحسان إليهم ، وإلاّ فبإظهار اللين والتواضع له ، وإلاّ فبالإعراض عن مقابلته بشرّ .
فالمراتب ثلاثة ، الأولى مقابلة إساءته بالإحسان ، وهذه المرتبة هي التي قال فيها مولانا سبحانه وتعالى :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ

إلى قوله :
ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ

.
والمرتبة الثانية بإظهار اللين والتواضع ليسهل الأمر في ذلك ، وهذه المرتبة هي التي قال فيها سبحانه وتعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ

الآية ، وقال سبحانه وتعالى فيها أيضا :
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ

في هذه المرتبة . والمرتبة الثالثة هي الإعراض عنه جملة لأنّ الله تعالى يحبّ الإعراض عن الجاهلين . وفي هذه المرتبة يقول سبحانه وتعالى في قضيّة النبي صلّى الله عليه وسلّم مع سهيل بن عمرو حين كتب الهدنة بينه وبينه ، وكان الكاتب عليّا رضي الله عنه وكرّم الله وجهه ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :
«
أكتب هذا ما عاقد عليه محمّد رسول الله سهيل بن عمرو فانقض لها سهيل وقال لا بل اكتب اسمك واسم أبيك لو نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن بيته فلم يكترث به صلّى الله عليه وسلّم إذا كذّبه وأظهر اللين والإعراض عن جهله فقال له أكتب هذا ما عاقد عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو
» ،
وفيها أنزل الله سبحانه وتعالى :
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى

،
هو تواضعه صلّى الله عليه وسلّم وإظهار اللين منه صلّى الله عليه وسلّم وعدم اكتراثه بجهل سهيل بن عمرو حين كذّبه في الرسالة ، ولم يؤاخذه صلّى الله عليه وسلّم بما فعل ، فهذا اللائق بالمقام ومعنى
كَلِمَةَ التَّقْوَى

الذي أشرنا إليه ، لأنّ القرآن واسع المعاني فهذا من بعض التأويلات . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وممّا أنشدنيه شيخنا رضي الله عنه هذان البيتان ، وهُمَا :
إذا كنت قوت الروح ثم هجرتهـا
فكم تلبث الروح التي أنت قوتها
ستبقى بقاء النار في الماء أو كما
يعيش بغدران المفاوز حوتهـا
ثمّ قال رضي الله عنه : ومعنى البيتين ، أنّ المحبّ إذا كان قُوتُ روحه محبوبه ، رؤيةً وشهودًا وملاطفةً ووصالاً ، ثمّ هجَرَه ، فإنّ روحه لا تبقى إلاّ كبقاء النار في الماء ، وكما يعيش الحوت بعد ذهاب الماء عنه ، فإنّه يموت من حينه . كذلك روح المحبّ تموت من حينها عند الهجر . إنتهى من إملائه علينا رضي الله عنه .
وسألته رضي الله تعالى عنه عن معنى هذين البيتين ، وهُمَا :
أيا سرّي يا جهري وبعضي وجملتي
ويـا كلّ أجزائي ومكنون خفيتـي
ويـا عين بهجتي وأنوار مهجتـي
وبـرد فؤادي أمنـن عليّ برؤيـة
فأجاب رضي الله عنه بقوله : إعلم أنّه أراد بقوله " أيا سرّي يا جهري " أنّ الله سبحانه وتعالى سرّي في جميع أحواله ، فلا عقل له ولا وهم ولا حسّ ولا كيفيّة ولا صورة ولا أين ولا وجه ولا كلام ولا تصرّف في شيء إلاّ الله تعالى ، فهو مراد قوله " أيا سرّي يا جهري " . يا سرّي هو ما أسرّه من الأحوال ، ويا جهري هو ما أظهره من الأحوال . يقول الشيخ مولانا عبد السلام في صلاته : " وأغرقني في عين بحر الوحدة حتّى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحسّ إلاّ بها " ، فهذا معنى أيا سرّي يا جهري . يقول بعض الشعراء في معنى هذا الاستغراق :
تالله ما طلعت شمس ولا غربـت
إلاّ وأنت مُنى قلبي ووسواسي
ولا تنفّسـت مسـرورا ومكتئبـا
إلاّ وذكـرك مقرون بأنفاسـي
ولا جلسـت إلـى قوم أحدّثهـم
إلاّ وأنت حديثي بين جلاّسـي
ولا تناولت شرب الماء مِن عطش
إلاّ رأيت خيالا منك في الكـاس
فهذا يشار به للاستغراق في الله تعالى ، وهو معنى قوله " أيا سرّي يا جهري " . قوله " وبعضي وجملتي " يعني ، فما أنا في غيرك فأنت بعضي وجملتي ، " ويا كلّ أجزائي " فما أنا غيرك ولا أنت غيري . وقوله " ومكنون خفيتي " ما أكنّه وأخفيه من جميع الخفايا أنت هو ذاك ، ومعنى هذا هو أخذ الله للعبد ،
ويعبّرون عن هذا الأخذ بقولهم هو اختطاف للعبد من وادي التفرقة وطرحه في بحر الجمع بحيث أن لا يميّز أصلا ولا قاعدة ولا كمّا ولا كيفا ولا صورة ولا وهْما ولا تعقّلا ولا خيالا ولا حسّا ولا غيرا ولا غيريّة ، فما ثَمَّ إلاّ الحقّ بالحقّ في الحقّ للحقّ عن الحقّ ، ويُسمَّى هذا الأخذ صورة فناء الفناء ، ومن هنا يقع الحياة للعبد ، ومع غَرْفِه في هذا البحر، يخرج لتمييز الصفات والأسماء والشؤون والاعتبارات بإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه . قوله " ويا عين بهجتي " ، البهجة هو ما به الابتهاج ، والابتهاج هو صورة النعيم الطالع في النفس باطنا الذي هو بُعد الفرح والسرور ، وهو المعبّر عنه في وصف أهل الجنّة
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ

، فهذا هو الابتهاج ، يعني لا ابتهاج لي بغيرك ، لا الجنّة ولا غيرها ،
فإنّ صاحب الاستغراق في الله ، حيث طرح في بحر الجمع عند إحساسه بالمراتب وتميزها ، كان التذاذه بوجود الحقّ كأنّ نسبته أن لو جمعت جميع نعيم الجنّة ونسب إلى هذا الالتذاذ بالحقّ كان نقطة في بحر .
قيل للكليم عليه السلام : في أيّ حالة كنت في وقت المكالمة ؟ فقال : أمّا في الهيبة فتصور مواقعة الصواعق تَنْصَبُّ حولك متّصلة فلا يوصف خوف صاحبه في هذا الجلال . وأمّا في اللذّة فلا يوصف . وقد قيل لذّة الجماع في ذلك الحال ليست بشيء في ذلك الأمر . فاللذّة غايتها والهيبة غايتها . قوله " وأنوار مهجتي " ، ههنا هي الروح أو بصر العين ونورها الذي ترى به هو أنت . أمّا العين فهي الروح . قوله " وبرد فؤادي " ، البرد ههنا يشار به إلى الماء البارد الحلو الذي جاء عن شدّة احتراق العطش ، فلا تصوّر لذّته ، فهذا يدركها ، يعني الفؤاد احترق بالشوق وليس برد يطفئ ذلك الاحتراق إلاّ الرؤية . يقول ابن الفارض رضي الله تعالى عنه في تائيته :
أروم وإن طال المدى منك نظرة
وكم من دماء دون مرماي طلت
وقد روي عنه أنّه حين كان في النزع ، وعنده بعض الأولياء ، رفع الأولياء له الحجاب عن الجنّة وقيل له : هذا مقامك . فبكى رضي الله عنه وقال :
إن كان منزلتي في الحبّ عندكم
ما قد رأيت فقد ضيّعت أيّامي
أمنيّة ظفرت روحي بها زمنـا
فاليوم أحسبها أضغاث أحلامي
قال بعضهم : فقيل له من الحضرة ماذا تريد يا عمر ؟ فأنشد : أروم إن طال المدى الخ . قال بعضهم : فبعد قليل رأيته ضاحكا ، ثمّ خرجت روحه . ثمّ علمت أنّه أعطِيَ أمله . قوله " أمنن عليّ برؤية " هو ما حكي عن ابن الفارض رضي الله عنه في البيت . إنتهى ما أملاه علينا رضي الله عنه .
وممّا أنشدنيه شيخنا رضي الله عنه هذان البيتان وهُمَا :
تستّـرت عن دهري بظلّ جنابـه
فصرت أرى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيّام ما اسمي ما دَرَتْ
وأيـن مكاني ما عرفن مكانـي
فقال رضي الله عنه : معنى البيتين هي مرتبة الخليفة الأعظم إذْ لا إسم له يختصّ به ، فإنّ أسماء الوجود كلّها أسماء له لتحقّقه بمراتبها ولكونه هو الروح في جميع الموجودات ، فما في الكون ذات إلاّ وهو الروح المدبّر لها والمحرّك لها والقائم فيها ، ولا في كورة العالم مكان إلاّ وهو حالّ فيه ومتمكّن منه .
فبهذا الاعتبار لا إسم له يتميّز به عن الوجود ، ولا مكان يختصّ به دون آخر ، فلهذا قال : " فلو تسأل الأيّام ما اسمي ما درت " الخ ، يشير إلى هذه المرتبة وهي الخلافة العظمى . قال المرسي : " لو كُشِف عن حقيقة الوليّ لَعُبِدَ " ، لأنّ أوصافه من أوصافه ونعوته من نعوته ، ومعنى الولي هنا الإنسان الكامل وهو الخليفة الأعظم ، وهذا معنى قوله تعالى :
أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ

الآية . وقد قال محيي الدين في الإنسان المحجوب ليس بإنسان ، إنّما هو شبه إنسان كالذات الميتة التي لا روح فيها ، فهي ذات
الإنسان ولكن لا روح فيها . وحيث يسمع في كلام الصوفيّة أنّ الروح غير مخلوقة ، بل هي قديمة أزليّة يشيرون إلى هذا الروح ، وهي صفاء المعرفة بعد الفتح ، فإنّ صاحبها يفعل ما يريد في كلّ ما أراده ، يحيي الموتى إذا شاء ، ويناديها فتجيبه مسرعة ولو كانت رميمة ، ويثمر الشجرة اليابسة في الحين إذا شاء ، إلى غير ذلك من الخوارق ، فلا يصعب عليه شيء من خرق العادة ، إلاّ أنّ عليه جبال الأدب مع الحضرة الالهيّة ، فهي التي تمنعه من هذا . فإنْ أظهر من الخوارق ما يأباه الوقت عوقب في الحين وطرد وسلب لأنّه ممحوّ في الحضرة الإلهيّة ، ميّت عن جميع حظوظه ، فلا قيام له إلاّ بقيام الحقّ ، ولو قيل له ما تريد لقال ما أريد إلاّ ما يريد بي الحقّ سبحانه وتعالى ، فهو فَانٍ عن مراداته و إراداته ، والسلام . اهـ ما أملاه علينا رضي الله عنه .